-
الحمية رأس الدواء
عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن " [رواه البخاري ومسلم، ومعنى تجُّم فؤاد المريض أي تريحه وتزيل عنه الهم وتنشطه.
و في رواية للبخاري: أن عائشة كانت تأمر بالتلبينة وتقول: هو البغيض النافع.
و عن عائشة أيضاً قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب بعض أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ثم أمرهم فحسوا منه ويقول: " إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن الوسخ عن وجهها بالماء " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ويرتو يشده ويقويه، ويسرو أي يكشفه ويزيله].
و في رواية للبخاري أن عائشة كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النسوة ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت: كلن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن " _ والبرمة القدر _
وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليّ وعليٌ ناقه، ولنا دوالٍ معلقة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وأخذ علي ليأكل منها فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: مه يا علي إنك ناقه، فكف عليّ. قالت: فصنعت شعيراً وسلقاً وجئت به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصب من هذا فهو أنفع لك، [رواه أبو داود]
روى الترمذي نحوه وفيه: فجعلت لهم سلقاً وشعيراً... الحديث وفيه: فهو أوفق لك، والناقه الذي أبلَّ من مرضه ولم تتكامل صحته.
و أما القول المأثور: الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء، فليس حديثاً نبوياً وإنما هو على الأغلب من كلام طبيب العرب (الحارث بن كلدة) وكان يقول: رأس الطب الحمية.قال ابن حجر قال الأصمعي: التلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل. وقيل لبن. وسميت تلبينة تشبيهاً لها باللبن في بياضها ورقتها.قال أبو نعيم في الطب: هي دقيق بحت... وقال البغدادي: التلبينة الحساء ويكون في قوام اللبن وهو الدقيق الناضج لا الغليظ النيئ. وإذا شئت أن تعرف منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير لا سيما إذا كان نخالة _ مطحوناً _ فإنه يجلو وينفذ بسرعة ويغذي غذاءً لطيفاً. وإذا شرب حاراً كان أجلى وأقوى نفوذاً. والمراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة.
قال ابن القيم: الحمية حميتان: حمية عما يجلب المرض وحمية عما يزيده، فالأولى حمية الأصحاء والثانية حمية المرضى.
و الأصل فيها قوله تعالى: {و إن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً} فحمي المريض عن استعمال الماء لأنه يضره....و أنفع ما تكون الحمية للناقه فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها، ,القوة الهاضمة ضعيفة والطبيعة مستعدة فتخليطه يوجب انتكاسها.
و اعلم أن في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الأكل من الدوالي وه وناقه، أحسن التدبير، فالدوالي رطب معلق في البيت والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن وقتها، وفي الطب خاصة ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره. فلما وضع الشعير والسلق بين يديه أمره بأكله فإنه من أنفع الأغذية للناقه، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف والتليين ما هو أصلح للناقه لا سيما إذا طبخ بأصول السلق فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف.
و مما ينبغي أن يُعلم أن كثيراً مما يحمى عنه العليل والناقه إذا اشتدت الشهوة إليه فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن المعدة والطبيعة تتلقيانه بالقبول والمحبة فيصلحان ما يخشى ضرره. ولذا فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيباً على تناول التمرات اليسيرة كما يروي صهيباً رضي الله عنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر فقال: أُدن فكل. فأخذت تمراً فأكلت. فقال: أتأكل تمراً وبك رمد؟ فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم [رواه الترمذي وابن ماجة].
و إنه لمن المعجز حقاً التوافق التام بين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحمية وبين معطيات الطب الحديث، والذي يعّرف الحمية بأنها التدبير الغذائي الخاص بالمريض من إلزامه منهاجاً من الغذاء لا يتعداه أو منعه من بعض أنواع الأغذية أو الأشربة التي أضحت مؤذية له بسبب مرضه.
و تعتبر الحمية جزءاً من المعالجة في كثير من الحالات ولكل مرض حميته. ولقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية الحمية حتى في دور النقاهة. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يغذى المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية.
وقد وصف التلبينة والحساء لأنهما سهلا الهضم لطيفا التغذية، فكل منهما يريح المعدة ويقوي هضمها ويخفف آثار الحزن ولأن الطعام الثقيل في ظروف الانفعال قد يعرض المريض لعسرة الهضم.
و لقد كان الشعير غالب طعام أهل الحجاز لأن الحنطة عزيزة عندهم، لذا فإن التلبينة كانت تصنع من دقيق الشعير. وتؤكد مصادر الطب الحديث [الدكتور عزة مريدن (علم الأدوية)] وصف حساء الشعير في الحميات وكغذاء لطيف سهل الهضم حيث يستعمل مهروس الشعير بعد نزع قشوره مطبوخاً بالماء أو الحليب للمسعورين والأطفال وتوصف للمتوعك والمصاب بالحمى أو بقلة الشهية أو عسرة الهضم... هذا وسنتكلم عن السلق تحت عنوانه الخاص.
و من الهدي النبوي في الحمية أيضاً، ألا يجبر المريض على الطعام أو الشراب حين تعافه نفسه فقد روي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله عزَّ وجل يطعمهم ويسقيهم " [رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن غريب].
قال ابن القيم: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على حكم إلهية، وذلك لأن المريض إذا عاف الطعام والشراب فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها.. واعلم أن الجوع هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما يتحلل منها. وإذا وجد المريض اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء والشراب. فإذا أكره المريض على الطعام اشتغلت به الطبيعة عن فعلها واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه فيكون ذلك سبباً لضرر المريض.
يقول دكتور عادل الأزهري [في تحقيقه على هامش كتاب الطب النبوي لابن القيم]: ومعظم الأمراض يصحبها عدم رغبة المريض في الطعام وإطعام المريض قصداً في هذه الحالة يعود عليه بالضرر لعدم قيام جهازه الهضمي بعمله كما يجب مما يتبعه عسر هضم مع سوء حالة المريض... وكل مريض له غذاءٌ معين له ويجب أن يكون سهل الهضم قليل الغذاء... وإن من دلائل الشفاء عودة المريض إلى سابق رغبته في الطعام.
و يؤكد الدكتور النسيمي: أن الله سبحانه وتعالى قضت حكمته أن يكون في الجسم مدخرات كبيرة يستفيد منها وقت الحرمان، فينبغي أن لا يغتم ذووا المريض لعزوف مريضهم عن الطعام خلال المرض، فإن المعدة قد لا تحتمل الطعام الزائد، أو لا تحتمل الطعام مطلقاً، , قد يسبب له غثياناً أو قيئاً.. ولذا لا يجوز أن يجبروا مريضهم على الطعام وقد عافته نفسه.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري بشرح البخاري).
3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
4. دكتور عزة مريدن: عن كتابه (علم الأدوية).
5. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
6. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).
-
الحناء... دواء وجمال
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " [رواه البخاري ومسلم].
و عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيضٌّ لحاهم فقال: " يا معشر الأنصار حُمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب " [رواه أحمد بسند حسن.
و عن جابر رضي الله عنه قال: أُتي بأبي قحافة يوم الفتح ورأسه كالثغامة [الثغامة نبات أبيض الزهر والثمر شبه به بياض الشيب] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد " [رواه مسلم].
و عن أنس رضي الله عنه قال: اختضب أبو بكر بالحناء والكتم [الكتم نبات من اليمن يصبغ بلون أسود إلى الحمرة] واختضب عمر بالحناء بحتاً، _ أي صرفاً _ [رواه مسلم].
و عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ورواه أيضاً أصحاب السنن وقال الأرناؤوط: حديث حسن].
و عن سلمى أم رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكا إليه أحد وجعاً في رأسه إلا احتجم، ولا شكا إليه وجعاً في رجليه إل قال اختضب، [رواه أبو داود، ورواه أيضاً البخاري في تاريخه وقال الأرناؤوط: حديث حسن].
و عنها أيضاً قالت: كان لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحة ولا شوكة إلا وضع
عليها الحناء، [رواه الترمذي بإسناد حسن، ورواه أبو داود وابن ماجة وقال الهيثمي: رجاله ثقات]
و عن عثمان بن وهب قال: دخلت علي أم سلمة فأخرجت لنا شعراً من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوباً، [رواه البخاري].
قال النووي: ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل بصفرة أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل يكره كراهة تنزيه والمختار التحريم، ورخص فيه بعض العلماء للجهاد فقط.
نبتة الحناء (Low sania _ Henna):
شجيرة من الفصيلة الحنائية lythracees حولية أو معمرة تمكث حوالي ثلاث سنوات وقد تمتد إلى عشرة، مستديمة الخضرة، غزيرة التفريع، يصل طولها إلى ثلاثة أمتار. أوراقها بسيطة بيضاوية بطول 3 _ 4 سم، متقابلة الوضع بلون أحمر خفيف أو أبيض مصفر.
لها صنفان يختلفان في لون الزهر كالصنفِ Alba ذو الأزهار البيضاء والصنف Miniata ذو الأزهار البنفسجية.
كما ذكروا لها صنفين: حمراء وسوداء، والغالب مزج النوعين معاً. والموطن الرئيسي للحناء جنوب غربي آسيا، وتحتاج لبيئة حارة، لذا فهي تنمو بكثافة في البيئات الاستوائية لقارة إفريقيا. كما انتشرت زراعتها في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وأهم البلدان المنتجة لها مصر والسودان والهند والصين.
لمحة تاريخية:
عرفت الحناء منذ القديم، فقد استعملها الفراعنة في أغراض شتى، إذ صنعوا من مسحوق أوراقها معجونة لتخيب الأيدي وصباغة الشعر وعلاج الجروح، كما وجد كثير من المومياء الفرعونية مخضبة بالحناء، واتخذوا عطراً من أزهارها. ولها نوع من القدسية عند كثير من الشعوب الإسلامية إذ يستعملونها في التجميل بفضل صفاتها الممتازة.
فتخضب بمعجونها الأيدي والأقدام والشعر، كما يفرشون بها القبور تحت موتاهم. وتستعمل في دباغة الجلود والصوف ويمتاز صبغها بالثبات. وينحصر استعمالها في أوربا وأمريكا في صباغة الشعر، إذ إنها لا تضر به فضلاً عن تقويتها لجلد الفروة وهذا مهم جداً لأن صباغات الشعر الكيماوية كثيراً ما تؤدي إلى أمراض التهابية و تحسسية عديدة وأعراض انسمامية أحياناً. كما تتجه الأنظار إليها في الوقت الحاضر لاستعمالها في صناعة المواد الملّونة لسهولة استخراج العنصر الملون فيها، وتمتاز بألوانها الجميلة ذات المقاومة الأكيدة لعوامل التلف.
التركيب الكيماوي:
يستعمل من الحناء أوراقها وأزهارها. حيث تحتوي الأوراق على غليكوزايدات مختلفة أهمها اللاوزون (Lawsone) وجزئيها الكيماوي من نوع 2 - هيدروكسي 1 - 4 نفتوكينون، وهي المادة المسئولة عن التأثير البيولوجي الطبي وعن الصبغة واللون الأسود، كما تحتوي على مواد راتنجية Resine وتانيتات تعرف بـ حماتانّين Hennatannin. أما الأزهار فتحتوي على زيت طيار له رائحة زكية وقوية ويعتبر أهم مكوناته مادة الفوبيتا إيونون (A , B , Ionone).
استعمالاتها الطبية:
كان للحناء مكانتها المرموقة عند أطبائنا المسلمين. فقد ذكر ابن القيم أن: الحناء محلل نافع من حرق النار، وإذا مضغ نفع من قروح الفم والسلاق العارض فيه ويبرئ من القلاع. والضماد فيه ينفع من الأورام الحارة الملتهبة. وإذا ألزقت به الأظافر معجوناً حسنها ونفعها، وهو ينبت الشعر ويقويه وينفع من النفاطات والبثور العارضة في الساقين وسائر البدن.
أما الموفق البغدادي فيقول: لون الحناء ناري محبوب يهيج قوى المحبة وفي رائحته عطرية وقد كان يخضب به معظم السلف، , يؤكد البغدادي: أن الحناء ينفع في قروح الفم والقلاع وفي الأورام الحارة ويسكن ألمها. ماؤها مطبوخاً ينفع من حرق النار وخضابها ينفع في تعفن الأظافر، وإذا خضب به المجدور في ابتدائه لم يقرب الجدري عينيه.
أما ابن سينا فيقول: الحناء فيه قبض وتحليل بلا أذى. ويستعمل في الطب الشعبي كقابض وفي التئام الجروح والحروق وغسول للعيون وكمروخ لمعالجة البرص والرثية. وذكر داود في تذكرته أن للحناء فوائد في إدرار البول وتفتيت الحصى وإسقاط الأجنة. كما ذكر أن تخضيب الجلد بها يلون البول مما يدل على قابلية امتصاصها من الجلد.
و في الطب الحديث: أكد الدكتور النسيمي فائدة معالجة السحجات الناجمة عن السير في الطرقات والداء الفطري بين الأصابع بالحناء.، وعلل ذلك بأن الفطور الخمائرية تؤدي إلى سهولة اقتلاع الطبقة السطحية من الجلد والحناء قابضة، وهذا يجفف الجلد ويقسّيه ويمنع تعطينه مما يمنع سيطرة الخمائر والفطور ويعمل على سرعة شفاء السحجات والقروح السطحية.
و يحضر مسحوق الحناء بسحق الأوراق ونهاية الأغصان الرفيعة بعد تجفيفها ثم تصنع منه عجينة. وتؤكد الدكتورة سامية قاسي فائدة تطبيق معجونة الحناء لمعالجة العديد من الأمراض الجلدية وخصوصاً الالتهابات الفطرية المنشأ والتي تتوضع في الثنيات وبين الأصابع، كما تساعد في التئام الجروح. وتفسر الدكتورة سامية تلك الصفات بسبب وجود مادة الحناتانين القابضة في الحناء وتؤكد أن تطبيق تلك العجينة على فروة الرأس لفترة طويلة، فإن المواد المطهرة والقابضة الموجودة فيها تعمل على تنقية الفروة من الجراثيم والطفيليات ومن المفرزات الزهمية الفائضة، كما تفيد في معالجة قشرة الرأس وتعمل على الإقلال من إفراز العرق عند مفرطي التعرق.
أما عند استخدام الحناء في صبغ الشعر فيجب استعمالها في وسط حامضي لأن مادة اللاوزون لا تلون في وسط أساسي، ولذا ينصح بصنع عجينة الحناء بالخل والليمون.
و من دواعي الأسف أن الأبحاث ما تزال فقيرة حول فوائد الحناء ونود لو يعطيها الباحثون حقها من الدراسة حتى يتم التحقق من المعجزة النبوية في كونها دواء وجمال ...
كشف الغش في الحناء:
تغش الحناء لزيادة وزنها بإضافة الرمل الناعم عند الطحن، وهذا يسهل كشفه لأن الرمل ذو ثقل نوعي أكبر، وهكذا فإن حجماً معيناً من الحناء الأصلية أقل وزناً من نفس الحجم من الحناء المغشوشة. كما أن نفخها نفخاً خفيفاً يؤدي إلى تطايرها وبقاء الرمل، كما أن وضع كمية قليلة منها في الماء يؤدي إلى ترسب الرمل وتطفو الحناء نقية. وقد تغش الحناء أيضاً لتغطية اصفرارها بمزجها بطلاء اخضر.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).
3. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
4. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ الطبعة 3 _ 1991.
5. شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة: 1977.
6. سامية قاسي: عن مقالة لها بعنوان (الحناء.. علاج وتجميل) مجلة الدواء العربي، حزيران 1993.
7. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.
-
نعم الإدام الخل
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: " نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل ". وفي رواية: قال جابر: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلقاً من خبز فقال: ما من أدم؟ فقالوا: لا، إلا شيء من خل، قال: " فإن الخل نعم الأدم " قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلم [رواه مسلم].
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نعم الأدم الخل " [رواه مسلم].
و عن أم سعيد رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه خل " [رواه مسلم].
قال النووي: وأما معنى الحديث فقال الخطابي والقاضي عياض معناه الاقتصار في المآكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة، والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدحٌ للخل نفسه.
و الخل غذاء ودواء قديم قال عنه ابن القيم: والخل ينفع من المعدة الملتهبة ويقمع الصفراء ويدفع ضرر الأدوية القتالة ويحلل اللبن والدم وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويعين الهضم وليطف الأغذية الغليظة ويرق الدم ... وإذا تمضمض به مسخناً نفع من وجع الأسنان وقوىّ اللثة.
أما الرازي فيقول عنه: الخل يلطف الأخلاط الغليظة وييبس البطن ويقطع العطش وهو
بارد يطفئ حرق النار أسرع من كل شيء، , هو مولد للرياح منهض لشهوة الطعام معين على الهضم ومضاد للبلغم.
و الخل Vinegar تابل مائع ذو طعم نافذ ينتج عن تحويل الغول إلى حامض الخل بتأثير خميرة (ميكوديرما أسيتي)، ويمكن أن يصنع عن عصير العنب والبرتقال والشمندر والبطيخ وقصب السكر والتفاح والتوت والعسل كما تمكن العلماء من صنعه كيميائياً.
و يتركب الخل من الماء وحامض الخل (5 %) ومن مواد صلبة وطيارة وعضوية، ومواد أخرى تعطيه الطعم والرائحة. والخل يظهر نكهة بعض الأغذية ويجعلها أشد قبولاً ومذاقاً ويساعد على هضمها، لذا فهو يضاف إلى كثير من الأطعمة كاللحم والسلطات حيث يثير الشهية ويفتح القابلية. إلا أن الإفراط في تناوله يهيج المعدة ويسبب آلاماً وعسر هضم ومغص وقد يؤدي إلى قروح أحياناً.
و قد وصف الخل في الطب الحديث بأنه مرطب ومنعش، ومدر للبول والعرق ومنبه للمعدة ومحلل لألياف اللحم والخضروات الخشنة. كما أنه يُعطى كترياق للتسمم بالقلويات. ويطبق ظاهراً كعلاج للثعلبة والقرعة. وقد رأيت فائدته الكبرى في معالجة قمل الرأس وإتلاف الصئبان. ويطلى به الرأس علاجاً للصلع. وقد يضاف إليه النشاء ويطلى به الجلد كدواء للجكة. ويغسل به القروح والجروح الجلدية، ويدلك به جلد الصدر والبطن بعد تمديده كمنشط عام، ويمسح به جبين المريض المصاب بالحمى تخفيفاً للصداع. وقد ينشق عن طريق الأنف لإنعاش المريض المصاب بالغشي، ويغرغر به الفم والبلعوم لشد اللثة وقطع نزيفها وتطهير الفم.
و قد أثنى جارفيس على خل التفاح فقال أنه إذا شرب مع الماء كان أحسن علاج للبرد وكان ينصح زبائنه أن يتناولوا صباح كل يوم على الريق كأساً من الماء مع ملعقة صغيرة من الخل وأخرى من العسل، وذلك لتطهير جهازهم الهضمي من كل سوء ويحصلوا على عناصر مفيدة ومغذية ومطهرة. وشاهد بنفسه أن أطفال الفلاحين الذين يشربون الماء مع الخل كانت أجسامهم قوية وصحتهم جيدة.
يقول جارفيس: والأطباء متفقون على أن تناول مقدار قليل من الخل مفيد والإكثار منه مضر ويستثنى من ذلك خل التفاح. ويستعمل طبياً لتحضير الخل العطر النافع من الصداع والدوار والمناعة من الأوبئة. وله أهمية في جعل خلايا الجسم بحالة جيدة وفي تعزيز مقاومة الجسم للكثير من الأسواء التي تهدده، لأن تركيبه غني بالعناصر التي يحتاج إليها الجسم لتأمين التوازن بين خلاياه وفي طليعتها الفوسفور والحديد والكلور والصوديوم والكالسيوم والمنغنيز والسيليكوم والفلور.
و من وصفات الطب الشعبي الهامة:
* الخناق: (70 غ خل + كأس ماء فاتر: غرغرة ويشرب الباقي ببطء).
* الحروق: (يدهن مكان الحرق بسرعة لتجنب حدوث فقاعات، وذلك بخل التفاح وكذا في حروق الشمس).
* نخر الأسنان: (يفيد الخل مضمضة بعد مزجه مع منقوع زهر الخطمية).
* ولسوء الهضم: (كأس ماء فاتر فيه ملعقة صغيرة من خل التفاح).
* للأرق: (نصف ملعقة صغيرة خل تفاح، 2 ملعقة صغيرة عسل مع 100 غ ماء) يشرب بعد ساعة ونصف من العشاء.
* ومن أجل التنحيف: (يؤخذ مقدار ملعقتين صغيرتين من خل التفاح مع كوب من الماء وتشرب بعد الطعام 3 مرات يومياً ولمدة شهرين.
* وللثعلبة: (يطلى المحل 6 مرات يومياً بالخل أو يفرك مرتين بروح الخل).
مراجع البحث
ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
جارفيس: عن كتابه (الطب الشعبي) ترجمة أمين رويحة.
أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب)
-
الذريرة
عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع لحلّه وإحرامه [رواه البخاري ومسلم].
و روى ابن السني عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل عَلَي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج في إصبعي بثرة فقال: عندك ذريرة؟ قلت: نعم. قال: ضعيها عليها وقولي: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغّر ما بي، [أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي].
و عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: دخل عليها _ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عندك ذريرة؟ قالت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثر بين أصابع رجليه ثم قال: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير أطفئها عني فطفئت، [رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناد أحمد رجاله رجال الصحيح عدا مريم بنت إياس فهي مقبولة]
قال ابن القيم: والذريرة دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة، تنفع من أورام المعدة والكبد والاستسقاء، وتقوي القلب لطيبها. أما البثرة فهي خراج صغير يكون عن مادة حارّة تدفعها الطلبعة فتسترق مكاناً من الجسد تخرج منه، فهي تحتاج إلى ما ينضجها ويخرجها والذريرة تفعل بها ذلك فإن فيها إنضاجاً وإخراجاً مع طيب رائحتها.
و قال ابن سينا: إنه لأفضل لحرق النار من الذريرة بدهن الورد والخل، وقصب الذريرة ملطف وفيه قبض يسير مع حرافته ... وتجفيفه أكثر يحلل الأورام.
و قصب الذريرة Acorus Calamus , Sweet Flag نبات عشبي معمر من جنس القصب من فصيلة القلقسيات، أحمر اللون عطر الرائحة، له ريزومات متفرعة وأفرعاً هوائية قصبية الشكل، ويسمى بقصب الطيب لرائحته الزكية وقد ورد ذكره في التوراة ضمن أفخر الأطياب، وإذا كسرت فروعه ظهر منها ذرور أبيض هو الذريرة، تضاف إلى الحناء لتعطيرها وتدخل في صنع الصابون المعطر.
منابته في الأهواز ومصر والصين.
يستخرج من ريزوماته _ الجذامير _ زيت عطري مذكور في دستور الأدوية الألماني كعقار طبي يحتوي على الإيجبينول والآزارون وحمض النخل وسيتيلك وفيتامين " ب " والكولين والعفص. تستعمل خلاصة جذاميره أو زيته، إذ هو نافع للمعدة مقو لها، هاضم، ومطمث، طارد للغازات، ويعالج به النهاك والملاريا وسوء الهضم. يعطى للمصابين بالحيات كمخفف للحرارة، ومسكن في الآلام العضلية والمفصلية _ الرثية _. وإذا مزج مع الكرفس وشرب نفع من برد الكلى والالتهابات البولية.
مراجع البحث
الحافظ الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).
ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (زاد المعاد من هدي خير العباد) وكتابه (الطب النبوي) تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط.
دكتور شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة.
وديع جبر: عن كتابه (معجم النباتات الطبية) بيروت: 1978.
أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير: عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري) بيروت: 1985.
-
التداوي بالرماد
عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد رضي الله عنه يُسأل عما دووي به جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال: جرح وجهه وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وكانت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي يسكب عليها بالمجن. فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدَّم إلا كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً فألصقته بالجرح فاستمسك الدم، [رواه البخاري ومسلم وللترمذي رواية مقاربة، والبيضة: الخوذة، والهشم: الكسر، والمجن: الترس الذي يستتر به، والرباعية: السن التي نلي الثنية.
و روى ابن ماجة عن سهل بن سعد: أحرقت له حين لم يرقأ _ قطعة حصير خلق _ فوضعت رماده عليه.
قال ابن حجر: كان أبو الحسن القابسي يقول: وددنا لو علمنا ذلك الحصير ممّ كان لنتخذه دواء لقطع الدم. وقال ابن بكال: قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم. بل الرماد كله كذلك لأن الرماد من شأنه القبض.
و قد زعم كل من البغدادي والكحال ابن طرخان وابن القيم حين شرح الحديث أن المراد بالحصير المصنوع من البردي لأن في رماده تجفيفاً وقلة لذع يقطع الدم، ولأن المجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم. ورماد البردي إذا نفخ في أنف الراعف قطع دمه. وقال ابن سينا عن الرماد: أنه جلاء مجفف كله وإن اختلف ... ورماد الخشب القابض كالبلوط وغيره يحبس الدم.
و الرماد Ash هو ما يتبقى من حرق المواد العضوية الحاوية على كمية كبيرة من الأكاسيد والكاربونات والفوسفات وإن تركيب الرماد النباتي يختلف تبعاً للتربة التي ينمو فيها النبات.
أما تركيب الرماد الحيواني فيختلف حسب الغذاء الذي يتناوله ذلك الحيوان وحسب النص النبوي فنحن لسنا في معرض الرماد الحيواني. أما الرماد النباتي فإن فحمات البوتاسيم وأكسيد الكالسيوم ثم أكاسيد السيلكون والفوسفور. كما أن العديد من مركبات لمعادن أخرى كالنحاس والمغنزيوم والمنغنيز يمكن أن توجد في الرماد تبعاً لنوع النبات.
و بعد إيقاف النزيف بالرماد المستحصل حديثاً من المعالجات المعروفة القديمة في الطب الشعبي عند العرب منذ الجاهلية. وتفيد على الخصوص في النزيف الحاصل من الشجة أو الجروح السطحية _ نزيف الأوعية الشعرية _ وإذا أعقب وضع الرماد استعمال رباط ضاغط فإن النتائج تكون أسرع. وعموماً فإن الرماد يكون طاهراً بحرارة الاحتراق أما اختيارهم لرماد الحصير فهو لأنه أنفع من غيره أو لأنه خال من مواد لاذعة قد تمنع فائدته أو لأن قش الحصير يحتوي على مواد قابضة.
و قد علل الدكتزر النسيمي فائدة الرماد من الناحية الطبية أن الرماد يمتص قسماً كبيراً من ماء المصل الدموي فيساعد على تكون الخثرة البدئية من الصفيحات الدموية، كما أنه يزيد من تخريب بعض الصفيحات والتي يتخرب قسم منها أيضاً بتماسها مع سطح الشئز. وكما نعلم فإن الصفيحات عند تخربها تطلق خميرة ترومبوكيناز المساعدة على التخثر كما تطلقها الأنسجة المجروحة. فإذا انضم إلى ذلك وجود مواد قابضة كالعفص في المادة المحروقة فإن فعل رمادها يكون أقوى في إيقاف النزيف كما في رماد البلوط.
و يعلل الدكتور عبد المعطي القلعجي [في حاشيته على الكتاب (الطب من الكتاب والسنة) لموفق الدين البغدادي. دار المعرفة _ بيروت: 1988] الأمر بآلية مغايرة فيقول بأن الرماد يعمل عمل المواد القابضة، فهي عندما تطبق على جرح ترسب بروتيناته السطحية وتشكل بذلك طبقة ساترة على التهتكات والجروح تحميها من المخترقات الجرثومية وغيرها وتوقف النزيف بترسيب العنصر البروتيني في الدم، كما أن لها خاصية ترسيب البروتين في جسم الجراثيم فتوت فيكون فعلها في حماية الجرح والقضاء على أي جرثوم قريب منه.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. الموسوعة العالمية Encyclopedia International لـ: Grolier المجلد 2 لعام 1972 _ نيويورك.
3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) الجزء 3.
4. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق القلعجي 1988.
5. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
-
الرّمان Pome Grante
الرمان من فاكهة الجنة التي خصّها الله بالذكر مما يقدم لعباده المؤمنين فقال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [سورة الرحمن: الآية 68].
قال الإمام ابن الجوزي: وإنما أعاد ذكر النخل والرمان _ وقد دخلا في الفاكهة _ لبيان فضلهما، كما ذكرنا في قوله تعالى: {و ملائكته ورسله وجبريل وميكائيل}.
و قال ابن كثير {و نخل ورمّان}: من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمّان بالذكر لشرفهما على غيرهما.
و الرمان من الفاكهة الموغلة في القدم عرفه كثير من الأقوام السالفة واكتشفوا كثيراً من خصائصها ومنافعها ومنهم الفراعنة الذين استخدموها في علاج المرضى. وموطنها الأصلي جنوب غربي آسيا أو شمال غربي الهند ومنه انتقلت إلى إيران ومن ثم إلى حوض البحر الأبيض المتوسط ومصر ومنها إلى أوربا في عصور متأخرة.
و في تراثنا الإسلامي وصف دقيق لمنافع الرمّان. فقد قال ابن القيم: أن حلو الرمّان جيد للمعدة ومقوّ لها بما فيه من قبض لطيف، نافع للحلق والصدر والرئة، جيد للسعال، وماؤه ملين للبطن يغذو البدن غذاء يسيراً، يعين على الباه ولا يصلح للمحمومين. وحامضه قابض لطيف ينفع المعدة الملتهبة ويدر البول ويسكن الصفراء ويقطع الإسهال ويمنع القيء ويقوي الأعضاء. وأما الرمّان المزّ فمتوسط طبعاً وفعلاً بين النوعين وهذا أميل إلى لطافة الحامض قليلاً.و قال الرازي: أن الرمان الحلو ينفخ قليلاً حتى أنه ينعظ والحامض يذهب شهوة الباه، الحلو يعطش والحامض يطفئ ثائرة الصفراء ويقطع القيء، وجميع الرمّان ينفع من الخفقان.
و الرمان شجر مثمر من الفصيلة الآسية Myrtacees وثمرته الرمانة تتميز بحبوبها الحمراء اللؤلؤية. وزهره أحمر قان جميل يدعى الجلّنار. والرمان على ثلاثة أنواع: حلو و
حامض ومزّ معتدل، وتختلف خصائصه باختلاف أنواعه. فالحلو يحتوي على السكاكر (7 _ 10 %) والماء 81 % والبروتين 0.6 % والدسم 0.3 %. كما يحتوي على ألياف بنسبة 2 % وعلى مواد عفصية كالتالين ومواد مرّة وعلى حمض الليمون 1 % وعلى مقادير ضئيلة من الأملاح المعدنية وخاصة الحديد والفوسفور والكبريت والكلس والبوتاس والمنغنيز وعلى نسبة جيدة من الفيتامين " ث _ C ". وفي الرمّان الحامض تقل نسبة السكاكر وترتفع نسبة حمض الليمون حتى 2 % فهو موجود في الرمان أكثر من الليمون نفسه. وترتفع في بذوره نسبة البروتين إلى 9 % والدسم 7 %.
تحتوي القشرة الخارجية لثمر الرمّان على حمض العفص Tannic Acide وهي مادة قابضة لذا يستعمل مسحوق القشور المجففة كمضاد جيّد للإسهال والزحار، وكمرقئ للنزوف الهضمية. كما يستعمل مغلي القشور لهذا الغرض ويفيد كطارد للديدان وخاصة الدودة الوحيدة لاحتوائه على مادة البلليترين Peletierine. ويستفاد من خواص القشور في تثبيت الألوان فتستخدم في دباغة الجلود وفي التخضيب بالحنّاء.
أما قشرة الجذور فتستعمل أيضاً كعلاج طارد للديدان وخاصة لاحتوائها على نسبة عالية من قلويد البلليترين ومشتقاته حتى أن مغليها [يحضر المغلي لقشر الجذور بغلي 50 غ منها لكل ليتر ماء لمدة ربع ساعة ويشرب منه مقدار كوب كل صباح] يمكن أن يؤدي إلى عوارض تسممية _ ضعف عام، دوار، غثيان، اقياء _. ولتحاشيها تمزج قشرة الجذور هذه مع مواد قابضة كالعفص Tannin حيث يصبح امتصاص المواد الذائبة بطيئاً كما تحتوي قشرة الجذر على نسبة عالية من المواد القابضة حيث تفيد في معالجة الإسهال أيضاً ومغلي الأزهار له نفس الفوائد التي نجنيها من مغلي قشرة الرمانة، كما يعتبر فعالاً لمعالجة التهابات اللثة.
و لعصير الرمان الحامض خواص هاضمة ممتازة لارتفاع نسبة الحموض العضوية فيه وخاصة بالنسبة لهضم الدسم، وهذا يساعد أيضاً على الوقاية من النقرس ومنع تشكل الحصى الكلوية. لذا يستعمل بإضافته إلى المآكل الغليظة فيساعده على هضمها وعلى تخليص الأمعاء منها. وتعتبر ثمرته من المواد المنعشة وز المقوية للقلب والأعصاب حيث تفيد المصابين بالوهن العصبي، كما أن لها خواصّ هاضمة. وإذا قطر العصير في الأنف لوحده أو ممزوجاً مع العسل فإنه يكافح أورام الأغشية المخاطية لكونه مقبضاً للأوعية الدموية كما يعين بذلك على تنظيف مجاري التنفس ويفتحها عند المصابين بالزكام والرشح، كما يشفي عسر الهضم.
و يصنع من العصير نوع من الدبس _ دبس رمان _ وهو خير الحموض المحفوظة التي تضاف إلى الطعام ويستعمل طبياً لمعالجة أمراض الفم واللثة.
مراجع البحث
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق عبد المعطي القلعجي
أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) دمشق 1984.
محمد العودات وجورج لحام: عن كتابهما (النباتات الطبية واستعمالاتها) دمشق: 1987.
صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1977.
محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب).
ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).
ابن كثير الدمشقي: عن كتابه (تفسير القرآن العظيم).
-
مَن عُرِض عليه الريحانُ فلا يَرُدُّهُ
قال تعالى في معرض ذكره عن النعم التي وضعها في الأرض لعباده: {والحب ذو العصف والريحان} [سورة الرحمن: الآية 10].
و قال تعالى: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [سورة الواقعة: الآية 89].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من عرض عليه الريحان فلا يردُّه فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة " [رواه مسلم].
و عن أبي عثمان النهدي مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردًّه فإنه من الجنة " [رواه أبو داود والترمذي في مراسيلهما].
و في سنن ابن ماجة من حديث أسامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا مشمِّر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ... "
قال ابن القيم: الريحان كل نبت طيب الرائحة. فكل أهل بلد يخصونه بشيء فأهل المغرب يخصونه بالآس، وهو الذي يعرفه العرب من الريحان. أم أهل العراق والشام فيخصونه بالحبق
الآس: Myrtle
شجيرة من الفصيلة الآسية Myrtacees ترتفع إلى مترين ولها فروع عديدة ملساء عليها غدد ذات رائحة جميلة. تنبت برياً في سفوح الجبال، وتزرع في المناطق الغزيرة المياه وعلى ضفاف الأنهار. ويعود الاهتمام به لخضرة أوراقه الدائمة وأنها تحافظ على نضارتها وقتاً طويلاً. استعمله العامة من المسلمين لزيارة قبور موتاهم. يقال أن موطنه الأصلي بلاد فارس ونشره العرب في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي إسبانيا. ويعرف في المغرب العربي باسم الريحان وثمره هو حب الآس _ الحبلاس _. هذا وتفرز أوراقه مواد مطهرة تنقي الهواء وتقضي على الكائنات العضوية الدقيقة.
قال ابن القيم: الآس يجفف الرأس تجفيفاً قوياً وهو قاطع للإسهال الصفراوي وإذا شُمَّ فهو مفرح للقلب، مانع للوباء. وكذا إذا فرش في البيت.
و إذا سُحق ورقه اليابس وذر على القروح نفعها، وينفع من داء الداحس. وإذا دُلك به البدن قطع العرق وأذهب نتن الإبط. وطبيخه يجلو قشور الرأس وقروحه الرطبة ويمسك الشعر المتساقط ويسّوده، وحبه _ الحبلاس _ نافع من نفث الدم العارض في الصدر والرئة، دابغ للمعدة نافع من استطلاق البطن، مدمر للبول، نافع من لذع المثانة وعض الرتيلاء ولسع العقرب.
و أكد ابن سينا: أن ورق الآس يطيب رائحة البدن ويقوي أصل الشعر ويسّوده ويمنع تساقطه. وأضاف البغدادي: أن الآس يقطع الإسهال واشتمامه يسكن الصداع.
و في الطب الحديث يستخرج من ورقه وثمره زيت عطري طيار منعش زكي الرائحة، عنصره الفعال هو الميرتول Myrtole كما يحوي خلاصة قابضة ويوصف في التهاب اللثة والنزلات الصدرية وسيلانات المهبل. كما تحوي الأوراق على حمض الطرطير وزبدته ولذا فهي مدرة للبول، تخفف من شدة نوبات الصرع ومن عددها.
و يستخرج من ورقه وثمره ماء مقطر عطري زكي الرائحة _ عطر الملائكة _ يفيد مطهراً للأنف. أما ثماره _ الحبلاس _ فهي مغذية، منعشة ومقوية للجسم، تؤكل كفاكهة ولها خاصة مقبضة ومجففة للفم لاحتوائها على مادة عفصية، ويصنع منها مع السكر مُربّى لذيذ الطعم.
الحبق: Sweet Basil
هو الريحان بعرف أهل الشام، وربما كانت الهند موطنه الأصلي وهو نبات عشبي عطري من فصيلة الشفويات Labiee , s، زرع للزينة، ارتفاعه حوالي 50 سم، أوراقه بيضاوية معلاقية، زهره أبيض أو محمر قليلاً. يستعمل كتابل لتطبيب نكهة الطعام ويدخل في تحضير الحساء والسجق والسلطات. أما زيته الذهبي فيدخل في صناعة العطور والمشروبات.
و يستعمل كامل العشب الطازج بعد تقطيره لاستخراج الزيت. وهو زيت طيار أبيض أو أصفر اللون، له رائحة زكية واضحة ويدخل في تركيبه اللينالول والسينيول والأوجينول والتربين.
قال ابن القيم عن الحبق بأن: شّمه ينفع من الصداع الحار، ويجلب النوم، وبزره حابس للإسهال الصفراوي ومسكن للمغص، مقو للقلب ونافع من الأمراض السوداوية.
و أضاف ابن سينا: الحبق ينفع من البواسير والدوار والرعاف وأن أزهاره منشطة وهاضمة واستنشاق مسحوق أوراقه يزيل الصداع الناجم عن الزكام.
و في الطب الحديث: يحضر شرابه من رؤوسه المزهرة بعد نقعها في ماء مغلي، ويؤخذ منه مقدار ملعقة كبيرة بعد الطعام حيث يفيد كمنبه وهاضم، طارد للغازات، ومطهر للأمعاء ومزيل للمغص المعوي، مدر للبول، كما يقضي على الرشح والزكام. وله فائدة كبيرة في معالجة الوهن النفسي، وكمضاد للأرق العصبي والصداع وآلام الطمث.
و في أوربا يستعمل في عدد من المعالجات الشعبية. أما مغلي البذور فيعطي نتائج جيدة لمعالجة الزحار والاسهالات المزمنة.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. الإمام السيوطي: عن كتابه (الجامع الصغير).
3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
4. محمد العودات: عن كتابه (النباتات الطبية) دمشق: 1987.
5. أحمد قدامة: عن كتابه (النباتات الطبية) دمشق: 1982.
6. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.
-
كان مزاجها زنجبيلا
آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى تتحدث عن نعيم الجنة وما أعده الله لعباده المتقين قال تعالى: {و يسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا} [سورة الدهر: الآية 17].
قال الطبري: {كأساً} هي كل إناء كان فيه شراب فإذا كان فارغاً لم يقل له كأس وإنما يقال له إناء.
وقال ابن عباس: يريد الخمر {كان مزاجها زنجبيلا} كان مزاج الكأس التي يسقون منها زنجبيلا، أي يمزج لهم شرابهم بالزنجبيل.
قال القرطبي: كانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته لأنه يحذو اللسان ويهضم المأكول فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب.
و الزنجبيل Zingiber Ginger نبات عشبي عطري معمر ريزومي _ أي أنه ينبت من سوق عرضية طولها 1 _ 1.5 متر يخرج منها عدة سوق هوائية. أوراقه رمحية تستدق عند القاعدة سطحها أملس ولونها أخضر داكن. تحصد سوقه الهوائية عندما تبدأ بالذبول ثم تحفر الأرض وتستخرج السوق الأرضية _ الريزومات _ التي تغسل وتقشر وتقطع ثم تنقع بالماء أو تغلى في محلول سكري ثم تجفف وتحفظ للاستعمال. موطنه الأصلي جنوب شرقي آسيا وينحصر إنتاجه في المناطق الاستوائية في إفريقيا والهند.
استخدمه الصينيون والهنود منذ القديم كعلاج وتابل. يقول عنه جالينوس: إسخانه إسخان قوي، إذا أردنا أن نسخن البدن كله بالعجلة وجب أن نأكل الزنجبيل. وقال ابن ماسويه: الزنجبيل نافع من السدد في الكبد الحادث عن الرطوبة والبرد، معين على الجماع، محلل للرياح الغليظة في المعدة والأمعاء، وقال عنه ابن سينا: أنه يزيد الحفظ ويجلو الرطوبة عن نواحي الرأس والحلق وينفع من سموم الهواء.
قال ابن القيم: ذكر أبو نعيم في كتابه (الطب النبوي) من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة زنجبيل فأطعم كل إنسان قطعة وأطعمني قطعة. والزنجبيل مسخن، معين على هضم الطعام ملين للبطن. ينفع من ظلمة البصر الحاصلة عن الرطوبة: أكلاً واكتحالاً، معين على الجماع، صالح للكبد والمعدة، والمزّي منه يهيج الجماع ويزيد المني، ينشف البلغم ويطيب النكهة ويُدفع به ضرر الأطعمة الغليظة .... ريزوماته الشحمية تحتوي على أصماغ وراتنجيات دهنية ونشاء وزيت طيار يعطيه الرائحة العطرية التي تنبعث منه ويتكون من الكامفين Camphine واللينالول Linalol. وراتنج زيتي غير طيار هو الجنجرين الذي يعطيه الطعم اللاذع.
و تشير المصادر الطبية الحديثة إلى عدد من الاستعمالات الطبية الهامة للزنجبيل فهو يملك خواص مطهرة ومقوية ومضادة للحفر. خلاصته المائية من الأدوية الجيدة لأمراض العين كما تعطى داخلاً لتوسيع الأوعية الدموية وكمادة معرقة. كما يستعمل كمنعش ومنبه للقلب والتنفس، طارد للرياح، مضاد للمغص ومسكن للألم المعوي، لذا يفيد مزجه مع السنا فيمنع غثيانه ويصيره أقل شدة واستطالة. وبشكل عام فإن مزجه مع المسهلات يمنع حدوث المغص الناجم عنها. مَغليه منفث يفيد في النزلات البردية ويعتبر مضاداً للسعال، كما يصنع منه مربى يفيد في معالجة الآفات الصدرية. كما يمكن أن يغلى مع الشاي أو يسحق ويعجن مع العسل ويؤكل كغذاء مقو عام ومنشط للباه.
كما يعتبر مشهياً ومفرزاً للغدد لذا يستعمله الكثيرون كتابل يدخل في صناعة الحلوى والفطائر والمخللات والحساء لتطييب نكهة الطعام. كما يطبق معجون مسحوقه مع العسل موضعياً على الجلد والمفاصل كمسكن. هذا ولما كان الزنجبيل يحتوي على مقادير وافرة من المركبات الحريفة والقابضة فيجب تناوله باعتدال وعدم الإكثار منه وإلا أضرّ بالأغشية المخاطية للطرق الهضمية.
و يعتبر الزنجبيل منشطاً عطرياً يزيد من إفرازات المعدة بملامسته لبطانتها، وهو يقوي المعدة ويفيد لمعالجة أسواء الهضم وبعض اضطربات المعدة المشابهة بما فيها الناتجة عن دوار البحر، كما يفيد في طرد الغازات. وهو يعمل على تلطيف الحرارة وإزالة الظمأ لذا فهو يستخدم في الحميات والأنفلونزا، ويعطى شتاءً من أجل تدفئة الجسم. وهو مطمث عند المرأة، ويخفف من تأثير السموم على الجسم.
مراجع البحث
الإمام ابن جرير الطبري: عن كتابه (جامع البيان عن تفسير آي القرآن).
الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
حسان الكاتب: عن كتابه (الموسوعة الموجزة) دمشق: 1978.
محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.
أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) 1984.
زياد عبد الرحيم: عن مقالة (فوائد ومضار التوابل) مجلة البلسم، أيار: 1988.
-
كلوا الزيت وادّهنوا به
قال تعالى: {و هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والرمان متشابهاً وغير متشابهاً} [سورة الأنعام: 141].
و قال تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة كأنها كوكب دُرِّي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} [سورة النور: الآية 35].
قال القرطبي: قال ابن عباس رضي الله عنه: في الزيتونة منافع، يسرج الزيت وهو إدام ودهان ووقود، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ودعا لها سبعون نبياً بالبركة.
و قد اختلف العلماء في قوله تعالى: {لا شرقية ولا غربية} فعن ابن عباس وقتادة: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا تصيبها إذا غربت لأن لها ستراً والغربية عكسها أي أنها شجرة في منكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها. وقال ابن زيد: إنها من شجر الشام فإن شجر الشام لا شرقي ولا غربي وهو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة.
و في تفسير الجلالين {لا شرقية ولا غربية} بل بينهما فلا يتمكن منها حرٌ ولا برد مضرين.
قال تعالى: {و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} [سورة المؤمنون: 20]. قال القرطبي: {و شجرة} يريد بها شجرة الزيتون وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرها، وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار {تخرج من طور سيناء} أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه، وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلمّ الله عليه موسى عليه السلام، {تنبت بالدهن} أي تنبت ومعها الدهن، والمراد تعديد نعم الزيت على الإنسان، وهي من أركان النعم التي لا غنى للصحة عنها، {و صبغ للآكلين} يراد به الزيت الذي يصبغ به الأكل، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه.
قال تعالى: {و التين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين} [سورة التين: 1_3] قال الإمام الرازي حصل فيه قولان، الأول أن المراد من التين والزيتون هذان الشيئان المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء ... وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة، فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه ... ثم قال المفسرون: التين والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة فوجب إجراء اللفظ على الظاهر والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما من هذه المصالح. القول الثاني أنه ليس المراد هاتين الثمرتين، ثم ذكروا وجوهاً منها أنهما جبلان من الأرض المقدسة، ومنها أن المراد من التين والزيتون مسجدان، ومنها بلدان فقال كعب: التين دمشق والزيتون بيت المقدس.
عن أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه يخرج من ثمرة مباركة " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح حسن وأخرجه الإمام أحمد وصححه الحاكم]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ائتدموا بالزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة " [رواه ابن ماجة وصححه السيوطي في الجامع الصغير]. وعن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب]. وروى البخاري في صحيحه: كان ابن عمر رضي الله عنهما يدهن بالزيت، أي عند الإحرام [قال ابن حجر في فتح الباري: قال ابن عباس: إذا اشقّقت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت].
و في كتب التراث الإسلامي وصف مسهب لفوائد زيت الزيتون نقتطف منها ما جاء في تذكرة داود الأنطاكي: والزيت إذا شرب بالماء الحار سكّن المغص والقولنج وأخرج الدود وأدرّ البول وفتَّت الحصى وأصلح الكلى. ويقع في المراهم فيدمل ويصلح، والادّهان به كل يوم كل يوم يمنع الشيب ويصلح الشعر ويمنع سقوطه.. والاكتحال به يقلع البياض ويُحَدُّ البصر ... أما الزيتون فهو من الأشجار الجليلة القدر، العظيمة النفع، وإن مُضِغَ ورقه أذهب فساد اللثة والقلاع وأورام الحلق.
أما موفق الدين البغدادي فيقول: والإدّهان بالزيت يقوي الشعر والأعضاء ويبطئ الشيب،, شربه ينفع السموم ويطلق البطن ويسكن وجعه ويخرج الدود. ويذكر ابن سينا أن جميع أنواع زيت الزيتون مقوية للبدن منشطة للحركة. والزيت البري للحمرة والشرى والأورام الحارّة. والزيت البري المعتصر من الفج ينفع القروح الرطبة واليابسة والجرب، وورقه للحمرة والشرى. والزيت المغسول يوافق أوجاع العصب وعرق النسا، وزيت العتيق ينفع للمنقرسين إذا طلوا به. كما ينفع البريُّ اللثة الدامية تمضمضاً به ويشد الأسنان المتحركة، والزيت يتهوع مع الماء فيكسر قوة السم.
و في طبنا الشعبي توصف ملعقتان كبيرتان من الزيت في الصباح على الريق لمعالجة الإمساك. كما يوصف مزيجه مع الغليسرين لمعالجة تشقق الأيدي والأرجل من البرد. أما دولامور [Dolamore: " The Essential olive oil companion " London , 1988] فيورد بعض الوصفات من الطب الشعبي البريطاني، منها ما يجعل الشعر براقاً بعد مزجه مع صفار البيض وعصير الليمون: يدلك به الشعر 5 دقائق ثم يغسل. ولمنع قشرة الرأس يصفون مزيج الزيت مع الكولونيا. أما لمعالجة تجعد الشعر ومنع ظهورها فيوصف دلك الجلد بمزيج من زيت الزيتون مع عصير الليمون قبل النوم. كما يدلكون الأقدام بالزيت للذهب بتعبها.
و لقد أهمل الطب الحديث وحتى زمن قريب البحث عما في غذاء الإنسان من فوائد للوقاية من الأمراض وعلاجها، وأهمل الكثير من عقاقير القرون الوسطى _ كما يقولون _ وهكذا كان شأن الزيتون حتى عام 1986 حيث أيّدت أول دراسة موضوعية فائدته في معالجة ارتفاع كولسترول الدم، وبدأت الأبحاث تتوالى يوماً بعد يوم لتكشف أسرار هذه المادة الثمينة، وقد أثارت هذه الدراسات دهشة العالم حين أظهرت أن أمراض شرايين القلب واحتشاء العضلة القلبية كانت نادرة في جزيرة كريت، تلك الجزيرة التي يستهلك أهلها زيت الزيتون بشكل مثير يفوق الوصف. وفي حين قبل ذلك بـ 1400 عام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: " كلوا الزيت وادّهنوا به فإنّه يخرج من شجرة مباركة " وكيف لا تكون مباركة وقد أقسم الله بها، أو بأرضها حين قال جل وعلا: {و التين والزيتون وطور سنين ...} كما شبه الله نوره سبحانه بالنور الصادر عن زيتها حين قال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح * المصباح في زجاجة * الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة ....} [عن كتاب (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) الدكتور حسان شمسي باشا، جدة: 1992].
و يؤكد دولامور [Dolamore: " The Essential olive oil companion " London , 1988] أن سورية كانت أول موطن للزيتون حين زرعها الساميون قبل حوالي 6000 سنة، كما أن فلسطين كانت مشهورة بالزيتون. وقد جاء في سفر التكوين من الإنجيل أن حمامة تركت سفينة نوح ثم عادت إليها بغصن الزيتون، لذلك اعتبر غصن الزيتون رمزاً للسلام إذ كان إشارة إلى نهاية غضب الرب على قوم نوح، كما ذكر الزيتون في الآثار المصرية وشوهدت رسومه على أضرحة الفراعنة، كما ثبت استعمالهم لزيته في الطعام والعلاج. وقد علّم الفينيقيون الإغريق استخدام الزيت كمصدر للنور، وبلغ اهتمام الإغريق بالزيتون إلى درجة اعتبار بساتينه مقدسة لا يسمح بزراعتها إلا للعذارى من النساء أو الرجال الطاهرين.
شجرة الزيتون:
ينتمي الزيتون إلى فصيلة النباتات الزيتية Oleales وهناك مئات الأنواع المختلفة لشجر الزيتون، وتختلف فيما بينها تبعاً للمناخ والتربة وفيما إذا كان الزيتون سيستخدم للطعام أم للحصول على الزيت منه. ولا تستطيع شجرة الزيتون تحمل الطقس البارد جداً أو الرطب، بينما تتحمل الجفاف لفترة طويلة.
لذا تكثر في أقطار البحر الأبيض المتوسط بعيدة عن شواطئه، والمتميزة بشتائها اللطيف وصيفها الحار الطويل. وتمتاز هذه الشجرة بعمرها المديد إذ تعمر مئات السنين. وهي دائمة الخضرة وتزهر في أواخر الربيع ولا يتم نضج ثمرها قبل مضي 6 شهور على إزهارها. وقد كان الرومان يحرمون حرق خشبها ويستبقونه لصنع أثاث كنائسهم. ويفيد المغليّ المحضر من أوراقها في إدرار البول وكخافض للضغط الدموي.
خواص زيت الزيتون وقيمته الغذائية:
تختلف أنواع الزيت حسب لونه ومذاقه ورائحته وهذا تابع للأرض التي ينبت بها شجره وطريقة حصده وعصر ثماره. وألوانه تتفاوت من الذهبي إلى الأخضر القاتم، كما يختلف مذاقه من لاذع أحياناً أو فلفلي إلى طعم ثمري لطيف. ونحتاج للحصول على ليتر من الزيت إلى عصر 5 كغ من الزيتون. وليس هناك زيت نباتي آخر يمكن أكله فور عصره، فلا بدَّ للزيوت الأخرى من معالجتها بوسائل خاصة قبل أكلها. ويصنف الزيت حسب درجة حموضته وهناك طرق لتكريره من أجل تخفيف حموضته ورائحته.
إن ثمرة الزيتون حين بدء تشكلها لا تحتوي على أي كمية من الزيت بل إنها تحتوي على مزيج من الحموض العضوية والسكاكر التي تتحول بقدرة الخالق تدريجياً إلى زيت وثمرة الزيتون في طريقها إلى النضج وذلك ضمن عملية خاصة تدعى بتكون الدهن Lipogenesis أجل...! فما هي إلا مصانع كيميائية إلهية تحول الحموض العضوية والسكاكر إلى زيتن يكون غذاء ودواءً للناس...
يقول دولامور: ومن العجيب أن تجد أن طعم ونكهة زيت الزيتون يختلف من منطقة لأخرى رغم كون نوع الشجر واحداً في المكانين وهو يعود إلى اختلاف التربة والمناخ المحليين الذي يؤثر في طعم الثمار، وهذه المقولة هي مصداق قوله تعالى: {و هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه}.
و لأهل المغرب شهرة عالمية في إضافة البهارات والتوابل إلى الزيتون، حيث يسمى الزيتون المغربي الملكي. وزيتون الشام مشهور من ذ القديم وقد عرف بجودته. ويعتبر الزيتون مادة مغذية ومشهية وزيته أسهل هضماً من الزيوت الأخرى وله قيمة غذائية عالية. وقد كان الأطباء لسنوات خلت يحذرون المصاب بارتفاع كولسترول الدم من تناوله، لكن الأبحاث الحديثة دلّت عكس ذلك.
كما أوصت الجمعيتان الطبيتان البريطانية والأمريكية لمرضى السكر أن تكون الزيوت اللامشبعة الوحيدة كزيت الزيتون المصدر الرئيسي للدهون التي يتناولها المصابون بالداء السكري. ويشكل الزيت [Mc Cances: " Composition of food " London , 1979] نسبة 70 % من تركيب ثمرة الزيتون ويتكون من غليسيريدات وحموض أهمها حمض الأوليئيك مع كميات صغيرة من حمض البلمتيك واللينولئيك والستياريك والمستريك. وتحتوي كل 100 غ من الزيتون على بروتينات 0.9 غ، دسم 11 غ. وعلى عناصر معدنية هامة: البوتاسيوم والمغنزيوم والفوسفور والحديد والنحاس والكبريت وغيرها وعلى 4.4 م الألياف، وتعطي 103 حريرة.
كما تحتوي على نسبة عالية من الكاروتين _ طليعة الفيتامين آ _ [يعتبر فيتامين " آ = A " فيتامين النمو عند الأطفال. كما أنه ضروري لحماية الجلد وللرؤية أيضاً] وهي ما يقارب من 180 ميكروغرام، كما أنه غني بالفيتامين " و= E " الضروري لتركيب الخلايا ونشاطها الخمائري، كما يعتبر الفيتامين الخاص بالخصب والتناسل.
كما يحتوي على الفيتامين " د = D " الذي يقي من الكساح وتقوس الساقين عند الأطفال ومن تلين العظام عند الكبار. كما أن المادة العطرية [عن كتاب (الغذاء لا الدواء) للدكتور صبري القباني] التي يحتوي عليها تثير عند الإنسان شهوة الطعام. ويحتوي الزيت على ما يسمى بأشباه الدسم Lipoides وهي مواد ذات تأثير فعال في تغذية الخلايا السّامية في الجسم وخاصة النسيج الدماغي.
و زيت الزيتون مصدر عالٍ للطاقة الحرورية، فهو كغيره من الدهون، تبلغ قيمته الحرورية 9 حريرات للغرام الواحد، له مفعول جيد في نمو دماغ الطفل والعظام.
الخواص العلاجية لزيت الزيتون
فوائد زيت الزيتون عند المصابين بالداء السكري:
الداء السكري الكهلي يستفيد بالدرجة الأولى من الحمية وفي طليعتها الاعتماد على زيت الزيتون. فلقد أوصى الاتحاد الأمريكي لمرضى السكري المصابين بهذا الداء تناول حمية فقيرة بالكولسترول وبالدهون المشبعة _ الدهون الحيوانية _ وأصدر الاتحادان البريطاني والكندي توصيات مماثلة كما أقرت جداول حمية تعطى فيها الدهون بنسبة 30 % على ألا تتجاوز نسبة الدهون المشبعة 10 % وأن تكون نسبة الدهون اللامشبعة العديدة _ كزيت الذرة _ فيها 6 - 8 % في حين يكون الباقي 82 % على شكل حموض دهنية لا مشبعة وحيدة _ زيت الزيتون _. وقد أكد كارج وزملاؤه [Carg A. " New England j. Med.1988,34] أن استعمال زيت الزيتون كمعوض عن بعض النشويات في غذاء المرضى السكريين يمكن أن يؤدي إلى تحسين السيطرة على مستوى السكر الدموي.
زيت الزيتون وأمراض المرارة:
تؤكد الكتب المدرسية في فن المداواة [كتاب فن المداواة للدكتور عزة مريدن. دمشق] فائدة الزيت كمفرز ومفرغ لصفراء الكبد، إذا أعطي منه 2 - 6 ملاعق كبيرة يومياً موزعة قبل وجبات الطعام. وبتأثيره هذا يفيد المصابين بالرمال الصفراوية _ المرارية _ والصفراء اللزجة الكثيفة ويخفف من آلامها. ونظراً لتفككه في الجسم وانطلاق الغليسرين منه فإنه يفيد في تسهيل إفراغ الرمال البولية.
و في عام 1985 كتب الدكتور كوتكاس [Kotkas I. j. " Spontaneous passage gallstones " j. Royal soc. of Med. 1988 , 34] عن مشاهدات طريفة له من الطب الشعبي الكندي، وجدها فعالة في 95 % من الحالات لمعالجة حصيات المرارة تقوم على أن يصوم المريض على تناول السوائل والعصير _ من 20 - 24 ساعة _ ثم يبدأ بعدها بتناول ملعقتين كبيرتين من زيت الزيتون الطازج يتبعها فوراً بملعقة كبيرة من عصير الليمون الطازج أيضاً وذلك كل 15 دقيقة حتى يتناول ما مقداره (224 غ من زيت الزيتون) ثم ينام واضعاً زجاجة ماء دافئ على بطنه ويمتنع عن الطعام بعدها حتى صباح اليوم التالي. وقد أكدّ كوتكاس أنه كثيراً ما شاهد الحصيات المرارية تخرج متفتتة مع البراز خلال ساعات بعد ذلك.
زيت الزيتون والكولسترول:
يتواجد الكولسترول في دم وخلايا الإنسان. وهو عنصر أساسي في بنيته الكيماوية _ الحيوية حيث يدخل أيضاً في تركيب الهرمونات الهامة وله نوعان: ضارٌ ومفيد. فأما النوع الضار فهو ما يسمى بكولسترول الدسم البروتينية المنخفضة الكثافة، الذي يتراكم في الشرايين مؤدياً إلى تضيقها. وتوضعه في شرايين القلب خاصة يؤدي إلى الإصابة بخناق الصدر أو باحتشاء العضلة القلبية. أما النوع المفيد فهو كولسترول الدسم البروتينية المرتفعة الكثافة الذي يقوم بإزاحة النوع الضار من مواضعه في الخلايا ونقله إلى الكبد حيث يتخلص منه. لذا فيجب أن نهدف في تغذيتنا إلى رفع مستوى هذا النوع من الكولسترول حتى نقلل احتمال الإصابة بمرض في شرايين القلب. ويزداد هذا النوع في البدن عند تناول زيت الزيتون بدلاً من الدهون الحيوانية وعند القيام بالتمارين الرياضية وبعد التوقف عن التدخين.
و قد اعتادت المصادر الطبية على القول بأن زيت الزيتون لا يؤثر على كولسترول الدم سلباً أو إيجابياً، لكن الأبحاث العلمية الحديثة [الدكتور حسان شمسي باشا: (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) جدة: 1992] أظهرت أن زيت الزيتون ينقص معدل كولسترول الدم كما أنه ينقص أيضاً مستوى الدسم البروتينية المنخفضة الكثافة _ الكولسترول الضار _ ويجب أن تهدف معالجة المصابين بارتفاع كولسترول الدم لإنقاص معدّل هذين المركبين وعليه فإن زيت الزيتون يقوم بأداء ما نسعى إليه، وقد بينت تلك الأبحاث أن زيت الزيتون لا ينقص معدّل الكولسترول المفيد. وهكذا فإن للزيت تأثيراً مزدوجاً فهو ينقص من الكولسترول الضار في حين يحافظ على معدّل الكولسترول المفيد فيحمي بذلك شرايين القلب. وإن تأثير زيت الزيتون على دسم الدم أفضل بكثير من تأثير زيت الذرة أو المازولا الذي طالما تحدث عنه الأطباء.
زيت الزيتون وأمراض شرايين القلب:
يصاب القلب بعدد من الأمراض نتيجة إصابة الشرايين الإكليلية المغذّية للقلب بالتضيق أو الانسداد. وأكثر هذه الأمراض شيوعاً ما يسمى بالذبحة القلبية Angina Pectoris واحتشاء العضلة الققلبية _ الجلطة _ وينجم عن تضيق الشرايين عن تشكل لويحات في لمعتها يترسب فيها الكولسترول وصفيحات الدم مع نسيج ليفي، يزداد هذا التضيق بسبب ترسب خثرات دموية فوق السطح الخشن لتلك اللويحات مما يؤدي إلى الإصابة بالاحتشاء.
و قد أكد الدكتور تريفيسان وزملاؤه [Trevisan M. " Consumption of oil
, butter and veg. oils and Coronary Heart dis. Risk factor , " - JAMA, 1990] من جامعة نيويورك التأثيرات المفيدة لزيت الزيتون للوقاية من أمراض الشرايين القلبية. وقد أظهرت دراساته أن مستوى كولسترول الدم والسكر والضغط الدموي كانت أقل عند أولئك الذين كانوا يكثرون من تناول زيت الزيتون، ونظراً لأثر هذه العوامل في إحداث التصلب في شرايين القلب فهذا يجعلنا نعي الدور العظيم الذي يلعبه زيت الزيتون في الوقاية من الذبحة والاحتشاء القلبيين.
أما الدكتور باغيو [Baggio G. " Olive oil - Enriched diet: - " American j. clin. Nutrition , 1988] فيؤكد أنه على الرغم من الاستهلاك الكبير للدهون في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط فإن نسبة حدوث أمراض الشرايين القلبية ومستوى كولسترول الدم تعتبر منخفضة نسبياً. وعزى ذلك لكثرة تناول سكان المنطقة من زيت الزيتون، كما وجد أن معدّل الوفيات من الاحتشاء هو أقل من فنلندا وأمريكا حتى ولو تساوى مستوى الكولسترول عند هاتين المجموعتين مما يوحي بأن لزيت الزيتون تأثيرات واقية أخرى لا تقتصر فقط على خفض كولسترول الدم.
و من جامعة مينوستا الأمريكية نشر الدكتور كيز [Keys A. " lowering plasms cholestrol by diet " , New England j. Med , 1986] نتيجة دراسته التي أجريت على 2300 رجل من متوسط العمر ومن دول مختلفة حيث وجد أن معدّلات الوفيات كانت منخفضة جداً عند الرجال الذين يتناولون زيت الزيتون بكثرة، كما أكدت أبحاث أوليفر وأهرتس أهمية التغذية بزيت الزيتون وفائدته في الوقاية من آفات شرايين القلب الإكليلية.
و قد أظهرت الدراسات أن زيت الزيتون يحتوي على مواد كيماوية تمنع تخثر الدم وترفع مستوى الكولسترول المفيد _ المرتفع الكثافة وتقي الشرايين من ترسب الكولسترول فيها. ويعطي الأطباء في جامعة ميلانو مرضى القلب الذين أجريت لهم عمليات على شرايين القلب 4 - 5 ملاعق من زيت الزيتون يومياً كإجراء روتيني وكجزء من العلاج الذي يتلقونه. كما أن غراندي [Grundy S. M. " comparison of Monounsaturated fatty acides and carbohydrates for lowering plasma cholestrol ". Neo - Eng. j. Med. 1986 - 12] من جامعة تكساس بين أن زيت الزيتون يخفض كولسترول الدم بمقدار 13 % ويخفض الكولسترول الضار _ المنخفض الكثافة _ بمعدل 21 % وينصح بتناول زيت الزيتون بدلاً من الدهون الأخرى للوقاية من الأمراض التي تصيب الشرايين القلبية.
هذا ويمكن أن نلخص عمل زيت الزيتون للوقاية من الآفات القلبية الوعائية بما يلي:
1. يخفض مستوى كولسترول الدم ويرفع نسبة كولسترول المفيد _ المرتفع الكثافة _ أما الزيوت النباتية الأخرى كزيت الذرة ودوار الشمس فإنها بدون شك تخفض مستوى كولسترول الدم لكنه في الوقت نفسه تخفض الكولسترول المفيد الذي يقلل من احتمالات حدوث آفة إكليلية قلبية.
2. هناك عامل قوي مضاد للاحتشاء يقوم بفعل مضاد للتخثر ويقلل من امتصاص الكولسترول في الجسم. ومن 1000 مادة حية في زيت الزيتون هناك ما يسمى بـ سيكلو أترانول الذي يعدل الكولسترول أثناء استقلابه في الجسم.
3. يزيد زيت الزيتون من إنتاج العضوية للبروستاسيكلين الذي يخفض ضغط الدم.
4. يؤثر على استقلاب وإنتاج الأنسولين مما يفسر تأثيراته على خفض سكر الدم.
زيت الزيتون وارتفاع الضغط الدموي:
في الدراسة التي أجراها ويليامز [Williams P. T. " Assocition of Dietary fat , regonal adiposity , and blood pressure in men " JAMA , 1987. 6] وزملاؤه بيان واضح بأن ضغط الدم المرتفع قد انخفض عند أولئك الذين تناولوا زيت الزيتون في غذائهم اليومي، واستنتجوا أن هناك علاقة عكسية بين ضغط الدم وتناول زيت الزيتون. ويعتقد بعض الباحثين من جامعة كنتاكي أن تناول ثلثي ملعقة طعام من زيت الزيتون يومياً يمكن أن يخفض الضغط الانقباضي خمس نقاط والانبساطي 4 نقاط.
فوائد علاجية أخرى لزيت الزيتون:
لخصت دائرة المعارف الصيدلانية (Martindele - 1989) فوائد زيت الزيتون على أنه مادة مغذية وملطفة ذات فعل ملين خفيف _ مضاد للإمساك _ إذا أخذ بمقدار 1.5 ملعقة كبيرة قبل الطعام. وأنه يمكن استعماله كحقنة شرجية _ 100 سم 3 من الزيت + 500 سم 3 من الماء الدافئ بدرجة 32 _ وذلك لتليين الكتل البرازية المسببة للإمساك ولمعالجة حالات إنعقال _ انفتال _ الأمعاء، كما يستعمل في بعض الحالات المرضية على شكل مستحلب كجزء من غذاءٍ خالٍ من البروتين.
و يؤكد الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد الدور الهام الذي يلعبه زيت الزيتون في الوقاية من العديد من أسواء الهضم، فهو يلين الغشاء المخاطي للأثني عشر ويقلل من الإفراز المفرط للمعدة من حامض كلور الماء والببسين فيساهم بذلك في الوقاية من الإصابة بالقرحة المعدية والإثنى عشر، كما يعمل على وقف التقلص المرتفع، حيث يؤدي دوره الواقي والمنظم ويقلل من الإصابة بالتهابات المعدة.
و لزيت الزيتون حال الادّهان به فعل ملطف ومهدئ لحالات الجلد الالتهابية ويفيد لتطرية الجلد ولمعالجة القشور الناجمة عن الأكزيما والصدف، كما يستعمل مطرياً لصملاخ الأذن، وكمادة مزلقة لمساجات الجلد، كما يدخل في تركيب المروخات والمراهم. ويشرح الدكتور مريدن طريقة صنع المروخ الكلسي - الزيتي الذي يفيد في معالجة الحروق، ويحضر بمزج أقسام متساوية من زيت الزيتون وماء الكلس. ومن خلال مشاهداتنا العملية يمكننا أن نعتبر مزيج العسل مع زيت الزيتون علاجاً مثالياً للحروق خاصة بعد تفجير الفقاعات الناجمة عن الحرق _ الدرجة الثانية _ [عن كتاب (العسل فيه شفاء للناس) للمؤلف، الطبعة 3 لعام 1992 - دمشق].
ويؤكد الدكتور النسيمي فائدة زيت الزيتون للمرضى المصابين بالبواسير، إذ من المعروف أن الإمساك المزمن من الأسباب المساعدة لحدوث البواسير وأن تليين الباطنة يخفف من وطأتها. ونظراً لأن الزيت ملين، ومنبه لإفراز المرارة مما يساعد في هضم الدسم وتنبيه الحركة الحوّية للأمعاء. لذا فإن تناول الزيت النيئ قبل الطعام مفيد جداً للمصابين بالبواسير. فقد ورد عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بزيت الزيتون، كلوه وادّهنوا به فإنه ينفع من الباسور " [رواه ابن السني في الطب النبوي ورمز السيوطي لصحته ورواه عنه الديلمي].
و إذا كان الباحثون قد توجهت أنظارهم حديثاً نحو دراسة زيت الزيتون واكتشاف فوائده في الوقاية من احتشاء العضلة القلبية وفي تدبير مرضى السكر والضغط الدموي وارتفاع الكولسترول ومعالجة حصيات المرارة وغيرها، فإن رسول الإنسانية وطبيبها الملهم محمداً صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى أكثر من 14 قرناً غذاءً وعلاجاً، أكلاً وادّهاناً حين قال صلى الله عليه وسلم: " كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة ". وما أجمل فهم صحابة رسول الله لهذه الدعوة النبوية كما نراه من خلال الحادثة التي رواها القرطبي في شرحه لآية العسل حيث قال:رُويَ أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: إيتوني بماء فإن الله تعالى يقول: {و نزلنا من السماء ماءً مباركاً} ثم قال: إيتوني بعسل فإن الله تعالى يقول: {فيه شفاء للناس} وإيتوني بزيت فإن الله تعالى يقول: {من شجرة مباركة زيتونة} فجاؤوه بذلك كله فخلطه جميعاً ثم شربه فبرئ
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. حسان شمسي باشا: عن كتابه (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) جدة: 1992.
3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث). المجلد 3 الطبعة 3 , 1991.
4. داود الأنطاكي: عن كتابه (تذكرة أولي الألباب).
5. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).
6. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء).
7. الرازي: عن كتابه (تفسير الفخر الرازي) ببيروت: 1985.
8. الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).
9. عبد الرزاق السعيد: عن مقالة له في مجلة الدواء العربي، السنة 12 العدد 2 لعام 1992.
-
السدر والنبق
قال تعالى: {و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود} [الواقعة: 28]. وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى سدرة المنتهى ليلة أسري به وإذا نبقها مثل قلال هجر، [رواه البخاري].
و في الحديث الصحيح الذي رواه الستة وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اغسلوه بماء وسدر ". وقال ابن كثير عن قتادة: كنا نحث عن " السدر المخضود " أنه الموقر الذي لا شوك فيه، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر.
و قال الحافظ الذهبي: الاغتسال بالسدر ينقي الرأس أكثر من غيره ويذهب الحرارة وقد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل الميت. والنبق ثمر السدر شبيه بالزعرور يعصم الطبع ويدبغ المعدة. وزاد ابن القيم: أنه ينفع من الإسهال ويسكن الصفراء ويغذو البدن ويشهي الطعام وينفع الذرب الصفراوي وهو بطيء الهضم وسويقه يقوي الحشا، وهو يصلح الأمزجة الصفراوية.
و السدر Zizyphus Spina Christi أو الشوك المقدس Christ,s Thorn نبات شجيري شائك، بري وزراعي موطنه شبه الجزيرة العربية واليمن ويزرع في مصر وسواحل البحر الأبيض المتوسط. وهو من الفصيلة العنابية أو السدرية Rhamnaccae، والنبق هو ثمر السدر حلو الطعم عطر الرائحة. أهم العناصر الفعالة الموجودة فيه هي سكر العنب والفواكهة وحمض السدر Acide Zizyphique وحمض العفص، ثماره مغذية وتفيد كمقشع صدري، وملينة وخافضة للحرارة ونافعٌ في الحصبة وقرحة المعدة. مغلي أوراقه قابض طارد للديدان ومضاد للإسهال ومقوٍ لأصول الشعر. ونافع من الربو وآفات الرئة. ويمكن أن تضمد الخراجات بلبخة محضرة من الأوراق. وطبيخ خشبه نافع من قرحة الأمعاء ونزف الدم والحيض والإسهال. وصمغه يذهب الحزاز.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي).
3. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).
4. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي والسنة).
5. دكتور شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة.
6. أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير: عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري).