-
وعليكم بالقسط
عن انس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تعذبوا صبيانكم بالغمز وعليكم بالقسط " [رواه البخاري].و عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيّما امرأة أصاب ولدها عُذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطاً فتحكه بماء ثم تسعطه إيّاه " [رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجّام أجره واستعَطَّ. [رواه البخاري ومسلم] وعن ابن عباس أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ خير ما تداويتم به السُّعوط " [رواه الترمذي]
و قد روى الشيخان عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها وعندها صبي يسيل منخريه فقال: ما هذا؟ فقالت: إنه العذرة. فقال: ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها العذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطاً هندياً فلتحكه ثم يسعط به، فأمرت عائشة فصنعت به فبرئ. وقد روى البخاري أن أم قيس بنت محصن الأسدية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لها قد أعلقت عليه من العذرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: علام تدغرن أولادكن بهذا العلاق؟ عليكن بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب، يريد الكُست...
و في رواية أخرى للبخاري عن أم قيس بنت محصن أنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " عليكم بهذا العود الهندي فإنّ فيه سبعة أشفية: يستعط به من العذرة ويُلَدُّ به من ذات الجنب ".
قال ابن حجر: والسعوط ما يُجعل في الأنف مما يتداوى به وقوله " استعطّ " أي استعمل السعوط وهو أن يستلقي على ظهره ويجعل ما بين كتفيه يرفعهما لينحدر رأسه ويقطر في أنفه ماءً أو دهناً فيه دواء _ ينطبق القول على أيّ قطرة _ ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه _ المقصود بلعومه الخلفي _ لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس.
و العُذرة _ بضم العين _ وجع في الحلق يهيج من الدم وتسميها العامة ببنات الأذن. وهذا التفسير يوافق في الطب أمراض الحلق التي تترافق باحتقان دموي سواء أكان التهاب لوزات أو التهاب لهاة أم التهاب بلعوم. وكان نساء المدينة وما يزال نساؤنا حتى اليوم يلجأن إلى معالجة العذرة بالإصبع أو غمز الحلق بها. والإعلاق الدغر أيضاً في اللغة تعني غمز العذرة بالإصبع. وقد يلجأن إلى إدخال فتيل من خرقة في أنف المريض فيطعن به البلعوم الأنفي فينفجر منه دم ويقال عذرت المرأة الصبي إذا غمزت أو أعلقت أو دغرت حَلقَهُ من العذرة.
و من توجيهات النبي الكريم في هذا المجال أنه نّبه إلى وجوب تجنب الخطأ في بعض المعالجات الشعبية والتي لا تستند إلى أساس علمي فنهى النساء عن مثل هذه المعالجة والمؤذية أحياناً مقدماً لهن العلاج الأمثل في هذه الحالة وهو القسط.
قوله " ويُلَد به من ذات الجنب " يعني يسقاه في أحد شقي فمه وهو تنبيه إلى طريقة لسقي المريض دواءه عندما لا يتمكن من الجلوس أو من تناوله بيده أو عندما يثير ذلك ألماً شديداً لديه، واللدود ما يسقى الإنسان في أحد شقي الفم، أُخذ من لديدَي الوادي وهما جنباه، واللُّدود _ بضم اللام _ الفعل. فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير ما تداويتم به اللدود والسعوط والحجامة والمشيّ " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب]. وروى زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد].
و لقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة القسط مع الشب اليماني وزر الورد، وسقوط اللهاة هو ضخامتها المتأتية عن التهابها.
و قال الموفق البغدادي: وذات الجنب قسمان: حقيقي وهو ورم حاد يعرض في الغشاء
المستبطن للأعضاء، وغير الحقيقي وهو ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات، إلا أن الوجع في هذا القسم ممدود وفي الحقيقي ناخس. وقال الدكتور القلعجي معلقاً: تنطبق هذه العلامات على التهاب الغشاء المبطن للرئة Pleurisy الذي يترافق بألم حاد شديد يتفاقم مع التنفس العميق أو السعال بالإضافة إلى سعال جاف وارتفاع حرارة وإنهاك القوى العامة وقد يتجمع في الغشاء سوائل في بعض الحالات. ويرى النسيمي أن ذات الجنب الواردة في الأحاديث هي الألم الجانبي الناتج غالباً عن البرد أو الرثية _ الروماتيزم _
و ذكر ابن الكحال ابن طرخان طريقة المعالجة بالقسط للألم الجانبي فقال: يُدقُّ القسط ناعماً ويخلط بالزيت المسخن دون غلي أو قلي ويدلك به مكان الألم، ويلعق.
أما ابن القيم فقد أكد هذا المعنى بقوله: والعلاج الموجود في الحديث عن آفة في الصدر تنجم عن ريح غليظة فإن القسط البحري إذا دُقَّ ناعماً وخلط بالزيت المسخن ودلك به مكان الريح المذكور أو لُعق كان دواءً موافقاً لذلك نافعاً له محللاً لمادته مذهباً لها، مقوياً للأعضاء الباطنة.
قوله صلى الله عليه وسلم: " فإن فيه سبعة أشفية " قال البخاري: قال الراوي: فسمعت الزهري يقول: بّين لنا اثنتين ولم يبين لنا خمسة. وقال ابن حجر: كذا وقع الاختصار في الحديث عن السبعة على اثنين، فإما أن يكون ذكر السبعة فاختصره الراوي أو اقتصر على الاثنين لوجودهما حينئذ دون غيرهما. وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول ويقتل ديدان الأمعاء ويدفع السُّم وحمى الربع والورد ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع ويذهب الكلف طلاءً.
و عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري " [رواه البخاري ومسلم والإمام مالك في موطئه وأخرجه الإمام أحمد في المسند]. قال الموفق البغدادي: وفي جمعه صلى الله عليه وسلم بين الحجامة والقسط سرٌّ لطيف وهون أنه إذا طُلي به شرط الحجامة لم يتخلف في الجلد أثر المشاريط وهذا من غرائب الطب فإن هذه الآثار إذا نبتت في الجلد قد يتوهم من رآها أنها بهق أو برق والطباع تنفر من هذه الآثار. فحيث علم ذلك مع الحجامة ما يؤمن من ذلك. والقسط قد جعله النبي صلى الله عليه وسلم أمثل ما يتداوى به لكثرة منافعه، ينفع الفالج ويحرك الباه وهو ترياق لسمّ الأفاعي، واشتمامه على الزكام يذهبه ودهنه ينفع وجع الظهر.
قال ابن حجر: ويحتمل أن تكون السبعة أصول التداوي بها لأنها إما طلاءٌ أو شربٌ أو تكميدٌ أو تقطيرٌ أو تبخيرٌ أو سعوطٌ أو لدود. فالطلاء يدخل في المراهم ويحل يالزيت ويلطخ، ,كذا التكميد. والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء وغيرها. وكذا التقطير والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف والدهن والتبخير واضح. وتحت كل واحدة من السبعة منافع لأدواء مختلفة ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم.
و لكن... ما هو القسط Costus؟
ذكر المرشد إلى المصادر العالمية للنباتات النافعة [صدر بالروسية وألفه العالمان: فول ومالييفا - موسكو: 1952] أن للقسط أنواعاً كثيرة، وأكدّ على المنافع الطبية لثلاثة أنواع:
القسط الجميل Costus Speciosus:
و هو المسمى أيضاً بالقسط العربي Costus Arabicus وهو ينتشر تلقائياً في جنوب شرقي آسيا من جبال هيمالايا وحتى سيلان وفي الهند الصينية والفليبين وتايوان. ويزرع في الهند وأندونيسيا وتؤكل سوقه الحاوية على 24 % من تركيبها على النشاء. ويستعمل علاجياً في آفات الصدر والسعال والربو.
القسط الإفريقي Costus Afrri:
و يسميه الإنكليز Ginger Lily وهو منتشر في إفريقيا الاستوائية، تستخدم جذوره لتحضير عجينة لصنع الورق. أما طبياً فيستعمل مسحوق سوقه لمعالجة السعال. أما الصبغة المحضرة من جذوره فتدخل في عداد تركيبة دوائية من داء النوم. وتطبق أوراقه المسلوقة موضعياً لمعالجة الرثية، أما الجذور المسلوقة فتفيد موضعياً لشفاء التقرحات الجلدية.
القسط الموبّر Costus Villosissimus:
و من أسمائه Costus Spicatus , Costus Spetimus. وينتشر في كولمبيا وأمريكا الاستوائية وخاصة في البيرو وغويانا ويستعمل طبياً لعلاج النزلات الشعبية وخاصة المعوية منها وفي حمىّ التيفوس.
و في كتاب النباتات النافعة في غرب أفريقيا أشار J. Dolziel فقط إلى القسط الإفريقي وأكد فائدته كدواء للسعال حيث يؤخذ مغلي سوقه أو مدقوق ثمرته أو تعلك سوقه طازجة وقد يستعمل مغلي جذوره لنفس الغرض. كما تطبق أوراقه المسلوقة كمادة محمّرة لمعالجة الآلام الرثوية. ويشير إلى ما يعتقده سكان سيراليون وساحل الذهب وغيرها حول القدسية لهذه المادة العلاجية عندهم.
و خلاصة ما كتبه شراح الحديث أن نبات القسط _ الموصوف في السنة _ نبات يعيش في الهند وخاصة كشمير وفي الصين، وتستعمل قشور جذوره التي قد تكون بيضاء أو سوداء، وكان التجار العرب يجلبونها إلى الجزيرة العربية عن طريق البحر لذا سميت بالقسط البحري. كما كان يسمى بالقسط الهندي. وقد يُدعى الأبيض بالقسط البحري وز الأسود بالقسط الهندي الذي يتخذ في البخور وله نفس الاسم مع أنهما نباتان مختلفان. وقال البخاري تحت باب السعوط الهندي أو البحري، وهو الكُست _ بالقاف والكاف _ مثل كافور وقافور وكشطت وقشطت.
قال ابن القيم: القسط نوعان: أبيض يقال له البحري وأسود هو الهندي وهو أشدهما حرارة والأبيض ألينهما ومنافعهما كثيرة: ينشفان البلغم، قاطعان للزكام، وإذا شربا نفعا من ضعف الكبد والمعدة وقطعا وجع الجنب ونفعا من السموم وإذا طلي الوجه بمعجونه مع الماء والعسل قلع الكلف.
أما الدكتور أحمد الرشيدي [عن كتابه (عمدة المحتاج في علمي الأدوية والعلاج)] فقد ذكر أن للقسط نحواً من 15 صنفاً وأن الأصلي منه هو القسط الجميل C. Speciosus ومأواه الهند، ومن أنواعه القسط العربي. وذكر أن ابن سينا نقل عن ديسقوريدس بأن للقسط ثلاثة أنواع: صنف أبيض خفيف عطري هو القسط العربي أو البحري،و صنف أسود خفيف غليظ قليل العطرية هو الهندي، وصنف ثالث ثقيل يشبه خشب البقس، رائحته ساطعة هو القسط الشامي.
و ينقل عن الدكتور ميره قوله أننا إذا أجرينا على كلام المؤلفين نسبنا الجذر الذي يسمى عندنا الآن بالقسط العربي للقسط الجميل وهو أبيض فطري مائي عذب الطعم يقرب قليلاً لرائحة الزنجبيل،, هذا يوافق ما يسمى بالقسط الحلو Costus Duleis.
و يرى الدكتور النسيمي أن القسط الأبيض المر الذي يكون بلون البقس والذي يكثر في بلاد الشام والمسمى لذلك بالقسط الشامي والذي يعرف أيضاً بـ الرندة ليس هو القسط الذي وصفه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وليس له فائدة القسط الهندي أو البحري.
أما قسط أظفار فهو نوع من الطيب غير القسط الذي نتداوى به، وقد ورد ذكره في صحيح البخاري عن حفصة عن أم عطية قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس مصبوغاً إلا ثوب عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كُست أظفار.
و ذكر ابن حجر في تعليقه على حديث القسط البحري: وهو محمول على أنه وصف لكلٍ ما يلائمه، فحيث وصف الهندي كانت الحاجة إلى معالجة أشدَّ حرارة، وحيث وصف البحري كان دون ذلك في الحرارة.
و حيث لم نجد أبحاثاً حديثة تكشف أسرار هذه المادة العلاجية النبوية الذي دعانا للتداوي بها من لا ينطق عن الهوى فإننا نحث همم الباحثين من علمائنا وأطبائنا على دراسة هذه النبتة ومعرفة خواصها الدوائية واستطباباتها السريرية في مختلف المجالات.
مراجع البحث
1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) الطبعة 3 _ ج 3.
4. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة) تحقيق عبد المعطي القلعجي
5. أحمد يوسف التيفاشي: عن كتابه (الشفا في الطب) تحقيق عبد المعطي القلعجي.
6. فول ومالييفا: عن كتابهما (المرشد إلى المصادر العالمية للنباتات النافعة) صدر في موسكو بالروسية: 1952.
7. داليزييل: عن كتابه (The useful Plants of West Tropical Africa) صدر في لبنان: 1937.
-
كان مزاجها كافوراً
يصف سبحانه وتعالى شراب أهل الجنة التي أعدّ لعباده المتقين فيقول: {و يسقون فيها كأساً كان مزاجها كافوراً} [سورة الدهر: الآية 5]. قال القرطبي: يشربون من كأس أي من إناء فيه الشراب، قال ابن العباس: يريد الخمر. والكأس في اللغة الإناء فيه الشراب وإذا لم يكن فيه شراب لم يُسَمَّ كأساً {كان مزاجها} أي شوبها وخلطها {كافورا} عن قتادة: تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك، قال مجاهد وقال عكرمة {مزاجها} طعمها. وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها،و قال ابن كيسان: طُيّبت بالمسك والكافور والزنجبيل / 1. هـ.
عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته فقال: اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو شيئاً من كافور... [رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وأبو داود].
قال الموفق البغدادي: الكافور ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في غسل الميت، يقطع الرعاف ويقوي الحواس ويقطع الباه، وشُّمه يسُهر والشربة منه وزن شعيرة تقطع الإسهال / 1. هـ.
و يعرّف أبو قاسم الغساني الملقب بالوزير الكافور بأنه لثي _ حليب _ شجرة الفوفل التي تنبت بأرض الهند وهو شجر عظيم كشجر الزيتون فإذا نقر في أسفلها خرج ذلك اللثي فيجفف ويعقد ويصنع منه الكافور، وأجوده ما كان أبيضاً وهو من الأطياب الرفيعة القدر نافع من الصداع الصفراوي والأورام الحارّة والقلاع، قاطع للرياح مقوٍ للحواس نافع من الرمد الحار قاطع للباءة مُسرعٌ للشيب.
و يصفه داود الأنطاكي بأنه قاطع للدم حابس للإسهال والعرق قاطع للعطش والحميّات مزيل للقرح وز التهاب الكبد وحرقة البول وتآكل الأسنان. ويصفه ابن سينا مع الخل لمنع الرعاف ويصفه بأنه ينفع الصداع الحارّ، يقوي الحواس ويقع في أدوية الرمد الحار والأدوية القلبية.
و شجرة الكافور Cinnamonum Camphora من الفصيلة الغارية Louraceae شجرة عالية يصل ارتفاعها إلى 20 - 50 متراً لها أوراق لامعة داكنة دائمة الخضرة، موطنها الصين واليابان والهند، أدخلت كنبات زينة في المناطق الحارة والقريبة منها، يستخلص من تقطير أخشابها ما يسمى بزيت الكافور وهو من الكيتونات Ketones ويحتوي على Cinol والزعفرول Sofrol.
يفيد الكافور في تخفيف وطأة الزكام حيث يوضع قليل من مسحوقه في الماء الساخن ويستنشق البخار من الأنف،و يدخل بكمية قليلة إلى المساحيق الجلدية، إذ يُساعد على تخفيف الحرقة الناشئة عن الأكزيما والالتهابات الجلدية الأخرى.
يذاب مسحوق الكافور بنسبة 10 % في الزيت ويحضر ما يسمى بالزيت المكوفر الذي يفيد مسكناً في آلام المفاصل الرضية والرثوية دهناً موضعياً مع التدليك الخفيف للمفاصل المصابة كما يدخل في مراهم الحروق وفي معالجة التهاب اللثة.
منقوعه في الماء يشرب داخلاً ويساعد على إزالة عسر الهضم. أما الماء المكوفر فيحضر بإذابة 0.5 غ من الكافور في قليل من الغول ثم يمددّ في ليتر ماء، ويعطى داخلاً كمنعش للقلب ومنشط للدورة الدموية ومنبه للجهاز العصبي في حالات الوهط والوهن العصبي. كما يفيد مسكناً في آلام الحيض ويشيع بين العمة أنه يضعف القوة الجنسية ويسمونه بعطر الملائكة إذ ما زال يستعمل حتى اليوم طلاءً لجسم الميت حين تغسيله.
مراجع البحث
1. الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).
2. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).
3. أبو القاسم الغساني: عن كتابه (حديقة الأزهار في وهبة العشب والعقار) بيروت: 1985.
4. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب).
5. شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة: 1977.
-
الكَباث - الأراك
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرِّ الظهران نجني الكباث وهو ثمر الأراك ويقول: " عليكم بالأسود منه فإنه أطيب " فقلت: أكنت ترعى الغنم؟ قال: وهل من نبي إلا ورعاها؟ [أخرجه البخاري ومسلم].
قال ابن القيم: الكباث _ بفتح الكاف _ ثمر الأراك وهو بأرض الحجاز. يقوي المعدة ويجيد الهضم ويجلو البلغم وينفع من أوجاع الظهر وكثير من الأدواء، وقال ابن جلجل: إذا شرب طبيخه أدرّ البول ونقى المثانة. وقال البغدادي: الكباث هو النضيج من ثمر الأراك حارٌ يابس يقوي المعدة ومنافعه كمنافع الأراك، الذي قال عنه أبو حنيفة الدينوري: هو أفضل ماستيك به لأنه يفصح الكلام ويطلق اللسان ويطيب النكهة ويشهي الطعام وينقّي الدماغ. والأراك نبات شجري صحراوي دائم الخضرة يزرع للزينة ولاستعمالاته الطبية خاصة وأن فروع أغصانه تستعمل للاستياك _ المسواك _. وهو من الفصيلة الأراكية Salvacloraceae وثمره الناضج _ الكباث _ لذيذ الطعم، يأكله الناس وترعاه الأغنام، ,هو مرٌّ ما دام أخضر لكنه يحلو متى نضج واسودَّ. وهو قاطع للبلغم والرطوبات اللزجة، طارد للغازات، مشه ومقبل يفيد المصابين بآفات الصدر، ممدر للبول، مضاد للرثية _ الروماتيزم _ يشرب مغلي أوراقه كمسهل جيد ولمعالجة البواسير ووقف نزف الدم.
و يمتاز السواك كيماوياً بوجود ألياف السللوز وبعض الزيوت الطيارة وفيه راتنج عطري وز قلورين وحمض العفص وغيره من الأملاح المعدنية من كلس وسيليس وحماضات، فالسواك فرشاة طبيعية زودت بمسحوق مطهر وتبين الدراسات الحديثة أن الطبقة من الأسنان والمسماة Dental Black والتي لا تصلها شعيرات الفرشاة فإن ألياف السواك تصل إلى هذه الطبقة وتزيل رائحة الفم. كما أن السواك يفيد في أوجاع الأسنان وأمراض اللثة وداء الحفر
هذا وسنفصل حول معجزة الأمر النبوي بالاستياك وتوافقها مع الطب الحديث في الجزء التالي من بحوثنا في الطب الإسلامي.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).
3. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) دمشق: 1988.
4. أبو الخير الاشبيلي: عن كتابه (عمدة الطبيب في معرفة النبات) الرباط.
-
الكتم
عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: دخلنا على أم سلمة رضي الله عنها فأخرجت لنا شعراً من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مخضوب بالحناء والكتم، [رواه البخاري].
و عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم " [رواه الترمذي وصححه وأصحاب السنن، وقال الأرناؤوط: حديث حسن (جامع الأصول)]،
و عن أنس رضي الله عنه: أن أبا بكر اختضب بالحناء والكتم، [رواه البخاري ومسلم].
و قال ابن القيم: لقد ثبت في الصحيح عن أنس قال: لم يختضب النبي صلى الله عليه وسلم فقد أجاب الإمام أحمد بن حنبل فقال: قد شهد به غير أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خضب وليس من شهد بمنزلة من لم يشهد. فإن قيل: قد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قحافة لما أتى به ورأسه ولحيته كالثغامة بياضاً فقال: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد، والكتم يسود الشعر. فالجواب من وجهين: أحدهما أن النهي عن التسويد البحت فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر كالكتم ونحوه فلا بأس به فإن الحناء والكتم يجعل الشيب بين الأحمر والأسود وهذا أصح الجوابين، والثاني أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس كخضاب المرأة الكبيرة تغرُّ الزوج، وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يضمن تدليساً وخداعاً، فقد صح عن الحسن والحسين أنهما كانا يخضبان بالسواد، كما نقل ذلك أيضاً عن عدد من الصحابة منهم عثمان بن عفان وعمرو بن العاص وسعد بن أبي وقاص وغيرهم.
و يرى النووي [عن شرحه لصحيح الإمام مسلم] حرمة الخضاب بالسواد.
و قال الغافقي [عن ابن قيم الجوزية في الطب النبوي]: الكتم نبات ينبت بالسهول، ورقه قريب من وزرق الزيتون، يعلو فوق الهامة وله ثمر قدر حب الفلفل، في داخله نوى: إذا رضخ اسود، وإذا استخرجت عصارة ورقه وشرب منها قدر أوقية: قيأ قيئاً شديداً، وإذا طبخ بالماء كان منه مداد يكتب به.
و قال الكندي: بزر الكتم إذا اكتحل به: حلل الماء النازل من العين وأبرأها.
و قال أبو القاسم الغساني [أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري) طبع في بيروت: 1985]: إن الكتم Buxus dioica من فصيلة البقسيات Buxaccae من جنس الشجر العظام، نبات جبلي يكثر في اليمن، دائم الخضرة، منه ما يشبه ورق الزيتون، له ثمر كالفلفل، إذا نضج اسود ويعصر منه زيت يستضاء به، ومنه شكل آخر لا ثمر ينعقد له.
و الكتم نافع من القلاع ومن قروح الفم إذا مضغت أوراقه. وهو صابغ إذا مزج مع الأدوية المخصوصة بذلك ويصنع من لحاء أصوله مداد بخبث الحديد.
-
ماء الكمأة شفاءٌ للعين
روى البخاري ومسلم عن سعيد بن زيد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين ". والكمأة جمع كمء، وقيل الكمأة تطلق على الواحد وعلى الجمع، كما جمعوها على أكمؤ. وسميت بذلك لاستتارها، يقال: كمأ الشهادة إذا كتمها.
و روى الترمذي عن أبي هريرة أنَّ ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: الكمأة جدري الأرض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين والعجوة من الجنة وهي شفاء من السمّ " وهو حديث حسن.
و قد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح أنّ أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمساً أو سبعاً فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة فكحلت بها جارية لي فبرئت.
قال ابن حجر: قوله " من المنّ " على ثلاثة أقوال: أحدها أن المراد أنها من المنّ الذي أنزل على بني إسرائيل، ,شبه به الكمأة بجامع ما بينها من وجود كل منهما بغير علاج، والثاني أنها من المنّ الذي أمتن الله به على عباده من غير تعب. ويؤكد الخطابي هذا المعنى أي لأنها شيء تنبت من غير تكلف ببذر أو سقي، ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعاً منها ما يسقط على الشجر ومنها ما ينبت في الأرض فتكون الكمأة منه وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق البغدادي.
قال ابن الجوزي: والمراد بكون مائها شفاء للعين قولان أصحّهما أنه ماؤها حقيقة. إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنه لا يستعمل صرفاً في العين بل يخلط في الأدوية التي يكتحل بها، أو أنها تؤخذ فتشقُّ وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ الميل فيُجعل في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل بمائها.
و بعد أن يورد ابن حجر قول ابن الجوزي يردُّ عليه فيقول: وفيما ادّعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفاً نظر. فقد حكى عيّاض تفصيلاً وهو إن كان لتبريد العين كم حرارة بها فتستعمل مفردة وإن كان لغير ذلك فتستعمل مركبة وبهذا جزم ابن العربي.
و قال الغافقي: ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به فإنه يقوّي الجفن ويزيد الروح الباصر حدّة ويدفع عنها النوازل. وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم: إنّ ماءها شفاءٌ للعين مطلقاً فيعصر ماؤها فيجعل في العين منه، وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عَمِيَ وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردة فشفي وعاد إليه بصره. قال ابن حجر تعليقاً على قول النووي: وينبغي تقييد ذلك بمن عرف من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث النبوي والعمل بما جاء فيه.
و ذكر الزرقاني أن المتوكل أمير المؤمنين رمد، ولم يزدد باستعمال الأدوية إلا رمدا فطلب من أحمد بن حنبل إن كان يعرف حديثاً في ذلك فذكر له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الكمأة من المنّ وماؤها شفاءٌ للعين " فأرسل المتوكل إلى طبيبه يوحنا بن ماسويه وطلب منه أن يستخرج له ماء الكمأة فأخذ الكمأة فقشرها ثم سلقها فأنضجت أدنى النضج ثم شقها وأخرج ماءها بالميل فكحل به عين المتوكل فبرأت في الدفعة الثانية فعجب ابن ماسويه وقال: أشهد أنّ صاحبكم كان حكيماً، يعني النبي صلى الله عليه وسلم.
و الكمأة نبات فطري وتشبه البطاطا مع اختلاف في اللون إذ تميل إلى اللون البني الغامق، , هي لا ورق لها ولا جذع، تنمو في الصحارى وتحت أشجار البلّوط وليس في تركيبها مادة اليخضور Chlorophyl وتكثر في السنوات الماطرة وخاصة إذا كان المطر غزيراً أول الشتاء فتنمو في باطن الأرض وعلى عمق 15 - 20 سم وحجمها يختلف ما بين الحمصة وحتى البرتقالة ولها رائحة عطرية. وهي غنية بالبروتين إذ تبلغ نسبته فيها 9 % وعلى النشويات والسكريات بنسبة 13 % وعلى كمية قليلة من الدسم تبلغ 1 % كما يتضمن بروتينها بعض الحموض الأمينية الضرورية لنمو الخلايا.
وتحتوي الكمأة على الفوسفور والبوتاسيوم والصوديوم والكالسيوم. كما أنها غنية
بالفيتامين " ب1 " أو الريبوفلافين الذي يفيد في هشاشة الأظافر وسرعة تقصفها وتشقق الشفتين واضطراب الرؤية. وتعتبر الكمأة وغيرها من الفطور مواد رئيسية في موائد الغرب يصنعون منها الحساء ويزينون بها موائدهم، والكمأة مع ذلك تفوق جميع أنواع الفطور الأخرى في قيمتها الغذائية وذات خواصّ مقوية.
و لعل الأمطار المبكرة في شهري تشرين أول والثاني مصحوبة مع الرعد ثم أمطار آذار الربيعية الرعدية ضرورية لتأمين موسم جيد للكمأة على أن يرافق هذه الأمطار ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة في طبقات الجو العليا ينجم عنها تمدد في الغيوم يؤدي إلى احتكاك شديد ينتج عن البرق والرعد وأمطار عاصفية. والرعد الذي هو شرارات كهربائية عنيفة ترفع درجة الحرارة حولها إلى ما يقرب من 3000 درجة مما يتحول الآزوت الحر إلى حمض الآزوت، يتحول في التربة التي يصلها مع الأمطار إلى نترات تستفيد منه الكمأة لأنها تحتاج إلى نوعية خاصة من الأسمدة الآزوتية.
و لعل هذه النترات الضرورية لنمو الكمأة هي هبة السماء إلى الأرض. ولقد حاول الأوربيون زرع الكمأة فلم يجدوا إلى ذلك سبيلاً. ونظراً لأنها تكثر مع الرعد فقد كانت العرب تسمّيها ببنات رعد وهي كثيرة بأرض العرب وخاصة في مصر وبلاد الشام.
الكمأة لمعالجة الحثر أو الرمد الحبيبي Trachoma:
و في المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي [المنعقد في الكويت في شهر ربيع الأول 1401 هـ الموافق لكانون الثاني 1981 م] ألقى الدكتور المعتز بالله المرزوقي محاضرة عن نتائج معالجته لآفات عينية مختلفة بتقطير ماء الكمأة في العين. ولقد تم استخلاص العصارة المائية منها في مختبر فيلانوف بأوديسا، ثم تمَّ تجفيف السائل حتى يتمكن من الاحتفاظ به لفترة طويلة، وعند الاستعمال تمَّ حَلُّ المسحوق في ماءٍ مقطر لنصل إلى نفس تركيز ماء الكمأة الطبيعي وهو ماء بني اللون له رائحة نفاذة.
و لقد أضيف ماء الكمأة إلى مستعمرات جرثومية فلم يكن له أي تأثير. كما جُرِّب معالجة حالات من السدّ Cataract لفترة طويلة فلم تحدث أية استجابة. إلا أنّ النتائج الجيدة سجلت في معالجة الحالات متطورة من الحثر _ التراخوما _ حيث تم تشخيصها عند 86 طفلاً تم تقسيمهم إلى مجموعتين: مجموعة عولجت بالأدوية المعتادة _ قطرات ومراهم مضادة للحيوية أو كورتيزينية _ ومجموعة ثانية أضيف ماء الكمأة إلى تلك العلاجات حيث تم تقطير ماء الكمأة في العين المصابة 3 مرات يومياً ولمدة شهر كامل، وكان الفرق واضحاً جداً بين المجموعتين وذلك بالنسبة لسير الآفة ونتائج المعالجة.
ففي معظم الحالات المعالجة بقطرات ومراهم المضادات الحيوية والكورتيزونية فإن الشفاء يحصل ولكنه يترافق غالباً مع تليف في ملتحمة الجفون، الأمر الذي يندر حصوله عند المعالجة المعالجة بماء الكمأة حيث عادت الملتحمة عندهم إلى وضعها السويّ وعادت فيها التروية الدموية إلى طبيعتها. وهذا تطور كبير في معالجة هذا المرض العنيد. فتقطير ماء الكمأة يمنع حدوث التليف في ملتحمة الجفن المصاب بالتراخوما، وذلك بالتدخل إلى حدٍّ كبير في تكوين الخلايا المكونة للألياف. وقد يكون ذلك نتيجة لمعادلة التأثير الكيماوي للسموم الفيروسية المسببة للآفة والتقليل من زيادة التجمع الخلوي. في نفس الوقت يؤدي إلى منع النمو غير الطبيعي للخلايا الباطنة للملتحمة حيث يزيد من تغذيتها عن طريق توسيع الشعيرات الدموية فيها. ولما كانت معظم مضاعفات الحثر Trachoma نتيجة التليف فإن ماء الكمأة يمنع بدون شك حدوث هذه المضاعفات.
و إن هذه الحقائق العلمية الواضحة تبين لنا إعجاز الطب النبوي الذي ألهمه الله سبحانه وتعالى نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم قبل ظهورها بأربعة عشر قرناً.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
4. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).
5. تيسير أمارة الدعبول وظافر العطار: عن مقالتهما (العسل والكمأة وأمراض العيون) مجلة طبيبك، أيلول: 1978.
6. المعتز بالله المرزوقي: عن محاضرة له بعنوان (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) من مواد المؤتمر العالمي الأول عن الطب افسلامي، الكويت: 1981.
7. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
8. عبد الله المصري: عن مقالة (هل يمكن زراعة الكمأة في سوريا) مجلة الإرشاد الزراعي - مدشق، العدد 56 لعام 1964.
-
وأنهى أمتي عن الكيّ
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية نار وأنهى أمتي عن الكي " [رواه البخاري].
و عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن كان في شيء من أدويتكم من خير ففي شراطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء. وما أحب أن أكتوي " [رواه البخاري].
عن عقبة بن عامر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي وكان يكره شرب الحميم، يعني الماء الحار، [رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح خلا ابن لهيعة فحديثه حسن (مجمع الزوائد)].
عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي، قال: فابتلينا فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا، [رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح]. وفي رواية: نهينا عن الكي، [رواه الترمذي وصححه]. وروى المغيرة بن شعبة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح]. وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب " قال: من هم يا رسول الله؟ قال: " هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " [رواه مسلم].
و عن جابر بن عبد الله قال: رمى سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص ثم ورمت فحسمه الثانية، [رواه مسلم، المشقص سهم له فصل طويل وقيل هو الفصل نفسه، وحسمت الجرح إذا قطعت الدم عنه بالكي]. وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي ابن كعب فقطع منه عرقاً ثم كواه، [رواه مسلم]. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة [رواه الترمذي، الشوكة حمرة تظهر في الوجه]. وعن أنس رضي الله عنه قال: كويت من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ، , شهدني وأبو طلحة وأنس بن النضير وزيد بن ثابت وأبو طلحة كواني، [رواه البخاري]. عن ابن الزبير المكي قال: رأيت عبد الله بن عم وقد اكتوى في وجهه من اللقوة، [عن الأحكام النبوية في الصناعة الطبية]. وعن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة اكتوى وكوى أناساً من اللقوة [رواه ابن سعد في الطبقان الكبرى بإسناد صحيح].
و في تعليقه على حديث " الشفاء في ثلاثة " يقول ابن حجر: ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الحصر في الثلاثة فإن الشفاء قد يكون في غيرها، إنما نبه بها على أصول العلاج.... ويؤخذ من الجمع بين كراهته صلى الله عليه وسلم للكي وبين استعماله له أنه لا يترك مطلقاً ولا يستعمل مطلقاً، بل يستعمل عند تعيينه طريقاً للشفاء مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى.
و قال الشيخ محمد أبو جمرة: عُلم من مجموع كلامه صلى الله عليه وسلم في الكي أن فيه نفعاً وأن فيه مضرّة، فلما نهى عنه عُلم أن جانب المضرّة فيه أغلب.
قال ابن حجر: في قوله " توافق الداء " فيه إشارة إلى أن الكي يشرع عندما يتعين طريقاً إلى إزالة الداء وأنه لا ينبغي التجربة لذلك ولا استعماله إلا بعد التحقق، وكأنه أراد إلى أن الكي جائز عندما يتعين للحاجة وأن الأولى تركه إذا لم يتعين.
و قال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه " لم يتوكل من اكتوى " لأنه يريد أن يدفع القدر عن نفسه والقدر لا يُدفع. والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد والعضو إذا قطع، ففي هذا الشفاء وهو الذي يشرع التداوي به. وأما إذا كان الكي لأمر محتمل يجوز أن ينجح ويجوز أن لا ينجح فإنه إلى الكراهة أقرب.
وقال المازري: وقوله صلى الله عليه وسلم " وأنهى أمتي عن الكي، وما أحب أن أكتوي " إشارة إلى أن يؤخر العلاج به حتى تدفع الضرورة إليه ولا يوجد الشفاء إلا به، لما فيه من استعمال الألم الشديد في دفع ألم قد يكون أضعف من ألم الكي.
و يفهم من حديث " من اكتوى فقد برئ من التوكل " وحديث " سبعون ألفاً من أمتي ... " أن الاكتواء من دون استطباب يعد تعلقاً بالأوهام وهذا مناف للتوكل. وقال النسيمي: لدى مطالعتي لهذا الحديث قلت في نفسي إن رسولنا الكريم لم يقل: هم الذين لا يتداوون وعلى ربهم يتوكلون، وإنما قال: " هم الذين لا يكتوون " وقال: " نعم يا عباد الله تداووا " وبما أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى في الإسلام مع مفهوم التوكل، وبما أن الأعراب تجاوزوا في استعمالهم الكي حدود الطب والعلم فقد تبادر إلى ذهني أن الأخذ بالأسباب الوهمية كما تفعل العامة هو الذي يتنافى مع التوكل.
و في بحثه المستفيض عن التوكل يقوا الإمام الغزالي: اعلم أن الأسباب المزيلة للمرض تنقسم إلى: مقطوع به ومظنون وموهوم، والموهوم الكي، أما المقطوع به فليس من التوكل تركه، بل تركه حرام عند خوف الموت، وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوكلين. والكي الذي جعله الغزالي مثالاً للأسباب الموهمة هو الكي المغالى به والذي يطبق دون استطباب جازم وهو الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا الكي المنفذ بناء على وصفة طبيب حاذق واستطباب علمي.
لمحة تاريخية:
تحرق الكاويات الأنسجة حيث تفقد ماءها وتفكك الخلايا المركبة لها مما يؤدي إلى تلفها. وقد كان الأقدمون والمتطببون الشعبيون يجرونها بقضبان حديدية منتهية بأشكال مختلفة تحمع على النار وتكوى بها النواحي المختلفة. ولقد غالى العرب قبل الإسلام من استعمال الكي للعلاج ولا سيما في البوادي حيث تندر الأطباء، وما يزال العمة في بلادنا يتوسعون في تطبيقه متجاوزين حدود المعقولية، كما أنه للأسف يجري بأيدٍ غير خبيرة أو على أيدي متطببين جهلاء مما زاد في اختلاطاته وعقابيله الوخيمة.
و لعل أسوأ الطرق التي يستعملونها هي حرق قطع قماشية ملوثة قابلة للاشتعال، تلف على شكل فتيلة بحجم وقدر وسعة الحرق المراد، ثم يشعل طرف الفتيلة حتى تكون جمرة، ثم تطبق على الموضع المحدد مكان الألم من الجلد، ويسمونها بالعُطبة. وبعد تطبيقها تكبس على الجلد ويصبح مكان الحرق قشرة سوداء،و يعتقدون أنه كلما طالت فترة تقيح العطبة اعتبرت الفائدة المرجوة أكبر، ولذا فكثيراً ما يعمدون إلى تلويثها بشكل خطر.
و ما زلنا نرى ممن قد اكنوى فلم يشف ولم يخف ألمه بل ضَمَّ إليه ألماً جديداً وشوّه بالكي جماله الخلقي، وإن منهم من أصيب بالكزاز نتيجة التلوث المحدث بآلة أو قماش الكي _ العطبة _ وقد تهدد الحياة وخاصة عند تطبيقها عند الولدان المصابون بترفع حروري أو عندما تطبق عند مصاب بألم صدري قد يكون احتشاءً، أو بألم بطني حاد قد يكون التهاب زائدة دودية حاد أو غير ذلك.
إن ما يجري من استعمال الناس للكي بالنار أو بالعطب في معظمه مخالف لمبادئ الطب والمراد النبوي _ ومن ذلك كله _ واجب علينا بيان هذه الأضرار لمكافحة هذه العادة، موضحين نصيحة النبي الرحيم صلى الله عليه وسلم " وأنهى أمتي عن الكي ".
الموقف الإسلامي:
و جاء الإسلام وكان من مهام حكومته نشر مناهج الطب الوقائي ومكافحة الشعوذة فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته أن يعذبوا أنفسهم بأوهام لا تنفع أو بمعالجة أكبر ضررها من نفعها فنهاهم عن الكي ووضح لهم أن استعماله مشروط بوجود استطباب له. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد اعترف بفوائد الكي " الشفاء في ثلاث " لكنه نبه إلى أن استعماله يجب أن يكون موافقاً للداء " ولذعة بنار توافق الداء "، أي لابد من تشخيص طبيب حاذق يشخص الداء ويحدّ> الطريقة التي يطبق بها هذا الكي. وهكذا فإن النهي الوارد عن الكي " وأنهى أمتي عن الكي " وكراهيته عليه الصلاة والسلام " وما أحب أن اكتوي " ليس على عمومه وإطلاقه، إذ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه سمح بالكي لبعض أصحابه، فالنهي منصب على المغالاة في الكي ودون وجود استطباب.
و يمكن تلخيص استطبابات الكي الواردة في الأحاديث النبوية التي سقناها في مطلع بحثنا بأمور ثلاثة:
1. لقطع النزف: كما ورد في حديث " ورمى سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص " وحديث " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه " وقال الخطابي: إنما كوى النبي صلى الله عليه وسلم سعداً ليرقأ الدم عن جرحه وخاف عليه أن ينزف فيهلك. وأما الكي في موضع الفصادة إنما هو لإيقاف النزيف بعد سيلان مقدار كافٍ من الدم. وإن استعمال الكي لقطع النزيف ما يزال يطبق على نطاق واسع في الطب الحديث وخاصة بعد تطور أداة الكي حيث تستعمل اليوم المكواة الكهربائية وخاصة أثناء العمليات الجراحية، وهذا لا شك من الإعجاز النبوي الكريم.
2. معالجة الألم الجنبي بالكي: كما ورد في حديث أنس: كويت من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حيٌّ، وهي رواية تفيد الإذن بالأمر. ولا ندري مفهوم ذات الجنب في ذلك العصر إذ يغلب حسب مفهومنا الحديث أن يكون الألم الجنبي عند ذلك الصحابي مجرد ألم عصبي وربي. وإن الطب الحديث كان حتى أواسط القرن العشرين يلجأ إلى الكي النقطي في تسكين هذا الألم. كما برهن العلماء الصينيون عن فائدة الوخز بالإبر المسخنة في تسكين الآلام.
3. معالجة اللقوة بالكي: وما ورد فيها من أحاديث: " رأيت عبد الله بن عمر وقد اكتوى وجهه من اللقوة "، " أن أبا طلحة اكتوى وكوى أناساً من اللقوة " فهي أحاديث موقوفة على فعل صحابيين جليلين وليست مرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. واللقوة هي شلل العصب الوجهي، ويغلب أن البرد هو السبب في إحداثها. والمعالجات الحديثة مبنية على أساس أن سبب اللقوة هو تشنج الأوعية المغذية للعصب، لذا فهم يعطون الأدوية الموسعة للأوعية، وما الأدوية المحمرة سوى ضرباً من ضروب الأدوية الموسعة للأوعية.
و قد علل الدكتور سلمان قطاية فائدة الكي في معالجة اللقوة فقال: هذا ويشير ابن سينا إلى ضرورة كي العرق خلف الأذن، تلك المنطقة التي يخرج منها العصب الوجهي من الثقب الإبري الخشابي، وربما كان للكي تأثير موسع للأوعية عن طريق المنعكسات. ومن يستغرب ذلك بعد أن برهن الصينيون على فائدة الوخز بالإبر المسخنة.
و في كتابه (التصريف عن عجز التأليف) يشير الزهراوي في معالجة اللقوة إلى إجراء الكي في ثلاث فقط توافق غصون شعب العصب الوجهي المعصبة لعضلات القحف والعضلة المدارية الجفنية ولعضلات الشفتين.
تطور الكي وأدواته في الطب الحديث:
لقد تطورت أدوات الكي تطوراً كبيراً في العصر الحديث حيث استخدمت المكواة الحرورية Themocautere ثم المكواة الكهربائية وهي أدوات سهلة الاستخدام ويمكن التحكم بها بشكل جيد، كما تم استخدام البرودة الشديدة في الكي لأثرها المتلف للخلايا كالكي بالثلج الفحمي الذي تنقص درجة حرارته عن - 80 درجة مئوية. كما أن هناك كاويات كيميائية كحمض الخل ثلاثي الكلور وحمض الآزوت وحمض الكروم وقلم نترات الفضة وغيرها.
و مع تطور الطب وتطور أدوات الكي أصبح له استطبابات كثيرة نوجزها بما يلي:
1. نستعمل المكواة الكهربائية بكثرة في الوقت الحاضر أثناء العمليات الجراحية لرقء النزف الوعائي أثناء شق النسج بالمشرط. فاستخدام الكي الكهربي أصبح من الطرق الحديثة في تخثير الأوعية وإيقاف النزيف وهو نفس الإستطباب الذي طبقه الرسول الكريم.
2. تستخدم الأشعة وهي من نوع من الكي أيضاً لمعالجة الأورام السرطانية على اختلاف أنواعها.
3. يستخدم كي عروق الأنف في منطقة كسلباج لقطع الرعاف بالكاوي الكهربائي أو الحروري وقد يطبق الكي الكيماوي.
4. يستخدم الكي الكهربي أو بالبرودة لمعالجة حبة الشرق والثآليل والأثفان والأورام الجلدية على اختلاف أنواعها.
هذا ولا يجوز تطبيق الكي عند المصابين باستحالة العضلة القلبية وتصلب الشرايين المترقي لأن الكي يرفع الضغط الدموي، ولا عند المستعدين للإصابة بالغشي. كما أنه لا يجوز تطبيق هذه المعالجات في غير موضعها وبغير موضعها وبغير استطباب جازم من قبل طبيب حاذق وبشرط عدم وجود أدوية بديلة، أي عندما تكون الحل الوحيد لمشكلة المريض وذلك استجابة للتوجيه النبوي الكريم في النهي عن استخدامها بما لا يوافق الداء، هذا التوجيه الذي يطابق تماماً ما يوصي به أساطين الطب الحديث والذي يمكن اعتباره من معجزات النبوة، وسبحان من قال فيه: {و ما تنطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. صدق الله العظيم.
مراجع البحث
1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. حجة الإسلام الإمام الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).
4. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث).
5. دكتور ضياء الدين الجماس: عن مقالة له بعنوان (و أنهى أمتي عن الكي) مجلة نهج الإسلام، شباط: 1988.
6. علاء الدين الكحال: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).
7. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
-
لبناً خالصاً سائغاً للشاربين
قال تعالى واصفاً ما في جنة الخلد: {مثلُ الجنةِ التي وُعِدَ المتقون. فيها أنهارٌ من ماءٍ آسن وأنهار من لبنٍ لم يتغير طعمه ...} [سورة محمد: الآية 15].
و قال تعالى: {و إن لكم في الأنعام لعبرة تسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودمٍ خالصاً سائغاً للشاربين} [سورة النحل: الآية 66].
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أطعمه الله طعاماً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه، ومن سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن " وفي رواية " فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن " [رواه أبو داود ز ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض وقال: إن له دسماً، [رواه البخاري ومسلم].
و في رواية مسلم لحديث الإسراء والمعراج عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ... فجاءني جبريل بإناء من الخمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة ... ".
قال ابن القيم: وأجود ما يكون اللبن حين يحلب، وأجوده ما اشتد بياضه ولذ طعمه وكان فيه حلاوة يسيرة ودسومة معتدلة، وهو محمود يولد دماً جيداً ويرطب البدن اليابس ويغذو غذاءً حسناً، وينفع من الوسواس والغم. وإذا شرب مع العسل نقى القروح الباطنة من الأخلاط العفنة. والحليب يتدارك ضرر الجماع، ويوافق الصدر والرئة وهو جيد لأصحاب السل. وهو أنفع المشروبات للبدن لما اجتمع فيه من التغذية والدموية وموافقته للفطرة الأصلية.
و يتابع ابن القيم فيصف لبن الضأن بأنه أغلظ الألبان وأرطبها وفيه من الدسومة والزهومة ما ليس في لبن الماعز والبقر وينبغي أن يشرب مع الماء، ولبن الماعز لطيف معتدل مطلق للبطن نافع من قروح الحلق والسعال اليابس ونفث الدم، أما لبن البقر فيغذو البدن ويخصبه ويطلق البطن باعتدال وهو من أعدل الألبان وأفضلها، بين لبن الضأن والماعز في الرقة والغلظ والدسم.
أما لبن اللقاح أو الإبل فيصفه الإسرائيلي بأنه: أرق الألبان وأكثرها مائية وأقلها غذاءً فلذلك صار أقواها على تلطيف الفضول وإطلاق البطن وتفتيح السدد. كما وصفه ابن سينا بأنه: دواء نافع لما فيه من الجلاء برفق. ووصفه الرازي بأنه: يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج.
فاللبن _ الحليب _ هو الغذاء الأول للإنسان منذ ولادته والذي به وحده يترعرع البدن وينمو الجسم، ويؤكد علماء التغذية اليوم أن اللبن هو الغذاء الوحيد الكامل الذي يمكن للإنسان أن يعتمد عليه وحده في التغذية إذ يحتوي على جميع المركبات الأساسية الضرورية للجسم، فهو يشتمل على البروتين اللازم لتركيب خلايا البدن وتكاثرها وعلى الفيتامينات الهامة وخاصة " ج " وب 1 " وب 2 " وب ب " ز " أ " و" د "،و على عناصر الحرارة والطاقة اللازمة للحياة والموجودة في سكرياته والمواد الدهنية _ الدسم _ التي يحويها والأملاح المعدنية وأهمها الكالسيوم والبوتاسيوم والصوديوم والكبريت والمنغنيز والفوسفور والحديد والتي توجد بمقادير متوازنة ومعتدلة مع الفيتامينات اللازمة. ودسم اللبن توجد فيه على هيئة حبيبات صغيرة في شكل مستحلب، وقد ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم " إن له دسماً " في وقت لم يكن الطب قد عرف محتويات اللبن ولا قدر نفعه ومزاياه كما أن توكيد الطب الحديث أن اللبن غذاء كامل وحيد من نوعه، يعرفنا بالمعجزة النبوية الصارخة " فإني لا أعلم ما يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن ".
و يؤكد الدكتور حامد غزالي ملاحظات العلماء على أن الذين يتعاطون اللبن بمقادير كبيرة تميزوا بقوة أجسامهم وأنهم يعمرون أكثر من غيرهم، وهم على تحصيل العلم كانوا أقدر من الذين حرموا أنفسهم من اللبن. ويؤكد مشاهدته لبعض المعمرين في الحجاز ممن بلغوا من العمر فوق المائة من السنين، وكان غذائهم اللبن صرفاً، ولا يأكلون اللحم في الشهر مرة، وهم يتمتعون بصحة ونشاط يغبطهم عليها أمثالنا، وينصح الأطباء كل إنسان بتناول نصف ليتر من اللبن يومياً. كما نقل الدكتور الغوابي أبحاثاً حديثة عن استخراج مركب جديد لعلاج الحروق يحتوي على كازين اللبن مضافاً إليه بعض المواد الأخرى. التي تكون قشرة على سطح الحروق والجروح تؤدي إلى سرعة التئامها. كما ينقل بحثاً طريفاً وجد فيه أن شرب اللبن يمنع الإصابة بداء الملاريا. ويقوم البحث على حقن الفئران بطفيلي الملاريا فوجد أن هذا الطفيلي لا ينمو ولا يتطور إذا كان غذاء الفئران مقتصراً على اللبن. وتبين بنتيجة البحث أن اللبن تنقصه مادة ضرورية لنمو الطفيلي هي حمض بارا أمينوبنزوئيك، فإذا أضيفت هذه المادة إلى الحليب وغذيت بها الفئران بعد حقنها بالطفيلي نما وتطور وأصيبت الفئران بالمرض. وهذا يجعلنا _ والكلام للغوابي _ نعيد النظر في مسألة عدم عدوى الأطفال الرضع بالملاريا حيث كنا نظن أن سبب ذلك وراثتهم مناعة من أمهاتهم، لكن البحث أوضح أن السبب هو اقتصارهم في تغذيتهم على اللبن الذي أخرجه الله بقدرته لبناً خالصاً سائغاً للشاربين.
و يعتبر حليب البقر أكثر أنواع الحليب وفرة واستعمالاً وأشدها ملاءمة للإنسان بعد حليب الأم. وحليب الغنم _ الضأن _ أغنى بالبوتينات والدسم من حليب البقر وأكثر غنى بمركيات الكالسيوم والحديد فهو أكثر تغذية، لكنه ثقيل الهضم. ولبن الماعز بينهما من حيث القيمة الغذائية.
هذا عن اللبن _ الحليب _ فماذا عن اللبن الرائب؟ الحقيقة أن القيمة الغذائية لا تقل عن اللبن فاللبن الرائب هو لبن _ حليب _ قد تخمر بأحد أنواع الجراثيم التي تحول سكر الحليب إلى حمض اللبن والذي تعزى إليه حموضة اللبن الرائب وتكسبه نكهته السائغة، كما أنها تسهل الهضم، بما في لبن الرائب من خمائر وغاز الفحم، والتي تنبه إفراز العصارة المعدية ويسهل امتصاص الدهون من الأمعاء.
فاللبن الرائب مفيد للصحيح والمريض على السواء وخاصة معتلّ المعدة لسهولة هضمه وذلك أن التخمر المكون له يؤثر على بروتين الحليب _ الكازين _ فيرسبه على شكل حبيبات رقيقة سهلة الهضم، كما أنه مطهر للمعدة والأمعاء من كثير من الجراثيم والتفسخات.
و يرجع علماء التغذية سبب طول عمر الشعب الدانمركي والبلغاري إلى إكثاره من تناول اللبن الرائب ضمن وجباته الغذائية. ويستعمل اللبن الرائب في معالجة كثير من الأمراض وخاصة التي تصيب الكلى والكبد والحميات واضطربات المعدة والأمعاء وخاصة الاسهالات على اختلاف منشئها، وفي تصلب الشرايين وفي كل مرض يستلزم عشاءً خفيفاً كما عند المصابين بارتفاع الضغط والذبحة الصدرية. كما يعتبر غذاء الشيوخ المفضل، وللحليب مشتقات كثيرة لا تقل عنه أهمية منها الزبد والجبن والسمن وغيرها.
عن عبد الله وعطية ابنا بسر السلميان رضي الله عنهما قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمنا إليه زبداً وتمراً، وكان يحب الزبد والتمر، [رواه أبو داود وابن ماجة وهو حديث صحيح (الأرناؤوط)].
و الزبد من أجود الأغذية الدسمة وأسهلها هضماً، ودسمه غنية بالفيتامينات الذوابة في الدسم وبالأملاح المعدنية اللازمة للبدن، ويختلف لونه وطعمه حسب مصدره الحيواني وهو يسّمن تسميناً عظيماً لذا فهو لا يصح للبدينين. وقال عنه ابن القيم: فيه منافع كثيرة منها الإنضاج والتحليل ويبرئ الأورام التي تكون إلى جانب الأذنين والحالبين وأورام الفم وهو ملين للطبيعة والعصب وإذا طلي على منابت أسنان الطفل كان معيناً على نباتها وطلوعها.
أما الجبن فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبنة من تبوك من عمل النصارى فدعا بسكين وقطع وأكل، [رواه أبو داود وإسناده صحيح]. وينتج الجبن عن تخثر المواد البروتينية الموجودة في الحليب بعد تسخينه وإضافة الأنفحة الطبيعية إليه أو بعض المواد الصناعية. والجبن من الأغذية البروتينية الجيدة السهلة الهضم إذ يحتوي على مقادير متوازنة من مختلف المواد والعناصر المعدنية وخاصة الكلس والحديد والفيتامينات.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. الدكتور حامد الغوابي: عن كتابه (بين الطب والإسلام) القاهرة: 1967.
4. الدكتور محمد شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.
5. السيد الجميلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) دمشق: 1982.
-
التداوي بألبان الإبل وأبوالها
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رهط من عرينة على النبي صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من ألبانها وأبوالها. ففعلوا. فلما صحّوا، عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم واستاقوا الإبل وحاربوا الله ورسوله. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم فأخذوا، فقطع أيدهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الشمس حتى ماتوا، [رواه مسلم]. وفي رواية له أيضاً: وإنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة، [قال ابن الأثير: الاجتواء مثل الاستيخام، واستوخم أرض كذا إذا لأم توافق مزاجه، وهو افتعلت من الجوى: الألم في الجوف. وسملت عينه إذا فقئت بحديدة محمّاة. وقيل سمل: بمعنى سمّر].
و روى البخاري عن أنس: أن رهطاً من عرينة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا اجتوينا المدينة فعظمت بطوننا وارتهشت أعضادنا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا براعي الإبل فيشربوا من ألبانها وأبوالها، حتى صلحت بطونهم وألوانهم قال: فقتلوا الراعي واستاقوا الإبل... _ وارتهشت: اضطربت _.
و عن أنس رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عرينة، فلم يمكثوا بالمدينة إلا يسيراً حتى أصابهم وعكٌ شديد فاصفرت ألوانهم ونحلت أجسامهم وعظمت بطونهم. فلما رأى ذلك النبي بعث بهم إلى إبل من إبله فلما أصابوا اللبن وانقطعت عنهم الحمى حسنت ألوانهم وخمصت بطونهم وربت أجسامهم، [أخرجه ابن السني وأبو نعيم وذكره الحافظ السيوطي في الطب النبوي].
و عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن في
ألبان الإبل وأبوالها شفاء للذربة بطونهم " [رواه الإمام أحمد والطبراني وفي سنده ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد)].
ز يرى الكحال ابن طرخان أن المرض الذي أصيب به رهط عرينة هو الاستسقاء ورجح أن سببه آفة في الكبد استناداً إلى رواية فيها " وعظمت بطوننا ". وتبعه في ذلك ابن القيم في الطب النبوي، ويرى الكحال أيضاً: أن في لبن اللقاح جلاءً وتلينناً وإدراراً وتلطيفاً وتفتيحاً للسدد. وأورد ابن سينا في قانونه: أنفع الأبوال بول الجمل الأعرابي، وهو النجيب وبول الجمل ينفع في الاستسقاء وصلابة الطحال لا سيما مع لبن اللقاح. وروي: لو شربتم من ألبانها وأبوالها لصححتم، فشربوا فصحّوا.
وذكر ابن سينا فائدة لبن اللقاح في الربو وإدرار الطمث وتليين الباطنة [النجيب من الإبل القوي البنية واللقاح جمع لقحة وهي ذوات اللبن من الإبل]. وذكر الرازي أن لبن اللقاح يشفي أوجاع الكبد وفساد المزاج.
أما الدكتور محمود ناظم النسيمي فيقول: إننا إذا جمعنا الأعراض من الأحاديث السابقة _ توعك، ضخامة بطن، نحول، ضعف قوة، اصفرار لون _ دلت على أن مرضهم كان حمى المدينة كما نصت على ذلك رواية الإمام أحمد. وحمى المدينة سببها أحد مرضين محتملين: الأول حميات الانتانات المعوية والثاني حمى البرداء. وبيئة المدينة المنورة مساعدة على ظهورها، فحول المدينة نخل وزراعة وفي وادي بطحان مياه آسنة، والبعوض الخبيث الناقل لعامل البرداء يفضل هذه البيئة إذ يضع بيوضه في المياه الراكدة. كما تكثر جراثيم الانتانات المعوية في المياه الملوثة. وفي الحديث الذي رواه ابن عباس: إن في ألبان الإبل وأبوالها شفاء للذربة بطونهم " ما يرجح احتمال الإصابة بالانتانات المعوية لأن الذرب يدل على فساد الأمعاء.
هذا ولم نصادف أي بحث علمي أو تجارب حديثة حول الفوائد العلاجية لألبان الإبل وأبوالها، وحبذا لو يدأب باحثونا المسلمون على إجراء أبحاث من هذا النوع تؤكد صدق الدعوة النبوية للتداوي بأبوال الإبل وألبانها.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث) ج 3، 1991.
3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
4. الكحال ابن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).
-
وَلَحمٍ ممّا يَشتهون
في معرض ذكره لما أعده لعباده المتقين قال تعالى: {و أمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون} [الطور: الآية 22]. وقال تعالى: {و لحم طير مما يشتهون} [الواقعة: الآية 21]
عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام " والثريد الخبز واللحم. [رواه البخاري ومسلم]
و في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعت إليه الذراع وكانت تعجبه.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فدفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح].
و في رواية لمسلم عن أبي هريرة عن ابن عباس قال: كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذراع ونحوه.
و عن أسماء رضي الله عنها قالت: نحرنا فرساً فأكلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، [رواه البخاري ومسلم].
و عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في لحوم الخيل ونهى عن لحوم الحمر، [رواه البخاري ومسلم].
و عن أنس بن مالك قال: أنفجنا أرنباً فسعوا في طلبها فأخذوها بعث أبو طلحة بوركها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، [رواه البخاري ومسلم]. وعن جابر رضي الله عنه قال: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، [رواه ابن ماجة بإسناد قوي].
و عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].
و عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحم الدجاج، [رواه البخاري ومسلم].
قال ابن القيم: لحم الضأن يولد الدم المحمود القوي لمن جاد هضمه، يقوي الذهن والحفظ، ولحم الهرم والعجيف ردئ وكذلك لحم النعاج. وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمها ولحم العنق جيد ولذيذ الطعم، سريع الهضم. ولحم الذراع أخف اللحم وألذه وأبعده من الأذى وأسرعه انهضاماً، وكان مما يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
و لحم المعز ليس بجيد ولا محمود الغذاء ولحم التَيس رديء مطلقاً شديد اليبس عسير الهضم، وقال بعض الأطباء أن المذموم منه المسن، ولا رداءة فيه لمن اعتاده.
و لحم الجدي قريب إلى الاعتدال ملين للطبع، موافق لأكثر الناس. ولحم البقر عسير الانهضام بطيء الانحدار ويورث إدمانه الأمراض السوداوية. ولحم العجل ولا سيما السمين من أعدل الأغذية وأطيبها وألذها وأحمدها وإذا انهضم غذى غذاءً قوياً.
و لحم الجمل طالما أكله الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولحم الفيصل منه من ألذ اللحوم وفيه قوة غير محمودة ولأجلها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أكله.
و لحم الأرنب أكله النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتدل، وأطيبها وركها وأحمده أكل لحمها مشوياً. وهو يعقل البطن ويدر البول ويفتت الحصى.
و لحموم الأجنة غير محمودة وليست بحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم أن ذكاة الجنين ذكاة أمه. أما لحوم الطير فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل الدجاج وهو خفيف على المعدة سريع الانهضام يزيد في المني وز الدماغ ويصفي الصوت ويحسن اللون.
و ينبغي أن لا يداوم على أكل اللحم فإنه يورث الأمراض الدموية والامتلائية وقد قال عمر رضي الله عنه: إياكم واللحم فإن له ضراوة كضراوة الخمر وإن الله يبغض أهل البيت اللحميين، [أخرجه مالك في موطئه وفي سنده انقطاع]. واللحم غذاء رئيسي للإنسان يوفر له ما يحتاجه من بروتينات لا يستغني عنها. ويعتبر من أفضل الأغذية التي تدر الإفرازات الهاضمة، فهو غذاءٌ مشه يوصى باستعماله للناقهين والضعفاء وفاقدي الشهية وهو أيضاً من الأغذية المقوية لما يحتوي عليه من بروتينات غنية بالفوسفور.
و يحسن الاعتدال في أكل اللحوم لأن الإكثار منه يؤدي إلى القبض وكثرة التفسخات والإصابة بارتفاع الضغط وذلك لوفرة المحاصيل السمية الناجمة عن هضمه بما فيها زيادة حمض البول في الدم. وكذلك لقلة ما يحتوي عليه من ألياف. وإن غذاء يحتوي على اللحم والخضراوات هو غذاء مثالي يحقق للإنسان التغذية الكاملة.
و اللحم غني بالبروتين فقير بالمواد النشوية. أما الدسم فيختلف مقدارها حسب نوع الحيوان وسمنه. ونوع تربيته. فالمربى في الحظائر أكثر دهناً من حيوانات المرعى،و لحم الحيوان المعلوف ألين وألطف وكلما كبر الحيوان كان لحم عضلاته ليفياً وقاسياً وأعسر انهضاماً. وفي اللحوم نسبة من الماء 75 % م نوزنها كما تحتوي على الأملاح المعدنية وخاصة فوسفات البوتاسيوم وأثر من أملاح الصود والكلس والمانيزا ومركبات الكلور الثنائي وخضاب الدم الحاوي على كمية جيدة من الحديد.
و تتكون البروتينات من سلاسل من حموض أمينية مختلفة، منها عشرة حموض تعتبر ضرورية للحياة لا تتوفر إلا في اللحوم. ومن هنا يتبين السبب الرئيسي في ضرورة كون غذاء الإنسان مزيجاً من الخضراوات واللحوم حيث يجد مزيجاً يتكون من البروتينات النباتية والحيوانية تمده بكل ما يحتاجه من حموض أمينية.
هذا وإن البدن الإنساني يتكون من سلاسل من هذه الحموض الأمينية وهو يطرح كل يوم كمية من هذه البروتينات المستهلكة ولا بد من أجل بقاء التوازن في الجسم من تكوين بروتينات جديدة يصنعها من هذه الحموض الأمينية، والتي يجب أن تكون مصنوعة خارج الجسم الإنساني، حيث تكون الحيوانات الأخرى قادرة على تركيبها، وهذه هي الحموض الأمينية التي لا غنى للإنسان عنها.
و يحتاج الإنسان في طور نموه _ وهو طفل _ إلى نسبة أعلى من البروتين في غذائه كيما ينمو _ 3.5 غ لكل كغ من وزنه _ وكلما كبر قلت حاجته إلى البروتين وهكذا فهو بعد سن العشرين يحتاج فقد إلى 1 غ / كغ من وزنه من البروتين عليه أن يؤمن ثلثها على الأقل من البروتين الحيواني. ويكفيه لذلك 100 غ من اللحم أو 80 غ كبد أو كلى أو 70 غ لحم + بيضة واحدة ... إلخ
و إن القدرة الحرورية التي يعطيها اللحم قليلة نسبياً إذ أن 1 غ من اللحم لا يعطي سوى 2 حريرة _ مقابل 9 حريرات يعطيها كل من 1 غ سكر أو 1 غ دهن _ لذا فليس من الاقتصاد الإكثار من اللحم من أجل الطاقة ويوصى بالإكثار من اللحم المصابون بالسمنة وعقب العمليات الجراحية التي تتطلب ترميماً لأجزاء من البدن والناقهون. ويوصى المصابون بفقر الدم الإكثار من تناول اللحم والدجاج والكبد لأنها تنقل لهم ما ينقصهم من الحديد والفيتامين " ب 12 ". ومن الخطأ إضافة الملح إلى اللحم قبل شيه لأنه يجذب الماء من اللحم والذي يتقاطر من اللحم أثناء شيه جاذباً معه كميات كبيرة من الحديد. لذا ينصح بإضافة الملح إلى الملح بعد شيه. أما القلي فيجب أن يكون بأقل كمية من الدهن _ السمن أو الزيت _ وأن لا يحتفظ ببقايا الدهون المستعملة لأنها خطرة.
أما الرضيع فلا يُعطى اللحم قبل الشهر السادس إذ يكتفي قبل ذلك بحليب أمه. أما المصابون باضطراب هضمي أو بعدم تحمل الحليب فإن عصير اللحم يشكل العوض المناسب ثم يبدأ بإعطائه اللحم المهروس جيداً في الأشهر اللاحقة.
و لحم الغنم أو الضأن أجود اللحوم إطلاقاً لخلوه من الطفيليات وأجوده السمين الذي لم يتجاوز عمره السنتين، وما جاوز الأربع فرديء. وتتكون كل 100 غ لحم من: 70 ماء، 17 بروتين، 11 دسم، 0.5 نشاء، , قيمتها الحرارية 169. ولحم الماعز أصعب هضماً من الغنم وأقل جودة، وأجوده لحم الجدي.
و لحم العجل جيد جداً إذا زاد عمره عن 3 شهور ولم يزد عن السنة، والصغير من العجول أفضل من لحم الضأن الكبير، وتعطي 100 غ منه: 69.5 ماء، 18 بروتين، 11 دسم، 0.5 نشويات، قيمتها الحرارية 173. ويفضل لحم العجل على الغنم بزيادة نسبة البروتين فيه وعظم قيمته الحرارية. أما حم البقر فيخشى من تناوله لكثرة الديدان فيه فيجب عدم تناوله نيئاً بل يجب طبخه أو شيه بشكل جيد، وتعطي 100 غ منه: 70 ماء، 18 بروتين، 10 دسم، 0.5 نشاء، وقيمته الحرارية 164.
و لحم الدجاج من أفخر أنواع اللحم الأبيض غير أنه قليل القيمة الحرارية. وهو من أفضل الطيور غذاء وأوفقها للأبدان وخصوصاً لأهل الدعة ومرقه يصلح المزاج ومرق الفراريج ينفع الأبدان السقيمة والمصابون بالتهاب في المعدة. وتعطي 100 غ منه: 70 ماء، 21 بروتين، 7 دسم، وقيمته الحرارية 147. ودجاج أو ديك الحبش يشبه لحم الدجاج غير أنه أشد قساوة وأعسر هضماً. أم البط فلحمه جيد لكنه ذو قيمة حرورية ضعيفة، وهو سيئ الهضم إذا كان سميناً وأردؤه ما جاوز السنتين وهو يسمن كثيراً ويزيد في الدم وتعطي 100 غ منه: 50 ماء، 16 بروتين، 33 دسم، 0.2 نشويات، وقيمته الحرورية 362. ولحم الحمام جيد ذو قيمة حرورية ضئيلة نسبة لباقي اللحوم لكثرة مائه وقلة الدسم فيه. ولحوم العصافير كلها مجففة قليلة الغذاء والأهلية منها تسخن البدن وتزيد في الانعاظ والباه.
و لحم الأرنب جاف قليل الدهن وقيمته الحرورية ضئيلة إذ تعطي 100 غ منه: 71 ماء، 22 بروتين، 5 دسم، وقيمته الحرورية 133. ويذكر داود الأنطاكي أن لحم الأرانب يفيد في معالجة البواسير ومرقه يفتت الحصى ولحمه يمنع التبول الليلي عند الأطفال.
و هكذا نجد أن اللحوم الحمراء _ الغنم والبقر _ تمد البدن بطاقة حرارية أكبر من التي يعطيها نفس الوزن من اللحوم البيضاء _ سمك أرنب دجاج _ كما أنها أكثر غنى بالحديد إلا أن اللحوم البيضاء أسرع انهضاماً وأكثر ملاءمة للمرضى والناقهين.
و الكبد أغنى من اللحم بالفيتامين " آ " الواقي من العشاوة وضعف الإبصار وفيها كمية جيدة من الفيتامين " د " الواقي من الكساح " ب 12 " الواقي من فقر الدم.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.
4. دكتور شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.
-
تبريد الحمى بالماء
عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء " [رواه الشيخان]. وعن فاطمة بنت المنذر أن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما كانت إذا أتيت بالمرأة قد حُمَّت أخذت بالماء فصبته بينها وبين جبينها وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الحمى من فور جهنم فأبردوها بالماء " [رواه البخاري ومسلم والترمذي].
وعن أبي جمرة نصر بن عمران قال: كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى فقال أبردها بماء زمزم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم، [أخرجه البخاري].
و عن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الحمى قطعة من النار فأطفئوها عنكم بالماء البارد. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حُمَّ دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل [رواه البخاري ومسلم والترمذي].
وعن أنس بن مالك رضي ا الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حُمَّ أحدكم فليشن، وفي رواية: " فليسُن عليه الماء ثلاث ليال من السحر، [أخرجه النسائي والحاكم وصححه، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات (مجمع الزوائد)] _ والشن الصب المنقطع _ والسن: المتصل.
قال ابن حجر: من فيح أو فوح جهنم بمعنى سطوع حرها ووهجه. واختلف في نسبتها إلى جهنم فقيل حقيقة، واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم وقد قدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع اللذة والفرح من نعيم الجنة أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة. وقيل بل الخبر مورد التشبيه والمعنى أن حرّ الحمى شبيه بحر جهنم تنبيهاً للنفوس على شدة حرّ النار وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها.
و يرى ابن القيم: أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم هذا خاص بأهل الحجاز ومن والاهم، إذ كان أكثر الحُمَّيات التي تعرض لهم من نوع الحمى اليومية العرضية الحادثة من شدة حرارة الشمس وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً. فإنها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء المثلوج. ويجوز أن يراد بها جميع أنواع الحميات , وقد اعترف جالينوس بأن الماء البارد ينفع منها، وقوله " بالماء " فيه قولان أحدهما أنه كل ماء وهو الصحيح. والثاني أنه ماء زمزم. واحتجوا برواية البخاري عن أن أبي جمرة حين يروي قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس: فأبردوها بالماء أو قال بماء زمزم. وراوي هذا الحديث شك فيه ولو جزم به لكان أمراً لأهل مكة بماء زمزم إذ هو متيسر عندهم.
و يقول النسيمي: أما تعيين ماء زمزم فليس بشرط ولكن عند توفره يكون استعماله جامعاً للبركة به والاستشفاء به روحياً إلى جانب الاستشفاء العلاجي.
أما الكحال ابن طرخان فيقول: وأما قوله صلى الله عليه وسلم " إن شدة الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " فالذي يظهر أنه لم يرد من أقسام الحميات سوى ما كان من حمى يوم عن حرّ شمس، فإن وقوعها بالحجاز كثير، ويجوز استعمال الماء البارد في سائر الحميات الأخر.
و يعلق الدكتور محمد علي البار على كلام الكحال فيقول: وهذا أمر صحيح إذ يعاني الحجاج من ضربة الشمس. وتعالج بأن يبعد المصاب عن المكان الحار ويغمس في الماء البارد والثلج، أو يستخدم إرذاذ الماء البارد لخفض درجة حرارة الجسم. وفي الحالات الأقل شدة يسقى المريض الماء البارد قليلاً قليلاً ويصب من فوق رأسه. ويفيد لف الكمادات الباردة أيضاً كما يستحسن إضافة قليل من الملح إلى الشراب المبرد.
و الحقيقة أن التبريد بالماء يفيد في معالجة كل الحميات الانتانية، وكما يؤكد النسيمي فليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم محصوراً في معالجة ضربة الشمس. ولقد نصح النبي صلى الله عليه وسلم باستعمال الماء البارد للحمى، ينقص من حرارتها ويقلل من تأثيرها وليس هناك بمخصص لنوع منها. وهذه النصيحة لا شك من اعجازات النبوة. ونحن اليوم في القرن العشرين: أليس أول ما ينصح به الطبيب اليوم عمل الكمادات بالماء البارد ووضع الثلج على رأس المحموم وغير ذلك؟ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لقي به ربه مصاباً بالحمى فكان يضع إلى جواره إناء من ماء بارد ويمسح بها وجهه صلى الله عليه وسلم!
و الحمى هي كل ارتفاع لحرارة الجسم. ومن المعروف أن في الجسم مركزاً لتنظيم الحرارة في منطقة بالدماغ تعرف بتحت المهاد Hypothalamus. وهي تستشعر حرارة الدم فإذا ارتفعت قليلاً زادت في إفراز العرق من الجلد ليتم خروج الحرارة من الجسم إلى الجو المحيط. ولكن إذا كانت حرارة الجو فوق الأربعين فلا يمكن لحرارة الجسم أن تخرج إلى الهواء المحيط ولا بد من استخدام الماء البارد والمثلج.
و رغم أن للحمى أسباباً كثيرة إلا أنها في النهاية تكون بسبب مواد رافعة للحرارة تؤثر على منطقة تحت المهاد وتحدث الرعشة وتقلص العضلات فتزيد من ارتفاع الحرارة، ومن أشهر أسبابها ضربة الشمس والبرداء أو الملاريا والأنفلونزا ونزلات البرد والحمى التيفية والمالطية وغيرها. والمعالجة بالكمادات الباردة والماء المثلج نوع هام من العلاج للأعراض ذاتها. وإذا كانت الأدوية النوعية المضادة للحميات الإنتانية لم تكتشف إلا في القرن التاسع عشر، وكذا مخفضات الحرارة كالأسبرين والكينين، فقد استعمل الماء البارد هو الواسطة العلاجية الأولى. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نبه إلى هذه الواسطة العلاجية الهامة فالإعجاز في دعوته تلك أن تبريد الحمى بالماء ما يزال العلاج العرضي الأمثل والذي يشرك حالياً مع الأدوية النوعية.
هذا وإن لتبريد الحمى بالماء طرقاً عديدة نذكر منها:
1. اللف بالكمادات الباردة: كالمناشف وقطع القماش المبللة بالماء البارد حيث تلف أجزاء من البدن كالجبهة والرأس والأطراف أو يلف كامل البدن. وتستعمل هذه الطريقة لخفض حرارة المحمومين المصابين بحمى ضربة الشمس أو الحمى التيفية وغيرها وخاصة عند ارتفاع الحرارة الشديد أو المترافقة بهذيانات. ويكرر اللف مرة كل 3 - 4 ساعات. ولا يجوز تطبيق اللف الكامل عند المصابين بآفة قلبية أو رئوية بل يكتفى بالكمادات الموضعية الباردة للتخفيف من شدة الحرارة.
2. الحمام البارد: اقترح براند حماماً بدرجة 15 - 20 درجة مئوية للممصابين بالحمى التيفية فهو يخفض الحرارة ويدر البول وينشط الجسم. أما الحمامات الباردة بدرجة 20 - 25 درجة مئوية فتفيد العصبيين وبعض المحمومين. وخيره ما كانت درجة حرارته من 25 - 32 درجة مئوية.
3. مغطس الماء البارد: وقد اقترحه Savil لتخفيض حرارة المحموم بوضعه في مغطس ثلثه ماء بدرجة 32 - 35 درجة مئوية، ثم يزاد ماء بارد كل 5 دقائق حتى تصل درجة حرارة الماء إلى 15.5 درجة مئوية، ولا يستعمل المغطس والحمام الباردين للمصابين بالبرداء والنزلة الوافدة ولا للمصابين بآفة قلبية أو رئوية.
المعالجة بالحمّى:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ذكرت الحمى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبّها رجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبَّها، فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد " [رواه ابن ماجة]، , كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول: ما من مرض يصيبني أحب إليّ من الحمى لأنها تدخل في كل عضو مني. وأن الله سبحانه وتعالى معطي كل عضو حظه من الأجر، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سائب فقال: مالك ترفرفين؟ _ وفي رواية تزفزفين _ قالت: الحمى لا بارك الله فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تسبي الحمى فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد " [رواه مسلم].
قال ابن القيم: وقد ينتفع البدن بالحمى انتفاعاً عظيماً لا يبلغه الدواء، وكثيراً ما تكون حمى يوم سبباً لإنضاج مواد غليظة لم تكن تنضج بدونها وسبباً لتفتح سدد لم تكن تصل إليه الأدوية المفتحة ... وأما تصفيتها للقلب من وسخه ودرنه وإخراجها خبائثه فأمر يعلمه أطباء القلوب ويجدونه كما أخبر نبيهم صلى الله عليه وسلم. فالحمى تنفع البدن والقلب وما كان بهذه المثابة فسبه ظلم وعدوان.
و قد استخدمت الحمى للتداوي من العديد من الأمراض إلى بداية القرن العشرين ومن ذلك معالجة الإفرنجي والرمد واللقوة والشلل بالحمى حيث يحقن المريض بمواد رافعة لدرة حرارة البدن مسببة للحمى. وما يزال لهذه الطريقة أنصار كثر يطبقونها لمعالجة العديد من الأمراض الجلدية كالدمامل الناكسة والجمرة الحميدة والتهاب الجلد العصبي وغيرها. والغريب حقاً أن يظهر العلاج بالحمى حديثاً لمعالجة الإيدز والذي أذاعته محطات التلفزة الأمريكية عام 1990. والحقيقة أن الحمى تؤدي إلى تفاعلات في الجسم بزيادة وسائل المقاومة واجتذاب الكريات البيضاء واشتداد المعركة بين العامل الممرض وجهاز المقاومة في البدن.
{و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى علمه شديد القوى}.
مراجع البحث
1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
2. الكحال ابن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).
3. ابن الاثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم)
4. عبد الملك بن حبيب الأندلسي: عن كتابه (الطب النبوي).
5. دكتور محمد علي البار: عن حاشيته على كتاب (الطب النبوي) لعبد الملك بن حبيب
6. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحديث) المجلد 3
7. حامد الغوابي: عن كتابه (بين الطب والإسلام) القاهرة: 1967.
8. عزة مريدن: عن كتابه (علم الأدوية).