-
ماءُ زمزم لما شُرب له
عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير الماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم " [رواه ابن حيان في صحيحه، ذكر الألباني أن الحديث صحيح (كتاب صحيح الجامع الصغير)].
و عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تحمل ماء زمزم وتخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحمل ماء زمزم في الأوادي والقرب وكان يصب على المرضى ويسقيهم، [رواه الترمذي وحسنه، رواه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة].
و عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماء زمزم لما شرب له " [رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي، وصححه الأستاذ الألباني].
و في حديث إسلام أبي ذر الذي يرويه مسلم في صحيحه: يقول أبو ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد كنت ها هنا منذ ثلاثين بين يوم وليلة، قال: فمن كان يطعمك؟ قال: قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على كبيدي سخفة جوع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنها مباركة، إنها طعم الجنة "، وينقل الحافظ الذهبي الرواية بزيادة " هي طعام طعم وشفاء سقم " وقال النووي في شرحه للحديث: أي تشبع شاربها كما يشبعه الطعام.
و قال ابن القيم الجوزية: إن ماء زمزم سيد المياه وأشرفها وأجلها قدراً وأحبها إلى النفوس وأنفسها عند الناس وهو هزمة جبريل [أي ضربها برجلة فنبع الماء] وسقيا إسماعيل [أي أظهره الله ليسقي إسماعيل أول الأمر] وقد جربت أنا وغيري من الاستشفاء بماء زمزم أموراً عجيبة واستشفيت به من عدة أمراض فبرئت بإذن الله، وشاهدت من يتغذى به الأيام ذوات العدد ولا يجد جوعاً ويطوف مع الناس كأحدهم...
و يقول المناوي في فيض القدير: " ماء زمزم لما شرب له " لأنه سقيا الله وغياثه لولد خليله، فبقي غياثاً لمن بعده، فمن شربه بإخلاص وجد ذلك الغوث. وقال الحكيم: هذا جارٍ للعباد على مقاصدهم وصدقهم لأن الموحد إذا رابه أمر فشأنه الفزع إلى ربه فإذا نزع إليه استغاث به، ,إنما يناله العبد على قدر نيته.
و في كتاب (زمزم طعام طعم وشفاء سقم) يقول الدكتور المهندس يحيى كوشك: أن إنتاج بئر زمزم كما تبين اختبارات الضخ يتراوح بين 11 و18.5 ليتر في الثانية. كما يؤكد أنه قد تم إجراء عمليات تحليل لمياه زمزم مرات ومرات، وقد أكدت أن مياه زمزم تتميز بصفة عامة باحتوائها على تركيزات عالية من الأملاح المعدنية مثل الكالسيوم والمغنزيوم.و إن تركيزات الصوديوم والبوتاسيوم تتميز بثبات معدلها، كما أنها تحتوي على كميات قليلة من الحديد والمنغنيز والنحاس والفلور والكروم.
و قد قام المؤلف بالعديد من الدراسات لاختبار الوسيلة المثلى لتعقيم مياه زمزم، وتبين له أن استخدام الأشعة فوق البنفسجية هي أسلم الطرق، وذلك لعدم الحاجة إلى إضافة أي مواد كيماوية إلى الماء يمكن أن تغير طعمه، كما أن نتائجها ممتازة،و هي رخيصة الكلفة وسهلة التطبيق بالنسبة لظروف البئر وضرورات عمله. وقد تم تجهيز الأجهزة الخاصة بالتعقيم وحققت نجاحاً مؤكداً، حيث أثبتت التحاليل عدم وجود أي جراثيم مرضية في مياه البئر، كما أكدت عدم وجود أي جراثيم مرضية في مصادر مياه زمزم الرئيسية.
و إني أميل إلى أن الاستشفاء بماء زمزم موضوع إيماني غيبي أعلمنا به الصادق المصدوق وعلى البحاثة المسلمين أن يتابعوا دراساتهم التي قد تكشف حقائق طبية عن هذا النبع العظيم.
مراجع البحث
ابن قيم الجوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
دكتور حسان شمسي باشا: عن كتابه (الأسودان: التمر والماء) جدة: 1992.
الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).
الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي).
-
المسك
قال تعالى: {يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك}. قال الطبري: يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غش فيها. واختلف أهل التأويل في {ختامه مسك} فقال بعضهم: مزاجه وخلطه مسك. وقيل: طعمه وريحه. قال ابن عباس: بل معنى ذلك أن آخر شرابهم يختم بمسك يجعل فيه. وإن أولى الأقوال عندنا بالصواب قول من قال أن آخره وعاقبته مسك، أي هي طيبة الريح وإن ريحها في آخر مشربهم يختم بريح المسك.
و عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أطيب الطيب المسك " [رواه مسلم في صحيحه]. وعن عائشة رضي الله عنها: كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويوم النحر وقبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك، [رواه البخاري ومسلم. وروى ابن مسلم عن أبي شيبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطيب بالمسك.
يقول ابن القيم: المسك ملك أنواع الطيب وأشرفها وأطيبها، وهو كثبان الجنة يسر النفوس ويقويها، , يقوي الأعضاء الباطنة جميعها شرباً وشماً. جيد للغُشي والخفقان وضعف القوة بإنعاشه للحرارة الغريزية، يجلو بياض العين وينشف رطوبتها ويبطل عمل السموم وينفع من نهش الأفاعي وهو من أقوى المفرحات.
و يؤكد الموفق البغدادي أن المسك دواء يقوي المعدة ويقطع رائحة العرق. والمسك هو الإفراز المجفف من الجريبين القلفيين في غزال المسك Musk deer ويتكون في حويصلات خاصة توجد في الذكر وحده، موضعها خلف السرة تماماً، , تنشط بالعمل بعد النضج الجنسي للحيوان الذكر. وأجود أنواع المسك ما يؤتى به من التيبت. وهو مادة دهنية الملمس بنية اللون، رائحته قوية نفاذة وفي طعمه مرارة مقبولة.
و يحتوي المسك على زيت طيار ذي رائحة طيبة، كما يحتوي على مواد دهنية وراتنج وبروتينات ومواد غير عضوية. تؤكد الأبحاث الحديثة فائدة المسك لتنشيط القوى الحيوية والجنسية _ إذ يمزج عادة مع الشاي _ كما يفيد لمعالجة تشنجات الأطفال العصبية المنشأ ويمنع المغص وعسر الهضم.
مراجع البحث
1. تفسير الطبري.
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).
4. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) 1986
5. السيد الجميلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) 1982.
-
الورس
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب، قال قتادة: يلده، ويلَدّ به من الجانب الذي يشتكيه، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح] وعنه أيضاً قال: نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذات الجنب ورساً وقسطاً وزيتاً: يلد به. [رواه ابن ماجة].
و عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً، , كانت إحدانا تطلى الورس على وجهها من الكلف، [رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وصحح الحاكم إسناده، , قال النووي: حديث حسن وقال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث]. وروى البخاري عن النبي مسلم أنه نهى عن أن يلبس المحرم ثوباً مصبوغاً بورس وزعفران، وعلق البغدادي عليه بأن الثوب المصبوغ بالورس يقوي الباه والمحرم يحرم عليه الباه.
و الروس شجيرة من الفصيلة الورسية Memecyclon Tinctarium، ينبت في الهند أو سيلان كما يزرع بأرض اليمن، وهي تعمر إلى عشر سنوات. جذوره صفراء صابغة ويستعمل طبياً مسحوق هذه الجذور.
و ذكر ابن القيم: أجوده الأحمر اللين، القليل النخالة. ينفع من الكلف والحكة والبثور الكائنة على سطح الجلد إذا شرب نفع من الوضح ومقدار الشربة منه وزن درهم... وإذا لطخ به على البهاق والحكة والبثور والسعفة نفع منها، ,الثوب المصبوغ منه مقوٍ للباه.
و ذكر الدكتور الزيتوني فوائد تناوله عن طريق الفم بأنه طارد للغازات، مذيب للرمال منبه ومفرح للمعدة. أما الطلي به فينفع من الجرب، ,يضاف إلى المراهم لتأثيره المجفف للحروق والقروح. وأكد ابن سينا أن الورس ينفع من الكلف والنمش، وأنه إذا شرب نفع من الوضح _ يعني البرص _.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة).
3. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) 1986.
4. ابن الاثير: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم)
-
شجرة من يقطين
قال تعالى: {و أنبتنا عليه شجرة من يقطين} [الصافات: الآية 146].
عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء. [ذكره السيوطي في الجامع الصغير وحسنه من إخراج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة].
وعن أنس رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بمرقة فيها دباء وقديد فرأيته يتتبع الدباء يأكلها، [رواه البخاري].
و قد ثبت بالصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن خياطاً دعا رسول الله عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لطعام صنعه قال أنس: فرأيت رسول الله عن أنس رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء حوالي الصحيفة، فلم أزل أحب الدباء من ذلك اليوم، وفي رواية للترمذي عن أبي طالوت قال: دخلت على أنس وهو يأكل قرعاً وهو يقول: يا لك من شجرة، ما أحبك إليّ، لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياك.
و في الغيلانيات من حديث هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عائشة إذا طبختم قدراً فأكثروا فيه الدباء فإنها تشد قلب الحزين.
قال ابن الجوزي في تفسيره للآية: قال ابن عباس: اليقطين هو القرع. فإن قيل فما الفائدة من إنبات شجرة اليقطين دون غيرها؟ فالجواب أنه خرج كالفرخ وجلده قد ذاب فأدنى شيء يمر به يؤذيه، وفي ورق اليقطين خاصية أنه إذا تُرك على شيء لم يقربه الذباب فأنبته الله عليه ليقيه ورقها ويمنع الذباب ريحه أن يسقط عليه فيؤذيه.
و قال ابن كثير: وقد ذكر بعضهم في القرع فوائد منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربها الذباب، وجودة تغذية ثمره وأنه يؤكل نيئاً ومطبوخاً.
قال ابن القيم: اليقطين وهو الدباء والقرع،, هو بارد رطب، ماؤه يقطع العطش ويذهب الصداع الحار.و هو ملين للبطن، وشديد النفع للمحمومين. وبالجملة فهو من ألطف الأغذية وأسرعها انفعالاً.
و لليقطين نوعان: قرع اليقطين الكبير المضلع، ,القرع الطويل أو قرع الكوسا.
القرع الكبير أو القرع العسلي وهو الدباء Cucurbita maximas أو The Gourd وهو نبات عشبي حولي مدّاد من الفصيلة القرعية Cucurbitacae أي فصيلة الكوستا نفسها لكنه يفوقها في القيمة الغذائية. وموطن زراعته حوض البحر الأبيض المتوسط. تطبخ ثماره كخضر مسلوقة أو مقلية ويمكن أن تصنع منها مربيات لذيذة. وهي غنية بالسكريات _ الكربوهيدرات _ [تبلغ نسبتها 6.5 %، ,يحتوي بروتينات 1.1 %، ودسم 0.02 % وماء 91 %] والفيتامين " آ " و" ب ". ويحتوي على الحديد والكلس. ويحتوي على عناصر فعالة كالقرعين Cucurbitin والبيبورزين وعلى حوامض أمينية مثل التيروزين واللوسين.
و من خواصه الغذائية أنه غير مهيج ومسكن ومرطب وملين ومدر للبول، لذا فهو يؤكل لطرد السوائل من الجسم في الوذمات والأنصبابات، كما أنه مطهر للصدر والمجاري البولية يفيد في معالجة التهابات المجاري البولية والبواسير والإمساك والأسر البولي والوهن وعسر الهضم والتهابات الأمعاء. كما يفيد المصابين بالعلل القلبية والأرق ومرضى السكري.
و يؤخذ من عصيره مقدار كأس على الريق كمسهل حسن كما يطبق العصير خارجياً ضد الحروق والالتهابات الجلدية والخراجات على شكل كمادة، أو تصنع الكمادة من مسحوق بذوره لنفس الغاية. وعلى هذا فالقرع سهل الهضم جيد الغذاء لا يجهد المعدة ولا الأمعاء في هضمه يصفه الأطباء في الحمية عندما يريدون تغذية المريض محافظين على جهازه الهضمي وإعطاءه الراحة الكافية لا سيما المصابون بآفات في القولونات.
أما بذور القرع فيستخرج منها زيت يصلح الطعام إذ هي غنية بالفيتامينات والدهون وهي تملح وتحمص وتؤكل كنقولات رائجة.
و في العلاج يستفاد منها:
1. لطرد الدودة الشريطية _ الوحيدة _: وغيرها من الديدان حيث تقشر 30 - 50 من البذور وتدق حتى تصبح كالعجين وتمزج بقليل من الحليب ثم تؤكل على الريق، وتكرر العملية 3 أيام يؤخذ بعدها مسهل قوي.
2. لمعالجة العجز الجنسي: حيث تؤخذ كمية متعادلة من بذور القرع والخيار والبطيخ الأصفر، تقشر ثم تدق وتمزج مع قليل من السكر ويؤخذ منها 3 ملاعق كبيرة يومياً. وهذه الطريقة تفيد لمعالجة تضخم الموثة والتهاباتها عند الشيوخ.
3. لمعالجة الأرق والتهاب المجاري البولية: حيث يطبخ مع الحليب أو الماء مقدار من البذور المقشرة والمهروسة وتؤكل.
أما القرع الطويل أو قرع الكوسا: فهو من الخضروات الهامة في عملية طهو الغذاء وله مكان بارز بين نباتات الفصيلة القرعية، لكنه أقل أهمية ونفعاً من القرع الكبير. وفيه مواد تعدل حموضة المعدة وهو ملين ومطهر، لكنه عسر الهضم، يفيد في الحمية عند البدينين ولمعالجة الزحار والبواسير وبذوره تفيد طاردة للديدان.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).
3. الحافظ ابن كثير: عن كتابه (تفسير القرآن العظيم).
4. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
5. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1982.
6. عبد اللطيف عاشور: عن كتابه (التداوي بالأعشاب والنبات) القاهرة: 1985.
7. دكتور أمين رويحة: عن كتابه (التداوي بالأعشاب) بيروت: 1973.
8. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
9. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) دمشق: 1988.
10. محمد محمود عبد الله: عن كتابه (الطب القرآني بين الدواء والغذاء) حلب، بيروت: 1989.
-
-
جزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل على هذه المعلومات القيمة
ولكن
ما شاء الله !
كل هذا فى القثاء
-
-
مقدمة
و هو ضرب من الطب النفسي ويعتمد الرقى الإسلامية والتداوي بالقرآن الكريم والدعاء المأثور بالصدقة.
و في الفصل تعاريف للرقية والتميمة، ومشروعية الرقى الإسلامية بل وسنتيها وتحريم الرقى الجاهلية وتعليق التمائم من خرز ونحوه. وتعليلٌ علمي لفائدة الرقى ومنفعتها لمن اعتقد بها. وهذه عناوين مباحث الفصل:
الأول: مشروعية الرقى والتمائم.
الثاني: الرقى العامة.
الثالث: الرقى الخاصة، وتتضمن:
رقية اللديغ من كل ذي حمة.
الرقية من العين.
الرقية الخاصة بالألم.
الرقية الخاصة بالأرق.
الرابع: السحر والرقية منه.
الخامس: الرقية والريقة والتراب.
السادس: داووا مرضاكم بالصدقة.
-
مشروعية الرقى والتمائم
الرقية: قراءة تعويذة على المريض. أما التميمة: فهي الرقية المكتوبة التي تعلق، إما بقصد الاستشفاء أو للحفظ من عين أو عدو أو جان. كما تطلق التميمة على كل ما يعلق على العنق أو الصدر من خرز أو ودع أو شبهها للغاية نفسها.
و قد عرفت الرقى والتمائم من قبل جميع الشعوب ومارسها الكهان من جميع الأديان. وأما النُشرة _ بضم النون _ فهي رقية كان يعالج بها المجنون والمريض، وقد نُشر عنه، ,التنشير: التعويذ بالنشر، لأنه ينشر عن المريض، أي يُحلُّ عنه ما خامره من الداء. وقد تطلق على ما يرقى به من ماء ثم يغسل به المريض، أو على الرقية المكتوبة التي تغمس بالماء ثم يمسح به المريض أو يشربه.
فأما الودع والخرز وشبهها إذا علقت بنية الاستشفاء من مرض أو للوقاية من الإصابة بعين أو حسد أو مرض فهي حرام قطعاً وبإجماع جمهور علماء المسلمين. وإذا اعتقد المعلق أنها تفعل بخاصية منها فقد أشرك والعياذ بالله تعالى.
عن عبد الله بن عكيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تعلق شيئاً وكل إليه " [رواه الترمذي].
و عن عبد الله بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من يعلق تميمة فلا أتم الله له ومن يعلق ودعة فلا ودع الله له " [رواه الإمام أحمد، ورواه أبو يعلى والطبراني، وقال الهيثمي: رجالهم ثقات (مجمع الزوائد)].
و عن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما يبالي من أتى من شرب ترياقاً أو تعلق بتميمة " [رواه أحمد وأبو داود وإسناده حسن (الأرناؤوط)].
و قال ابن الأثير: وليس شرب الترياق مكروهاً من أجل التداوي به حرام ولكن من أجل ما يقع فيه من لحوم الأفاعي وغيرها من النجاسات وهي محرمة. وما لم يكن فيه حرام ولا نجس فلا بأس.
أما التمائم فإن المجمع على حرمته منها ما كان معلقاً من غير كتابة، وكذا التمائم المكتوبة والحاوية على نص فيه شرك كالاستعانة بصنم أو بالشياطين، أو أن النص مكتوب بما لا يفهم معناه.
أما المرقى فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رقى الجاهلية كلها في مطلع الإسلام باعتبار أن معظمها يحتوي على عبارات فيها شرك أو تعلق بالأصنام أو من الكلام الذي لا يعرف له معنى، ولاعتقاد فاعليها أن تأثيرها حاصل بطبعها كما كان الجاهليون يعتقدون ويزعمون.
عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الرقى والتمائم والتولة شرك " [رواه أبو داود وابن ماجة والحاكم وقال: صحيح الإسناد].
و في رواية أبي داود: قال الراوي لم تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فيرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كفّ عنها، إنما يكفيك أن تقول كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " [رواه أبو داود بإسناد حسن (الأرناؤوط)].
وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشر فقال: " هو من عمل الشيطان " [رواه أبو داود بسند صحيح (الأرناؤوط)].
و عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
و قد جاءت النصوص بعد ذلك لتدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن ببعض
الرقى التي كان العرب يرقون بها في جاهليتهم مما لم يجد فيه ما يتنافى مع عقيدة التوحيد وبعد أن اطمأن عليه الصلاة والسلام إلى رسوخ العقيدة الصحيحة في نفوس أصحابه.
فعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنه كانت عندنا رقى نرقي بها من العقرب وإنك نهيت عن الرقى. قال: فعرضوها عليه، فقال: ما أرى بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل [رواه مسلم].
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرقية من كل ذي الحمة [رواه البخاري].
و عن أنس رضي الله عنه قال: أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لآل بيت من الأنصار أن يرقوا من الحمة [رواه البخاري، من لدغ ذي حمة: أي من لدغ ذوات السموم].
و أن الترخيص أو الإذن بالشيء إنما يدل على إباحته بعد النهي عنه.
و عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، [رواه مسلم].
قال ابن حجر: وقد أجمع علماء الأمة على جواز الرقية عند اجتماع ثلاثة شروط: أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله سبحانه وتعالى.
و عما يظن تعارضاً بين الأحاديث التي تفيد جواز الرقى وحديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب: " هم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " [رواه البخاري ومسلم] وحديث " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " [رواه الإمام مسلم] أجاب الإمام النووي: ولا مخالفة بل المدح في ترك الرقى، المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار والرقى المجهولة والتي بغير العربية وما لا يعرف معناه فهي مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه.
و أما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة. وأما قولهم: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى، فأجاب عنه العلماء بأجوبة: أحدها أنه كان نهياً ثم نسخ ذلك وأذن فيها وفعلها صلى الله عليه وسلم واستقر الشرع على الإذن. والثاني أن النهي كان لمنع الرقى المجهولة كما سبق، والثالث أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها.
و في نفس الموضوع يقول البغدادي: فيحتمل أن النهي كان ثابتاً ثم نسخ، أو لأنهم كانوا يعتقدون منفعتها بطبيعة الكلام، فلما جاء الإسلام واستقر الحق في أنفسهم أذن لهم فيه مع اعتقادهم بأن الله تعالى هو النافع الضار.
و قال النووي: وأما قوله " لا رقية إلا من عين أو حمة " فلم يرد به حصر الرقية الجائزة فيهما ومنعها فيما عداها، وإنما المراد لا رقية أحق وأولى من رقية العين والحمة لشدة الضرر فيهما. وقال ابن الأثير: تخصيص العين والحمة لا يمنع جواز الرقية في غيرهما من الأمراض لأنه قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام رقى أصحابه من غيرهما وإنما معناه: لا رقية أولى وأنفع من رقة العين والسم. ونقل ابن حجر عن الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله وبما يعرف من ذكر الله.
و قد اختلف في حكم التمائم إذا كانت مكونة من ذكر أو آية من كتاب الله أو دعاء مأثور، فقد ذكر الشيخ عبد الله بن صديق: وأما كتابة شيء من القرآن أو الأدعية المأثورة وتعليقه على عنق الصحيح أو المريض للاستشفاء فجائز على الأرجح. واستدل بكتابة عبد الله بن عمرو بن العاص دعاء الفزع في النوم وتعليقه على عنق من لم يبلغ من أولاده.
و قد سئل سعيد بن المسيب عن التعويذ، أيعلق؟ فقال: إذا كان في قصبة أو رقعة بحرز فلا بأس به، هذا على أن المكتوب قرآن.و عن الضحاك _ من التابعين _أنه لم ير بأساً أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله، ورخص أبو جعفر الباقر _ من سادات التابعين أيضاً _ في التعويذ يعلق على الصبيان. أما أحمد بن حنبل فقد نص على كراهية التعليق للتعاويذ من القرآن وغيره وقال: كان ابن مسعود يكرهه.
قال القرطبي: واختلف العلماء في النشرة وهي أن يكتب شيئاً من أسماء الله أو القرآن ثم يغسله بالماء ويمسح به المريض أو يسقيه، فأجازها سعيد بن المسيب، ولم ير مجاهداً بأساً أن تكتب آيات القرآن ثم تقرأ ثم يسقاه صاحب الفزع. أما الحسن وإبراهيم النخعي فقد منعاها. هذا ونقسم الرقى بحسب الغاية التي وضعت من أجلها إلى رقى عامة ورقى خاصة.
-
الرقى العامة
و هي الرقى التي لم يرد لها مناسبة خاصة ويمكن أن تشرك كمعالجة روحية _ نفسية _ في كل الأمراض إلى جانب الأدوية المتوفرة سواء أكانت ناجعة أم لا وهي إما أن تكون قرآناً أو تكون دعاءً أو ذكر ورد فيه نص صح نقله عن النبي صلى الله عليه وسلم.
التداوي بالقرآن:
قال تعالى: {و ننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء: الآية 82].
و قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء} [فصلت: الآية 44].
و قال تعالى: {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور} [يونس: الآية 57].
و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالشفاءين العسل والقرآن " [رواه ابن ماجة والحاكم وصححه وقال البويصري في الزوائد: إسناد ابن ماجة للحديث صحيح ورجاله ثقات].
فالرقى يمكن أن تكون بأي آية من القرآن العظيم، وتصلح لأن تكون معالجة روحية أو نفسية لأمراض الجسد والقلب. والشفاء هنا هو الدواء. وفي الحديث إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهمية مشاركة الدوائين: المادي العسل والروحي القرآن. فالقرآن شفاء من عدة وجوه: شفاء للقلوب والعقول من أمراض الكفر والجهل وشفاء للنفوس من انحرافاتها ومخاوفها كما هو دواء وعلاج نفسي لأمراض البدن.
و اكمل الرقى ما كانت بالنصوص القرآنية التي أتت بها السنة المطهرة ومنها الفاتحة والمعوذات
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن نفراً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مرّوا بماء فيه لديغ _ أو سليم _ [السليم هو اللديغ أيضاً بلغة العرب، ويطلقون عليه هذا اللفظ تفاؤلاً بسلامته] فعرض لهم رجلٌ من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلاً لديغاً _ أو سليماً _. فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ فبرأ، [رواه البخاري].
و عن أبي سعيد الخدري أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حيّ من أحياء فلم يقروهم فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد القوم فقالوا: هل معكم من دواء أو راق؟ فقالوا: إنكم لم تقرونا ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلاً. فجعلوا لهم قطيعاً من الشاء. فجعل يقرأ بأم القرآن ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ. فأتوا بالشاء فقالوا: لا تأخذه حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية! خذوها واضربوا لي معكم بسهم، [رواه البخاري].
عن عائشة رضي الله عنه قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفث على نفسه في المرض الذي فيه بالمعوذات [رواه البخاري ومسلم]. وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسح بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي [رواه مسلم]
قال الرواي: فسألت الزهري: كيف ينفث؟ قال: كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه
و عن أبي سعيد الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذات فأخذ بها وترك ما سواها [رواه النسائي والترمذي وحسنه]
قال البغدادي: وأم القرآن أنفع الرقى لخما فيها من تعظيم الرب وإخلاص عبوديته والاستعانة به، ويقال: موضع الرقية منها {إياك نعبد وإياك نستعين}.
و قال ابن القيم: ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب العالمين، الذي هو الشفاء التام والعصمة النافعة والرحمة العامة. وبالجملة: فما تضمنته الفاتحة من إخلاص العبودية والثناء على الله وتفويض الأمر كله إليه والاستعانة به والتوكل عليه وسؤاله مجامع النص كلها من أعظم الأدوية الشافية الكافية، وفي المعوذتين الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلاً ولهما شأن عظيم في الاحتراس والتحصن من الشرور قبل وقوعها عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده [رواه البخاري ومسلم] وقال: " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " [رواه البخاري ومسلم]
الرقى النبوية:
عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة، اشتكيت. فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى. قال: اللهم رب الناس مذهب البأس اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت شفاءً لا يغادر سقماً [رواه البخاري].
و عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: " أذهب البأس رب الناس. اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً [رواه البخاري ومسلم]. وعن عائشة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقى بهذه الرقية: " أذهب البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت " [رواه مسلم].
و عن أبي سعيد الخدري أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتُكيت؟ قال: نعم. قال: باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، ومن شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، [رواه مسلم] واشتُكيت: بضم التاء أي مرضت.
رقية اللديغ من كل ذي حمة:
[أي من لدغ ذوات السموم كالحية والعقرب وغيرها]
عن أنس رضي الله عنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقى من العين والحمة والنملة [رواه مسلم].
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة [رواه البخاري].
عن أبي سعيد الخدري قال: انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلهم أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، سيدنا لدغ وسعينا بكل شيء لا ينفعه شيء فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال: نعم إني والله لأرقي ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلاً. فصالحوهم على قطيع من الغنم. فانطلق يتفل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال فانطلق يمشي ما به قلبة. فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر الذي كان فننظر ما يأمرنا فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم: اقتسموا واضربوا لي معكم سهماً [رواه البخاري ومسلم].
و عن علي رضي الله عنه قال: لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقرب وهو يصلي فلما فرغ قال: لعن الله العقرب لا تدع مصلياً ولا غيره. ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها ويقرأ: قل يا أيها الكافرون وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس [رواه الطبراني في الجامع الصغير، وقال الهيثمي: إسناده حسن].
و عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سجد فلدغته عقرب في إصبعه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعن الله العقرب ما تدع نبياً ولا غيره ثم دعا بماء وملح فجعل يضع موضع اللدغة من الماء والملح ويقرأ: قل هو الله أحد والمعوذتين حتى سكنت [رواه الترمذي، والحاكم في المستدرك بإسناد صحيح، وقال الذهبي: صحيح على شرط الشيخين]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من الحية والعقرب [قال الأرناؤوط: في سنده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ].
قال الدكتور النسيمي: عندما لا يعرف للمرض الجسمي دواء شاف، كثيراً ما تنضم إلى أعراض المرض الجسدي مضاعفات نفسية تزيد من شكاية المريض فالمعالجة الروحية هنا ضرورية جداً حيث تتحقق فائدة الرقية. وبالنسبة للديغ لم يكن المصل المضاد للسموم مكتشفاً في ذلك الزمن، وقد رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من حوادث اللدغات.
و تعليقاً على الحديث الذي جمع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المعالجة بالماء والملح وبين الرقية، يقول المناوي في فيض القدير: فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدواء المركب من الطبيعي والإلهي، والملح نافع للسم وقال عنه ابن سينا: يضمد بالملح مع بزر الكتان للسع العقرب، وفيه قوة جاذبية محللة.
و عن إشراك الرقية مع الأدوية المادية يقول النسيمي: والغاية من الرقية حينئذ هي بعث الأمل والطمأنينة في المريض وتحريك إيمانه واتكاله على الله تعالى في نجاح الدواء المادي فتقوى معنوياته ويزداد أمله في بلوغ العافية وخاصة عندما يرقيه من يعتقد بصلاحه. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة للمؤمنين في الجمع بين الدواء المادي والروحي.
و لقد جمع رسول الله في سلوكه العملي في كل حياته وفي مرض وفاته بين الأدوية المادية التي كان ينصحه بها الأطباء كما تروي السيدة عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه وكان يقوم عليه أطباء العرب والعجم [رواه ابن ماجة ورجاله ثقات] وبين رقية نفسه بالمعوذات والاستعانة بالله عز وجل خالق المرض وخالق الشفاء.
فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، [رواه البخاري].
قال ابن القيم: واعلم أن الأدوية الإلهية تنفع من الداء بعد حصوله، وتمنع من وقوعه وإذا وقع، لم يقع وقوعاً مضراً وإن كان مؤذياً. فقد ورد عن أبي هريرة أنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة! فقال: أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك [رواه مسلم].
الرقية من العين:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا " [رواه مسلم]. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: " رخّص في الرقية من الحمة والعين والنملة " [رواه مسلم]. والنملة قروح تخرج من الجنب وغيره من الجسد، ,لا نعرف إذا كانت توافق المصطلح الحديث _ الأكزيمة _ أم لا.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق " [رواه البخاري ومسلم].
و عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العين حق ونهى عن الوشم " [رواه البخاري ومسلم]
و عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم " [رواه الترمذي وقال: حديث غريب].
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم _ أو أمر _ أن تسترقي من العين " [رواه البخاري ومسلم]. وعنها أيضاً قالت: " كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين " [رواه أبو داود، قال الأرناؤوط: حديث حسن الإسناد]. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما [رواه البخاري].
و عن عامر بن ربيعة قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة فإن العين حق " [رواه الطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (الهيثمي)].
و عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سعفة فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة " [رواه البخاري ومسلم، السعفة: سواد في الوجه وقيل حمرة يعلوها سواد " وإن بها النظرة " أي أصيبت بالعين].
و عن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: " نعم، فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين " [رواه الترمذي وأحمد وابن ماجة بسند جيد (الأرناؤوط)].
قال ابن حجر: " العين نظر استحسان مشوب بالحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر. أما كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ قد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن إلى بدن المعيون. وقد نقل بعض من كان معياناً قوله: إذا رأيت شيئاً يعجبني وجدت حرارة تخرج من عينيّ. وإن الذي يتمشى مع عقيدة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر ثمّ هل هناك جواهر خفية أم لا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته أو نفيه. وقال ابن العربي: والحق أن الله يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يصرفه قبل وقوعه بالاستعاذة أو يضرفها بعد وقوعه بالرقية أو الاغتسال أو غير ذلك.
و قال ابن حجر: وفي قوله " العين حق " أي أن الإصابة بالعين شيء ثابت موجود، وقد أنكره طائفة مبتدعة.. فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لإنكاره معنى. " ونهى عن الوشم ". ظهرت لي مناسبة بالربط بين هاتين الجملتين، وهي أن من جملة الباعث على الوشم تغيير صفة الموشوم لئلا تصيبه العين. وفي قوله " لو كان شيء سابق للقدر " أي لو فرض أن شيئاً له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين لكنها لا تسبق فكيف غيرها. وقال النووي: وفي الحديث إثبات القدر وصحة أمر العين وأنها قوية الضرر.
وقال ابن القيم: ولا يمكن للعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام فإنه أمر مشاهد محسوس فأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرة شديدة إذا نظر إليه من يحتشمه ويستحيي منه، ويصفر صفرة شديدة عند نظر من يخافه إليه. وقد شاهد الناس من يسقم من النظر وتضعف قواه ... فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذىً بيناً ولهذا أمر الله سبحانه رسوله أن يستعيذ من شره.
و قال النسيمي: إن المعالجة النفسية لمن يبالغ في اعتقاده بالسحر أو بالإصابة بالعين يقرها العلمانيون من علماء النفس كما يقرها العلماء المسلمون. على أننا نعتقد استناداً إلى ما روينا من نصوص صحيحة بوجود أذى حقيقي لبعض أنواع السحر والإصابة بالعين. وما الرقى والتعاويذ والأدعية التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ ضرب من المعالجات النفسية، والتي تفيد المعيون وتصلح لوقاية الصحيح من الإصابة بالعين.
و من العلاج النبوي هذا قراءة المعوذتين وقد روينا الحديث عن البخاري في مطلع البحث. ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتُكيت؟ قال: نعن، فقال: باسم الله أرقيك من كل داء يؤذيك ومن شر كل نفس وعين، باسم الله أرقيك والله يشفيك، [رواه مسلم].
و من العلاجات النبوية للإصابة بالعين أن يُصَب ماء غسل العائن بعض أعضائه أو وضوئه على المعين من خلفه. قال ابن حجر: وقوله صلى الله عليه وسلم " إذا استغسلتم فاغسلوا " فيه إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معروفاً بينهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم. وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك وظاهر الأمر الوجوب.
و قال المازري: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت به العادة بالشفاء به فإنه يتعين.
و حديث " إذا استغسلتم فاغسلوا " لم يبين صفة الاغتسال، لكن وقعت في حديث عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن أباه حدثه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل وكان أبيض حسن الجسم فنظر إليه ربيعة بن عامر فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة. فلبط سهل. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيظ عليه فقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلاّ إذا رأيت ما يعجبك برّكت! ثم قال: اغتسل له. فغسل له وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخل إزاره في قدح ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلفه حتى رأسه وظهره. ففعل به ذلك فراح سهل مع الناس ما به بأس [رواه الإمام أحمد والنسائي وصححه ابن حيان، قوله " لبط " أي سقط من قيام وصرع: أي طرح على الأرض. وقوله " ألا برّكت " أي دعوت له بالبركة].
قال ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها ولا من فعلها مجرباً غير معتقد. هذا مع أن المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على الجسد ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة ...
و قال أيضاً: وإذا كان العائن يخشى ضرر عينيه وإصابتهما للمعين فليدفع شرهما بقوله: اللهم بارك عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعامر لما عان سهلاً " ألا برّكت " أي قلت له: بارك الله عليك. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن يرى ما يعجب من أخيه " فليدع له بالبركة ".
و مما يدفع به إصابة العين، أي إذا رأى شيئاً يعجبه من أخيه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله وذلك عملاً بقوله تعالى: {و لولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} [الكهف: الآية 39].
الرقية الخاصة بالألم:
عن عثمان بن أبي العاص أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده في جسده منذ أسلم فقال له: ضع يدك على الذي يتألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاث مرات وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر، [رواه مسلم]. وفي رواية الموطأ: " أعوذ بعزة الله وقدرته " قال: فقلت ذلك فأذهب الله ما بي.
و عن عائشة رضي الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى يقول: " اللهم رب الناس أذهب البأس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " [رواه البخاري ومسلم].
قال ابن القيم: ففي هذا العلاج من ذكر اسم الله والتفويض إليه والاستعاذة بعزة الله وقدرته من شر الألم يذهب به، وتكراره ليكون أنجع وأبلغ، وفي السبع خاصية لا توجد في غيرها.
و هكذا ففي الممارسة الطبية اليومية فإن الطبيب لا يألو جهداً في تسكين الألم عند مريضه ريثما يتم فعل الدواء المعطى لشفائه من مرضه الذي يسبب له الألم. ومن الآلام ما يكون مجرد عصابات نفسية ناتجة عن الإرهاق والقلق، أو من تخوف المريض من دائه الذي يعاني منه. وفي كل هذه الحالات فإن العلاجات النفسية ومنها الرقى ناجعة بالشفاء منها.
الرقية الخاصة بالأرق والمخاوف الليلية:
إن المجال الأكبر الذي وردت فيه الرقى النبوية إنما كان في معالجة الحالات والأمراض النفسية كالأوهام والقلق والخوف من الأمراض والإصابة بالعين أو السحر وغيرها، وما ينجم عن ذلك أحياناً من كوابيس أو أحلام مزعجة وأرق. وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءً يجعلنا في طمأنينة نفسية بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى حين قال: " إذا فزع أحدكم من النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده. ومن همزات الشياطين وأن يحضرون " فكان عمرو بن العاص يلقنها من بلغ من ولده. ومن لم يبلغ منهم، كتبها في صك ثم علقها في عنقه [رواه الترمذي وحسنه].
ويذكر الأطباء اليوم أن الأرق ينجم عن انشغال الذهن بهموم الأعمال اليومية وانفعالاتها أو عن مخاوف حياتية مختلفة، أو أنه يرافق بعض الشواشات العصبية. وإن تحويل الذهن عما يشغل ساحته من التفكير بالمكدرات إلى التفكير بعظمة الخالق والاستعانة والاستجارة به، إن ذلك يكسب المصاب بالأرق اطمئناناً وهدوءاً نفسياً يساعده على النوم ودفع الأرق.