السحر والرقية منه
قال تعالى: {و ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر} [البقرة: الآية 102].
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني ذريق يقال له لبيد بن الأعصم حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله. حتى إذا كان يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيت فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهم: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجُفِّ طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله في ناس من أصحابه فجاء فقال: يا عائشة كأن ماءه نقاعة الحناء وكأن رؤوس الشياطين. قلت: يا رسول الله أفلا نستخرجه؟ قال: قد عافاني الله فكرهت أن أثير على الناس شراً. فأمر بها _ أي البئر _ فدفنت، [رواه الشيخان].
و عن عائشة رضي الله عنها قالت: سُحِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنه كان ليخيل إليه أنه يأتي نساءه ولم يأتيهن، [رواه البخاري ومسلم] وقال سفيان [هو سفيان بن عينية أحد رواة الحديث]: وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اجتنبوا السبع الموبقات. وقال يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر ... " [رواه البخاري].
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: سَحَر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أياماً، فأتاه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك، عقد لك عقداً في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجها فحلها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما أنشط من عقال، [رواه النسائي،, قال الأرناؤوط: إسناده صحيح].
قال الدكتور سعيد رمضان البوطي: ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة ودليلهم حديث عائشة المتقدم، وذكر الله تعالى له في كتابه وأنه مما يتعلم وذلك لا يكون إلا فيما له حقيقة ما، وقوله سبحانه عنه: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به من بين المرء وزوجته} والتفريق بين المرء وزوجه شيء حقيقي كما هو معروف.
و ذكر القرطبي أن السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجود تركيبها وأوقاته، والحق أن لبعض أصناف السحر تأثيراً في القلوب كالحب والبغض، وفي الأبدان كالسقم والألم. ويعد ابن حجر للسحر أنواعاً فمنها ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعوذون من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، ومنها ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب التقرب إليها ومنها ما يحصل بمخاطبة الكواكب ز استنزال روحانيتهم بزعمهم.
و قال النووي: عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات ومنه ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا. وأما تعليمه وتعلمه فحرام. وعن مالك: الساحر كافر يقتل به حداً ولا يُستتاب.
و قال البوطي: ويستشكل على البعض كون السحر بحدّ ذاته حقيقة ثابتة، إذ هو فيما يتوهونه منافٍ لحقيقة التوحيد وانحصار التأثير لله وحده، والجواب على هذا الوهم هو أن اعتبار السحر حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثراً بذاته، بل كقولنا: السم له مفعول حقيقي ثابت. فهذا كلام صحيح لا ينكر، غير أن التأثير في كل هذه الأمور الثابتة إنما هو الله تعالى.
و في قوله تعالى عن السحر: {و ما هم بضاّرين به من أحد إلا بإذن الله} نفي التأثير الذاتي عن السحر، لكنه سبحانه أثبت في نفس الوقت مفعولاً للسحر ونتيجة منوطة بإذنه تعالى ويستشكل على البعض أيضاً أن يقال: إن رسول اله صلى الله عليه وسلم قد سُحر، وأن هذا كما يتوهمون يحط من قدر النبوة. والجواب أن السحر الذي أصيب به النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان متسلطاً على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده. فمعاناه صلى الله عليه وسلم من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي كان. ومعلوم أن عصمة الأنبياء تستلزم سلامته من الأمراض البشرية.
و قال ابن حجر: سلك النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب. ففي أول الأمر فوض وسلّم لأمر ربه فاحتسب الأجر في صبره على بلائه. ثم لما تمادى ذلك وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوي ثم إلى الدعاء، وكل من المقامين في غاية الكمال.
و ذكر ابن القيم: أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في علاج السّحر استخراجه وتبطيله. فقد صح في حديث البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم سأل ربه في ذلك، فدُلَّ عليه فاستخرجه من بئر فكان في مشط ومشاطة وجف طلع ذكر. فلما استخرجه ذهب ما به كأنما نشط من عقال، فهذان أبلغ ما يعالج به المطبوب. وقد أخرج الطبري عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأساً إذ كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، وكان الحسن يكره ذلك.
و قال ابن القيم: ومن أنفع علاجات السحر _ الأدوية الإلهية _ بل هي أدويته النافعة بالذات. فإن من تأثيرات الأرواح السفلية الخبيثة ودفع تأثيرها يكون بما يعارضها ويقاومها من الأذكار والآيات والدعوات التي تبطل فعلها وتأثيرها. فالقلب إذا كان ممتلئاً من الله مغموراً بذكره وله من التوجهات والأذكار والتعوذات وردَّ لا يخل به _ كان هذا من أعظم الأسباب التي تمنع إصابة السحر له ومن أعظم العلاجات بعدما يصيبه.
و لقد كان أهم ما رقى به رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه من السحر المعوذتان. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن حادثة سحر لبيد بن الأعصم للنبي صلى الله عليه وسلم هي سبب نزول المعوذتين: نزلت ليحل بقرائتها والاستعاذة بها العقد من سحره.
