-
العطاس والتثاؤب
عن أبي سعيد الخدري t أن رسول الله r قال: " إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده - وفي رواية - على فيه، فإن الشيطان يدخل " رواه مسلم وأبو داود.
وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: " إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا عطس أحدكم فحمد الله فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فليرده ما استطاع فإذا قال هاء ضحك منه الشيطان " رواه البخاري.
وعنه أيضاً أن النبي r قال: " إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقل هاه هاه فإنما ذلكم الشيطان يضحك منه " أخرجه أبو داود.
يقول الخطابي : " ومعنى حب العطاس وكراهة التثاؤب أن العطاس إنما يكون مع انفتاح المسام وخفة البدن وتيسير الحركات، وسبب هذه الأمور تخفيف الغذاء والإقلال من الطعام، والتثاؤب إنما يكون مع ثقل البدن وامتلائه، وعند استرخائه للنوم وميله للكسل، فصار العطاس محموداً لأنه يعين على الطاعات، والتثاؤب مذموماً لأنه يثبط عن الخيرات وقضاء الواجبات ".
ويعرف د.عبد الرزاق كيلاني التثاؤب بأنه شهيق عميق يجري عن طريق الفم فيدخل الهواء إلى الرئتين دون تصفية، خلافاً لما يحصل لو دخل من مجراه الطبيعي وهو الأنف.
وهو دليل على حاجة الدماغ خاصة إلى الأوكسجين والغذاء، وعلى تقصير الجهاز التنفسي في تقديم ذلك إلى الدماغ خاصة وإلى الجسم عامة، وهذا ما يحدث عند النعاس وعند الإغماء. والتثاؤب قد يضر بالبدن لأن الهواء غير المصفى قد يحمل معه إلى البدن الجراثيم والهوام، لذا نجد أن الهدي النبوي الحق برد التثاؤب قدر المستطاع أو سدّ الفم براحة اليد اليمنى أو بظهر اليد اليسرى هو التدبير الصحي الأمثل، وصلى الله على معلم الناس الخير.
والتثاؤب عند اللغوين من تثاءب وتثأب، أي أصابه كسل وفترة كفترة النعاس. وينقل د.غياث الأحمد تفسير علماء النفس للتثاؤب على أنه دليل على الصراع بين النفس وفعالياتها من جهة، وبين الجسد وحاجته إلى النوم من جهة أخرى. وهو من الناحية الطبية فعل منعكس من أفعال التنفس، ويرى أن علة كراهة النبي r له كونه دليل على الكسل والخمول.
ويرى د.أنور حمدي أن الأمر النبوي الكريم برد التثاؤب قدر المستطاع إنما يحمل فوائد ثلاثاً: أولها أنه يدل بلا شك على ذوق جمالي رفيع، إذ أن المتثائب حين يفغر فاه كاملاً، مظهراً كل ما فيه من بقايا طعامية ولعاب وأسنان نخرة أو ضائعة مع ظهور رائحة الفم يثير الاشمئزاز في نفس الناظر. ثانيها فائدة وقائية إذ يفيد في منع الهوام والحشرات من الدخول إلى الفم أثناء فعله، وثالثها وقائي أيضاً،فهذه التعليمات الرائعة تقي من حدوث خلع في المفصل الفكي الصدغي، ذلك أن الحركة المفاجئة الواسعة للفك السفلي أثناء التثاؤب قد تؤدي لحدوث مثل هذا الخلع.
أما العطاس فهو عكس التثاؤب ويعرف بأنه زفير قوي يخرج معه الهواء بقوة من طريقي الأنف والفم معاً جارفاً معه كل ما يجده في طريقه من غبار وهباء وجراثيم وسواها ويطردها من الجسم مخلصاً له من أذاها. لذا –وكما يرى د.الكيلاني– كان طبيعياً أن يكون العطاس من الرحمن لما فيه من المنافع للبدن، وحق على المسلم أن يحمد الله سبحانه وتعالى على العطاس كما أن عليه أن يتعوذ من الشيطان حين التثاؤب.
هذا وقد عرف الإنسان منذ القديم فائدة العطاس لجسمه وعرف أنه يجلب له الراحة والانشراح فاستخدم طريقة لتنبيه بطانة الأنف لإحداث العطاس وذلك بإدخال سنابل الأعشاب أو ريش الطير إلى الأنف أو باستنشاق مواد مهيجة (كالنشوق) حيث يؤدي ذلك إلى إحداث تهيج شديد في بطانة الأنف وأعصابها الحسية يؤدي إلى حدوث العطاس وما ينجم عنه من شعور بالراحة.
وقد أكَّد د.إبراهيم الراوي أن العطاس وسيلة دفاعية دماغية هامة لتخليص المسالك التنفسية من الشوائب ومن أي جسم غريب يدخل إليها عن طريق الأنف، فهو بذلك الحارس الأمين الذي يمنع ذلك الجسم الغريب من الاستمرار في الولوج داخل القصبة الهوائية. فإن مجرد ملامسة الجسم الغريب لبطانة النف (من حشرة ضارة أو ذرات مهيجة وغيرها) فإن بطانة الأنف تتنبه بسرعة عجيبة آمرة الحجاب الحاجز بصنع شهيق عميق لا إرادي يتبعه زفير عنيف [والذي هو العطاس] عن طريق الأنف لطرد الداخل الخطير ومنعه من متابعة سيره عبر المسالك التنفسية إلى الرئتين.
ويتابع د.الراوي قوله: " أما إذا دخل الجسم الغريب عن طريق الفم ووصل إلى القصبة الهوائية فإنّ ذلك ينبه الجهاز التنفسي محدثاً السعال لصدّ الخطر وطرد الجسم الغريب الداخل إلى المجرى التنفسي، ولا يحدث العطاس إلا حين دخول المواد المؤذية عن طريق الأنف ".
والفرق العجيب بين العطاس والسعال أن السعال لا يؤثر على الدماغ ولا يحدث شعوراً بالارتياح كما يحدث العطاس. ولا يزال العلماء حتى اليوم يقفون حائرين أمام هذا السرِّ المبهم، ولا يزالون عاجزين عن إيجاد أيِّ تعليل علمي عن آلية توليد العطاس لذلك الشعور بالارتياح في الدماغ وخفة الرأس وانشراح النفس.
وقد اعتبره الأطباء القدامى "العطاس" شعاع الحياة، وكان عندهم مقياساً لدرجة الصحة والعافية، ولاحظوا أن الإنسان عندما يصاب بمرض خطير فإنه يفقد القدرة على العطاس، وكانوا يعتبرون عُطاس مريضهم بشارة لحسن العاقبة عنده وأملاً بابتعاد ناقوس الخطر عنه. ويذكرنا بأهمية العطاس للبدن، التفاتة الرسول الأعظم r وأمر الناس بتشميت العاطس، هذه الالتفاتة توحي بأن هناك خطراً متوقعاً فجاء العطاس، فطرد –بقدرة الله Y– العدو المهاجم وانتصر عليه وأبقى صاحبه معافىً. وهكذا يعلمنا رسول الله r كيف نشمت العاطس، أي ندعو له بقولنا " يرحمكم الله ".
فعلى المسلم إذا عطس أخاه المسلم أن يبارك له هذه الرحمة الإلهية والتي يكمن وراءها سِرٌّ خفي من أسرار هذا الجسم البشري فسبحان من خلق الإنسان وأبدعه في أحسن تقويم. وفي تشميت العاطس حكمة إلهية –كما يقول الدكتور الراوي– أن يوحي رب العالمين إلى نبيه r أن يوجه أتباعه إلى أهمية ما في العطاس من منفعة للبدن تستحق الحمد والشكر وهذه من معجزات النبوة! إذ لماذا نحمد الله على العطاس ولا نفعل ذلك عند السعال؟
لا شك أن هناك سرّاً خفياً ونعمة كبرى تستحق حمد الله الذي خلق فأبدع وصمَّم فأتقن التصوير، وفوق هذا فقد جعل من حق المسلم على المسلم أن يبارك له رحمة الله إذا أصابه العطاس واستشعر حلاوته فقال: "الحمد لله" جهراً يسمعه من حوله ليقدموا له دعواتهم "يرحمكم الله" وهذا مصداق قول النبي r: " حق المسلم على المسلم ست … وعَدَّ منها وإذا عطس وحمد الله فشمته ".
والمقصود بالعطاس، العطاس الطبيعي، وأما العطاس المرضي الناجم عن الزكام مثلاً، فإن المصاب يعطس مرات ومرات، وعلى السامع أن يشمته في الأولى والثانية وبعد ذلك يدعو له بالعافية "عافاك الله".
والتدبير النبوي الرائع في العطاس، أن يضع العاطس يده على فمه ليمنع وصول الرذاذ إلى الجالسين، فقد ورد عن أبي هريرة t أنه قال: "كان رسول الله r إذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه وخفض أو غض من صوته "
وهذا الأدب النبوي له حكمته الصحية الجلية، إذ يندفع مع العطاس رذاذه إلى مسافة بعيدة يمكن أن يصل معها إلى الجالسين مع العاطس، أو أن يصل إلى طعام أو إلى شراب قريب منه، وهذا يمكن أن ينقل العدوى بمرض ما (كالزكام) إن كان العاطس مصاباً به، وليس من خلق المسلم في أن يتسبب بشيء من ذلك، لذا علَّمنا رسول الله r الأدب في أن نضع يدنا أو منديلاً على فمنا عند العطاس لمنع وصول رذاذه إلى الغير وفي ذلك –كما نرى– غاية الأدب ومنتهى الحكمة.
-
التدبير النبوي في الحسد وأثره على صحة البدن
قال تعالى: ] قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، ومن شر غاسق إذا وقب، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر حاسد إذا حسد [ سورة الفلق.
وعن أبي هريرة t أن النبي r قال: " إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " .
وعن مولى الزبير، عن الزبير بن العوام t أن النبي r قال: " دبَّ فيكم داء الأمم من قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدين، والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا " رواه الترمذي.
وروى الإمام حجة الإسلام الغزالي عن بعض السلف: " أن أول خطيئة للبشر كانت الحسد، حسد إبليس آدم عليه السلام على مرتبته فأبى أن يسجد له فحمله الحسد على معصية الله، وإياك والحسد فإنّ ابن آدم قتل أخاه حين حسده ".
والحسد هو كراهة النعمة وتمني زوالها عن صاحبها وهو حرام بكل حال. وأما الغبطة فهو أن ترى النعمة على أخيك فلا تكره وجودها ولا تحب زوالها عنه، بل تتمنى من الله أن يرزقك مثلها وليس في ذلك ما يأثم عليه.
ويرى أبو بكر الرازي " أنَّ الحسد يتولد من اجتماع البخل والشره في النفس، وهو شرٌ من البخل، فالبخيل لا يحب أن يمنح أحداً شيئاً مما يملكه، أما الحسود فإنه يتمنى ألا ينال أحدٌ خيراً أصلاً، ولو كان الخير ليس مما يملكه هو، والحسد داء من أدواء النفس عظيم الأذى لها ".
ولعظيم ضرر الحسد على الإنسان وعلى المجتمع، فقد نفر القرآن الكريم منه، وأمر بالاستعاذة من شر الحاسد كما أمر بالاستعاذة من نفث الشيطان، فالحسد مفسد للطاعات، باعث على الخطايا. وهو نار تضطرم في صدر الحسود، فما تراه إلا كاسف الوجه، قلق الخواطر، غضبان على القدر قد عادى حكمة الله. قال تعالى: ] أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله [ صدق الله العظيم.
ويرى الإمام أبو بكر الرازي أن الحسد يضر بالنفس لأنه يشغلها عن التصرف المفيد لها وللبدن، وذلك يسبب طول الحزن والتفكر، ثم إنه يضر بالجسد لما يعرض للمحسود من طول السهر وسوء الاغتذاء، وينشأ عن ذلك رداءة في اللون وسوء السحنة وفساد المزاج.
وينبه د.نضال عيسى جميع المربين والوالدين إلى أن مردّ الحسد قد يكون لسوء التربية، كقدوم طفل جديد تهتم به الأسرة وتنسى اخوته فيبدأ الحسد بالظهور لديهم أو أن يقارن المربي بشكل سيء بين الأولاد فيصف أحدهم بالذكاء والآخر بالغباء بطريقة جارحة، أو عندما يُربى طفل فقير في بيئة غنية مترفة. لذا وجب على المربين وعلى كل من الأبوين إشعار أطفالهم جميعاً بالرعاية والحب وبدون تفريق بالأعطيات بينهم وغير ذلك.
ويلخص د.حامد الغوابي الآثار السيئة للحسد على البدن وصحته ويبين أن الحسد يؤدي عند الحاسد إلى ظهور انفعالات نفسية عصبية كما تضطرب عنده الغدد الصماء، فيعتل جسمه ويذوي. فالحاسد دوماً في ضيق وقلق، وهذا يصحبه الأرق، ومع استمرار الأرق يحس بالإعياء والتعب ويفقد شهيته للطعام ويتناقص وزنه ثم تظهر عنده أعراض عصبية مزعجة، كالصداع والطنين في الأذنين تمنع عنه الراحة والهدوء، وقد تظهر آلام خناقية في صدره، وكلما احتدمت نزوات حسده زاد الألم وتكررت نوبه مما يعرضه للإصابة بالذبحة الصدرية.
والحسد يهيئ للإصابة بقرحة المعدة التي ثبت أنها تنشأ من الانفعالات أكثر مما تنشأ عن خطأ في التغذية، وقد يؤدي لارتفاع الضغط الدموي، والذي يتناسب ارتفاعه مع زيادة الانفعالات ويعظم خطره. ونحن نعلم أن أطباء القلب يوصون المرضى بالهدوء والراحة وترك الهواجس، ونبذ انشغال الفكر بالغير والبعد ما أمكن عن الانفعالات النفسية.
وقد يسبب الحسد مرض السوداء [المانخوليا] عند الحاسد وحبه للوحدة والعزلة غير ما يؤدي إليه من ارتباك العقل وعدم القدرة على التركيز، وكم سبب الحسد عند صاحبه من عقد نفسية وتركت عنده أمراضاً لا يمحى أثرها. وأخيراً فإنك لن ترى حاسداً حقوداً إلا وقد رسم في وجهه تجاعيد الشيخوخة ولفحة الشيب –المبكران– وإن كان في عنفوان شبابه.
والملاحظات التي أوردت حول الأثر السيء والمهلك أحياناً للحسد على صاحبه تؤكد الإعجاز الطبي الرائع في التوجيهات النبوية للمسلمين باجتناب هذه الآفة الخبيثة ومن أجل نظافة المجتمع المسلم ورص صفوفه أيضاً. ولقد استنبط العلماء المسلمون طرقاً علاجية ناجعة لمن أراد التخلص من مرضه، من ذلك ما فصله حجة الإسلام الإمام الغزالي في إحيائه قائلاً: " واعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل: والعلم النافع لمرضى الحسد هو أن تعرف أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين، وأنه لا ضرر فيه على المحسود بل ينتفع به فيهما. ومهما عرفت عن بصيرة فارقت الحسد لا محالة.… أما كونه ضرر عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى وعدله الذي أقامه في ملكه وهذه جناية على التوحيد … وأما كونه ضرر عليك في الدنيا فهو أنك تتألم بحسدك أو تتعذب به، ولا تزال في كمد وغم بكل نعمة تراها على غيرك … وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فلأن النعمة لا تزول بحسدك، بل ما قدّر الله تعالى من نعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدّره الله فلا حيلة في دفعه، ولكل أجل كتاب … وأما أن المحسود ينتفع به في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجك الحسد إلى الغيبة والقدح فيه، فهذه هدايا تهديها إليه من حسناتك حيث تأتي مفلساً يوم القيامة. وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد، فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل، فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه، فإن بعثه الحسد على القدح في محسوده كلّف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر ألزم نفسه التواضع له، وهكذا حتى تتولد الموافقة التي تقطع مادة الحسد ".
والحقيقة أن قول الإمام الغزالي رحمه الله في أنه لا ضرر على المحسود من حاسده، ليس صحيحاً في كل الأحوال. وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة من سورة الفلق عندما طلب المولى سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يستعيذوا من شر الحاسد إذا حسد، وننقل هنا ما يقوله الإمام القرطبي ما نصه: " قال العلماء أنّ الحسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فيتبع مساوئه ويطلب عثراته وقد روي عن رسول الله r قوله: " إذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض " .
وعلق د.محمد خالد سلطان على الآية بقوله: " بين القرآن لعلماء النفس نقطة ضرورة وجود الإرادة في نية السوء كي تحدث الإساءة ".
ويشرح ذلك فيقول: " إن الجسد المادي فيه نوعان من الحركة:إرادية وغير إرادية، ولا يعمل العضو إلا إذا كان فيه حركة، ولا ينتج الجسد إلا إذا تجلت فيه الحركة سواء منها الإرادية وغير الإرادية. فالغيرة في الإنسان هي حركة روحية نفسية غير إرادية، لكنها قد تؤدي إلى الحسد الذي هو حركة إرادية روحية، لذلك نرى أن الحاسد لا يؤثر في محسوده إلا إذا أراد حسده، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ] ومن شر حاسد إذا حسد [ فإذا لم يرد الحاسد أن يحسد فلن يصيب محسوده أي أذى ".
-
الإسلام والطب يحاربان الضوضاء ورفع الأصوات
قال تعالى: ]إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً [ الإسراء الآية 36.
ينشأ الصوت عن حركة اهتزازية على درجات مختلفة. والأذن تسمع الأصوات التي يكون مقدار اهتزازاتها ما بين 16-20 ألف هزة/ثا، وما زاد عن ذلك لا يسمع، لكنه يحدث اضطراباً في الأذن وشعوراً مزعجاً غامضاً. ويعرف العالم "زيلر" الضوضاء بأنها الأصوات التي تحدث اضطراباً، ويمكن القول بأن الأصوات العالية تحدث اضطراباً أكثر من المنخفضة، والأصوات الحادة أكثر خطورة من الغليظة، وكذا الأصوات غير المنسقة أكثر من الأصوات جيدة التلحين.
ولا شك بأن الضوضاء هي إحدى أسباب التوتر النفسي والقلق في المجتمعات الحديثة خاصة بعد انتشار الراديو والتلفزيون ومكبرات الصوت ووسائط النقل وغيرها من وسائل الضجة. لكن الضوضاء لم تعد مشكلة نفسية فقط، بل أصبحت مشكلة جسمانية فهي تؤثر على أعضاء السمع وعلى أعضاء الجسم مجتمعة.
ففي بحث نشرته المجلة الطبية العربية قسمت الأضرار الناجمة عن الضجيج إلى:
أولاً: أضرار لها علاقة بالسمع، منها ضعف سمع عصبي مؤقت تختلف درجته حسب نوع الضجيج وشدته ومدة التعرض له يرافقه طنين في الأذن، ومنها ضعف سمع عصبي دائم يحدث نتيجة التعرض المديد للأصوات العالية، وقد يحدث انثقاب غشاء الطبل وتحطيم عظيمات السمع نتيجة التعرض للانفجارات المفاجئة.
ثانياً: آثار ليس لها علاقة بالسمع، منها الانزعاج المفرط من الضجيج والقلق والإرهاق، واضطرابات نفسية وسلوكية، منها العصبية المفرطة وعدم الاستقرار والإحباط والاكتئاب وغيرها. وقد يصاب ببعض الاضطرابات القلبية الوعائية كخناق الصدر وارتفاع الضغط، ولعل أهم نتائجها تراجع الإنتاج والتهرب من العمل.
وبرهن د.هيلدنج أن سبب الصمم يرجع إلى تأثير الأصوات العالية على عضو كورتي الموجود في الأذن الباطنية، وأن التعرض المديد لبضع ساعات كل يوم يؤدي إلى استحالة في بعض أعضاء الأذن الباطنية. وتؤثر الضوضاء على مختلف مراكز المخ ووظائفه وبالتالي يمتد تأثيرها إلى العضوية كلها.
يقول د.أحمد شوقي الفنجري : " ومن أخطر الأمور في حياة الإنسان ألا يأخذ حظه من الراحة والنوم بسبب الضجيج، فهو أحد عوامل الإجهاد الذهني والعصبي وأحد معوقات الإنتاج والعمل. والضوضاء من أهم أسباب انتشار الأمراض النفسية – العصبية، وأكثر الناس تأثراً هم أصحاب المهن الثقافية والفنية، وكلما ثقل رأس الإنسان بالعلم والمعرفة كان أكثر حاجة من غيره إلى الهدوء والراحة حتى ينتج لمجتمعه من علمه وفكره.
ويعلم الرياضيون أيضاً أن تناسق حركات الجسم يستلزم قدراً كبيراً من التركيز ولا يتسنى لهم الحصول عليه ضمن أجواء الضجيج. وينقل د.سلطان أن الأبحاث الغريزية أثبتت أن التعرض المديد للضجيج يسبب ازدياداً في عمليات الاستقلاب والهدم وارتفاعاً في الضغط وازدياداً في التوتر العضلي، ولها تأثير سيء على رجولة الرجل وأنوثة المرأة، ومجموع هذه الاضطرابات يدل على أضرار تلحق الجهاز العصبي اللاإرادي بشكل حاد نتيجة الضجيج.
ومن أجل درء الخطر الناجم عن الضجيج خصصت هيئة الأمم أسبوعاً في العالم كله لمحاربة الضوضاء وجعلت شعارها في ذلك الأسبوع "الهدوء ذوق وأخلاق والضجة جهل وتخلف" يمتنع فيه عن استعمال الزمور العالي ورفع صوت المسجلات والمكبرات والراديو وسواها.
وتعاليم الإسلام الحنيف التي جاءت لسعادة البشر في دنياهم وآخرتهم جاءت لبناء حياة رغيدة ومجتمع هادئ لا يعرف الضوضاء، عكس ما يفعله المسلمون اليوم في كل مفاصل الحياة وينهى عن الصخب واللغو. وقد وصف الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز "عباد الرحمن" بمشيتهم الهادئة بلا استكبار ولا جبروت، يتعاملون بالرحمة فيما بينهم ولا يؤذون الناس بضجيجهم ورفع أصواتهم. قال تعالى: ] وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً.وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً [ الفرقان.
والمجتمع الفاضل الذي يدعو إليه الإسلام لا ترتفع فيه الأصوات العالية دون مبرر والتي توتر الأعصاب. وقد جاء الأمر القرآني أن يلتزم المسلم بالسكينة والوقار في مشيته، ولا يصخب رافعاً صوته. وشبه النص القرآني مستنكراً رفع الصوت، من يرفع صوته دون حاجة بالحمار. قال تعالى: ]واقصد في مشيك واغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير [ لقمان.
فلا مبرر لرفع الصوت أكثر مما يحتاج إليه السامع، هذه هي القاعدة الشرعية، وقد اعتبر القرآن الكريم خفض الصوت في المجالس من التقوى. قال تعالى: ] إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى [ سورة الحجرات.
فما كان مطلوباً عند رسول الله r يكون مطلوباً أمام كبير القوم من أبٍ وعالم وأستاذ ومرب أو شيخ، ومن ثمَّ يتعودها المسلم في حياته فيكون خفض الصوت من سماته وكذا عدم إثارة الصخب والضجيج. وقد عاب القرآن على بعض الأعراب مناداتهم رسول الله r من وراء الجدار وقلة ذوقهم في رفع أصواتهم. قال تعالى: ] إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون [ الحجرات.
ولقد نهى الشارع الحكيم عن الضجة والصخب ورفع الصوت في كل أنواع العبادات في مجتمع الإسلام. وعندما أراد رسول الله r اختيار طريقة لتبليغ الناس دخول وقت الصلاة استشار أصحابه في ذلك ورفض اقتراحات بعضهم باستعمال الناقوس أو الطبول أو الأجراس، واختار الأذان بصوت الإنسان لأنه أدعى إلى الهدوء والسكينة والبعد عن الصخب، وطلب تلقينه بلالاً لأدائه لأنه أندى صوتاً! ألا ما أعظمك من نبي حكيم يا خاتم الأنبياء…
وعند أداء المسلم لصلاته أمره الشارع ألا يرفع صوته بأكثر من المطلوب وفي حد متوسط مقبول. قال تعالى: ] ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً [.
وكره النبي r إذ سمع جلبة خارج المسجد فقال: " ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصلاة. فقال: لا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة، فما أدركتم فصلوا وما سبقكم فأتموا " رواه البخاري.
والهدي النبوي في الدعاء واضح في النهي عن رفع الصوت أكثر من حاجة المستمعين لما روي عن أبي موسى الأشعري t عن النبي r: "فإنكم لا تدعون أصماً ولا غائباً " رواه البخاري ومسلم.
كما نهى النبي r عن رفع الصوت أثناء تلاوة القرآن في المساجد لئلا يؤثر بعضهم على قراءة البعض الآخر، إذ لا يمكن أن ينعم المصلي بالطمأنينة والخشوع وسط أجواء صاخبة. فقد روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي r قال: " إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض في الصلاة " أخرجه الطبراني وأحمد في مسنده ورواه البغوي بلفظ " إذا كان أحدكم في صلاته فإنه يناجي ربه فلينظر أحدكم ما يقول في صلاته ولا ترفعوا أصواتكم فتؤذوا المؤمنين ".
هذه وصايا ديننا الحنيف، دين الحياة الهادئة البعيدة عن الصخب والضجيج. وأما ما يفعله جهلاء المسلمين من رفع مكبرات الصوت في المآذن والمساجد والحفلات والمآتم إلى أكبر مدىً، سواءً في قراءة القرآن أو غيره، فليس من البر أو التقوى في شيء، بل أنزل القرآن العظيم ليقرأ بهدوء وطمأنينة وتدبر ليفهم وليطبق.
وإذا كان الإسلام ينهى عن إحداث الضوضاء في عباداته، فما بالك بهؤلاء الذين يحدثون الضجة بغير هدف سوى التلذذ والتمتع بإيذاء الناس بصراخهم أو إطلاق زمور سياراتهم، أو رفع مكبرات الصوت لمذياعهم أو آلات التسجيل وسواها وإزعاج جيرانهم وإجبارهم على سماع ما لا يريدون، كل هذا تعدٍّ على الحرية الشخصية التي احترمها الإسلام وأقرتها الشرائع الدولية، وخروج على تعاليم الإسلام ورسالة المآذن والمساجد في التبليغ والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة.
ثم ألا يعلم هؤلاء الذين يحدثون الضجيج، كم من مريض في البيوت يحتاج إلى الراحة والنوم، أو شيخ مسن مضطرب في نومه، أو من طالب علم يحتاج إلى الدراسة والمذاكرة. إن مثل هذه الضوضاء ورفع أصوات المكبرات لا تتنافى فقط مع الذوق السليم والإحساس بالمسؤولية، بل هي ضد الدين والمبادئ والأخلاق علاوة على إحداثها للعديد من الآفات والعاهات الصحية في المجتمع.
-
رد : روائع الطب الإسلامي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا