روائع الطب الإسلامي
المصدر : موقع Sience leads to Islam
عرض للطباعة
روائع الطب الإسلامي
المصدر : موقع Sience leads to Islam
في التداوي
مقدمة
و يتضمن مباحث تؤكد دعوة الإسلام إلى التداوي وعدم التواكل وأن التداوي لا يتعارض مع التوكل، ومبحث النهي عن التداوي بالمحرمات، وجواز ذلك عند الضرورة، ومدى مسؤولية الطبيب عند معالجته لمرضاه، وضمان المتطبب الذي لم يعهد منه الطب أو تعلمه، وأخيراً في الآداب التي يفرضها الشارع الكريم على من يزاول المهن الطبية وأدب عيادة المريض وهكذا نجد في هذا الفصل المباحث التالية:
الأول: يا عباد الله تداووا.
الثاني: ولا تداووا بحرام.
الثالث: مسؤولية الطبيب في الشريعة الإسلامية.
الرابع: أدب الطبيب في ظل الإسلام.
روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص إذا اشتكى المحرم عينه أن يضمدها بالصبر. قال ابن جرير الطبري: وفي الحديث دليل على بطل ما يقوله ذووا الغباوة من أهل التصوف والعبّاد من أن التوكل لا يصح لأحد عالج نفسه بدواء، وإذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضرر والنفع، وفي إطلاق النبي صلى الله عليه وسلم للمحرم علاج عينه بالصبر أول دليل على أن معنى التوكل غير ما قال الذين ذكرنا قولهم وأن ذلك غير محرج فاعله عن الرضا بقضاء الله، لأن الله تعالى لم ينزل داءً إلا أنزل له دواء إلا الموت. وقد جعل أسباباً تدفع الأدواء، كما جعل الأكل سبباً لدفع الجوع.
يا عباد الله تداووا
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء " رواه البخاري، وفي رواية " من داء ".
و عن أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تداووا يا عباد الله فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء إلا داءً واحداً الهرم " أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي.
و عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لكل داءٍ دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى " رواه مسلم.
و عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما خلق الله من داء إلا وجعل له شفاء علمه وجهله إلا السّام، والسّام الموت " رواه ابن ماجة.
في هذه الأحاديث لإثبات للمداواة وحث عليها وتعريف بأنها سبب للشفاء، وأن الأدوية ليست سوى أسباب خلقها الله وسائل للشفاء والأخذ بسنة الله في كونه. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " علمه من علمه وجهله من جهله " حثٌّ للأطباء المسلمين على البحث والاستقصاء لاكتشاف أدوية للأمراض التي لم يعرف لها بعد دواء ناجع واستخراج أدوية أفضل من سابقتها. وفي تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل داء دواء تقوية لنفس المريض عندما يستشعر بنفسه وجود دواء لدائه يقوى به رجاؤه وترتفع معنوياته ويذهب توهمه الذي هو عدو آخر بعد المرض.
و قد علق النبي صلى الله عليه وسلم البرء بموافقة الدواء للداء، فللأدوية مقادير معينة تفعل بها يجب ألا تزيد عنها ولا تنقص. وفي هذا حث للأطباء المسلمين على زيادة معرفتهم ومهاراتهم في الطب وعلومه ليتسنى لهذه المعرفة أن تصيب الداء بالمقدار المناسب من الدواء.
و التداوي بصورة عامة سنة من سنن الإسلام، يشهد بذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله، وإذا حدث التباس فهو من فهم سقيم أو ناقص، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المبّلغ لشرع ربه قولاً وفعلاً:
أما أقواله صلى الله عليه وسلم فما أوردناه أعلاه، ونذكر منها ما رواه أسامة بن شريك قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له شفاء غير داء واحد. قالوا: ما هو؟ قال: الهرم.
كما أن وصفات النبي صلى الله عليه وسلم العديدة والتي سنذكرها على صفحات هذا الكتاب لتشير إلى مشروعية التداوي بل وسنيته. ومن ذلك إرسال النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأطباء إلى أصحابه. فقد ورد عن جابر رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه، رواه مسلم.
و أما فعله صلى الله عليه وسلم ففيه أحاديث كثيرة منها ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به، وما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه: رُمي سعد في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية، والمشقص سهم له نصل طويل.
فهذه الأحاديث تدل على أن التداوي سنة ة لقد اتفق العلماء على جوازه بل أن عموم الأمر بالتداوي يدل على أنه أعلى من مرتبة الإباحة فإن أقل مراتب: الندب.
و قد ذهب الشافعية إلى أن التداوي أفضل من تركه. وإلى هذا ذهب أربعة من كبار أئمة الحنابلة (ابن الجوزي وابن يعلى وابن عقيل وابن هبيرة) مخالفين إمامهم. وعزا النووي مذهب أفضلية التداوي إلى جمهور السلف وعامة الخلف. وذهب الحنفية والمالكية إلى أن التداوي مباح، لا بأس بالتداوي وتركه. وذهب ابن حنبل إلى أن ترك التداوي أفضل حيث يقول: العلاج رخصة وتركه أعلى درجة منه. والدليل عنده ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ادع الله أن يشفيني، فقال: إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت صبرت ولك الجنة. قالت: يا رسول اله لا بل أصبر وما أخرجه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " سبعون ألفاً من أمتي يدخلون الجنة لا حساب عليهم: الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون "
و يرى الكحال ابن طرخان أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتداوي، وأقل مراتب الأمر الندب والاستحباب ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يديم التطبب في حال صحته ومرضه. أما حال صحته صلى الله عليه وسلم فباستعمال التدبير الحافظ لها مثل الرياضة وقلة التناول من الطعام واكجال عينيه بالإثمد كل ليلة وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر بقوله: " أبردوا بها ". وأما تداويه عليه الصلاة والسلام فثابت بالأحاديث الكثيرة مما يثبت ما ذكرناه من تداوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومداومته تطببه في صحته ومرضه، ولم يداوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على الأفضل.
و يؤكد الدكتور النسيمي _ ونحن معه _ أن اختلاف السلف حول أفضلية التداوي إنما هو لواقع الطب في زمانهم من ضعفه وكثرة ظنياته. أما إذا نظرنا إلى ما توصل إليه الطب الحديث وإلى ما ورد من أحاديث في المداواة، ودعوة الإسلام أصلاً إلى حفظ النفس. فإننا نستطيع أن نقول أن التداوي تعتريه الأحكام الخمسة والله أعلم:
1. أنه مباح: في المباحات إذا لم يغلب على الظن فائدته. كما في مداواة معظم أنواع السرطانات وخاصة إذا انتشرت ولم تكافح في بدئها.
2. أنه مندوب: تجاه استعمال الأدوية التي يغلب على الظن فائدتها. سواء في شفاء المرض أو تلطيف أعراضه
3. أنه واجب: تجاه استعمال الأدوية قطعية الإفادة بإخبار الأطباء، إذا خاف المريض أو طبيبه أن يقعده المرض عن القيام بواجباته أو إذا خاف على حياته أو تلف عضو من أعضائه.
4. أنه مكروه: عند استعمال الأدوية المكروهة مع توفر الأدوية المباحة.
5. أنه محرمٌ: عند استعمال أدوية محرمة دون الاضطرار إليها.
و على هذا فإن المرض إذا علم يقيناً، أو بغلبة الظن بحصول الشفاء من المداواة وقد حكم الأطباء بأن حالته خطرة وأن حاجته للدواء أصبحت أمراً ضرورياً، وأنها كحاجته للطعام والشراب، بحيث لو تركه فقد جعل نفسه معرضاً للهلاك فإن إقدامه على المداواة يعتبر واجباً شرعياً يأثم بتركه.
و نص الشافعية على لسان الإمام البغوي: إذا علم الشفاء في المداواة وجبت، وقال ابن تيمية في مجال التداوي: وقد يكون منه ما هو واجب، وهو يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء.
و الرأي بأن التداوي تعتريه الأحكام الخمسة قال به حجة الإسلام الغزالي في (إحياء علوم الدين) كما رجحه ابن تيمية رحمه الله حين قال في فتاويه: والتحقق أن منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، وقد يكون منه ما هو واجب
و تعليقاً على الأدوية المحرمة يقول البغدادي:... ثم قد تكون العلة مزمنة ودواؤها موهوم ومن شرب دواءً سمياً أو مجهولاً فقد أخطأ لقوله صلى الله عليه وسلم: " من سمَّ نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم " متفق عليه.
التداوي والتوكل:
إن تناول العلاج لا ينافي التوكل، الذي هو في حقيقته ملاحظة القلب عند تعاطي الأسباب، بأن الفعال المطلق هو سبحانه وتعالى، وأنه هو الشافي وحده، إذ لا تأثير للدواء دون إذن منه سبحانه. وعلى هذا فإن تناول الدواء لا ينافي حقيقة التوكل، كما لا ينافي دفع الجوع بالأكل، بل إن حقيقة التوحيد وكمال اليقين لا تتم إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها. وإن تعطيلها يقدح في التوكل نفسه لأن في ذلك إهمالاً للأمر الشرعي بالتداوي.
و التداوي أيضاً لا يتنافى مع الإيمان بالقدر. فعن أبي خزامة قال: قلت يا رسول الله، أرأيت رقىً نسترقها ودواءً نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد قدر الله شيئاً؟ فقال: " هي من قدر الله " [رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح]. ففي هذا الحديث إبطال قول من أنكر التداوي متعللاً بالقضاء والقدر وبقول الله تعالى: {و إذا مرضت فهو يشفين} ويقال لأمثاله: إن قولك هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب المنفعة أو تدفع الضرر، وفي هذا خراب الدين والدنيا وفساد العالم. وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاندٌ له.
و في هذا المجال يقول البغدادي:... فالتسبب ملازم للتوكل فإن المعالج الحاذق يعمل ما ينبغي ثم يتوكل على الله في نجاحه ونعمائه، وكذلك الفلاح يحرث ويبذر ثم يتوكل على الله في نمائه ونزول الغيث. وقد قال تعالى: {خذوا حذركم}. وقال عليه الصلاة والسلام: " اعقلها وتوكل " رواه الإمام أحمد.
أما الإمام الغزالي فيقول: أما من ترك التداوي أو تكلم في تركها، كما يروى عن أبي بكر رضي اله عنه وبعض السلف، فالجواب بأمور:
الأول: أن يكون المريض تداوى فلم تفده الأدوية ثم أمسك، أو أن علته لم يكتشف لها دواء ناجع.
الثاني: أو أن يكون ما قاله لا ينافي التداوي وإنما هو تذكير بالقدر، أو أن يكون قد لاحظ في الحاضرين من يلقي اعتماده على الدواء فلا يتعلق قلبه بالله فكان جوابه جواب الحكيم.
الثالث: أن يكون المريض قد كوشف بقرب أجله. ة على أحد هذه الوجوه يحمل ما ورد عن أبي بكر لما قيل له: لو دعونا لك طبيباً فقال: الطبيب قد نظر إلي فقال:إني فعّال لما أريد.
الرابع: أن يكون مشغولاً بذكر عاقبته عن حاله، فقد قيل لأبي الدرداء: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قيل فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي، قيل: ألا ندعو لك طبيباً؟ فقال: الطبيب أمرضني. فقد تأولها الغزالي بأن تألم قلبه خوفاً من ذنوبه كان أكثر من تألم بدنه بالمرض.
و في تعليقه على حديث " لكل داء دواء " قال الإمام النووي: فيه إشارة إلى استحباب الدواء، وفيه ردٌّ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية محتجاً بأن كل شيء بقضاء الله فلا حاجة إلى التداوي، لأن التداوي أيضاً من قدر الله، وكالأمر بالدعاء وقتال الكفار.
مراجع البحث
الإمام الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).
الإمام النووي: عن كتابه (المجموع).
ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية).
الإمام ابن تيمية: عن كتابه (مجموع الفتاوى).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
ولا تداووا بحرام
عن أم الدرداء رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله خلق الداء والدواء فتداووا ولا تداووا بحرام " رواه أبو داود والطبراني ورجاله ثقات (مجموع الزوائد) عن أبي الدراداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل دواء فتداووا بحرام " رواه أبو داود.
عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " رواه أبو داود والطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد).
و عن وائل بن حجر رضي الله عنه أن طارق بن سويد: سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه _ أو كره أن يصنعها _ فقال: إنما أصنعها للدواء. فقال: " لا إنه ليس بدواء ولكنه داء " رواه مسلم. وفي رواية: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: عندنا أنبذة أنتداوى بها؟ قال: أهي مسكرة؟ قال: نعم، قال: إنها داء وليست بدواء، رواه مسلم والبيهقي.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل دواء خبيث كالسمّ ونحوه "، وفي رواية " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح.
قال الرازي: ومن معاني جعل لكم حكم، أي شرع كما في قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وسيلة ولا حام} فمعنى لم يجعل شفاء أمتي، أي لم يشرع استشفاء أمته فيما حرم الله.
قال ابن الأثير: إنما سمى الخمر داءً لما في شربها من الإثم. وقد يستعمل لفظ الداء في الآفات والعيوب ومساوئ الأخلاق، ألا تراه سمى البخل داءً؟
قال ابن الأثير: والدواء الخبيث يكون من جهتين: إحداهما النجاسة وهو الحرام كالخمر ونحوها، ولحوم الحيوان المحرمة وأرواثها وأبوالها، وكلها نجسة وتناولها حرام إلا ما خصصته السنة من أبوال الإبل، والجهة الأخرى من جهة الطعم والمذاق. ولا ينكر أن يكون كره ذلك لما فيه من المشقة على الطباع وكراهية النفوس لها.
قال ابن القيم: وإنما حرّم على هذه الأمة ما حرم لخبثه، وتحريمه حمية له وصيانة عن تناوله فلا يناسب أن يطلب به الشفاء من الأسقام والعلل، فإنه إن أثر في إزالتها لكنه يعقب سقماً أعظم منه في القلب بقوة الخبث الذي فيه... وأيضاً فإن إباحة التداوي به، ولا سيما إذا كانت النفوس تميل إليه ذريعة إلى تداوله للشهوة واللذة ولا سيما إذا عرفت النفوس أنه نافع لها مزيل لأسقامها والشارع سدّ الذريعة إلى تناوله بكل ممكن...!
و الحقيقة التي لا يشك فيها منصف أن الله سبحانه وتعالى لم يحرم شيئاً على هذه الأمة إلا وقد أثبت الطب ضرره البالغ على الجسم يفوق ما له من فائدة، إن وجدت له مثل هذه الفوائد. وإذا كان المحرم يملك خاصية دوائية معينة قد تفيد في إصلاح بعض العلل، إلا أنه يملك غلى جانب ذلك آثار ضارة تهدد كيان وصحة هذا البدن تفوق المنفعة المرتقبة من تناوله. فالدواء المحمود هو الذي يفيد في العلة وتكون أعراضه الجانبية قليلة أو معدومة. أما الدواء الخبيث ومنه الخمر الذي أبطل الطب الحديث تداوله في التداوي في منتصف هذا القرن وألغي نهائياً من مفردات الطب.
و تفيد الأحاديث التي أوردناها تحريم التداوي بالمحرمات في شرعنا الحنيف. وإن نهي الرسول صلى الله عليه وسلم القاطع بذلك أدّى إلى اتفاق، بل وإجماع الأئمة المجتهدين على ذلك. إلا أن هناك حالات قد لا يجد الطبيب أمامه إلا (دواءً محرماً) يمكن أن ينقذ مريضه من محنته المرضية فما هو حكم الشرع في ذلك؟
قال تعالى: {و ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}.
و قال تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير... إلى قوله: فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم}.
و قال تعالى: {إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم}.
تدل هذه الآيات الكريمة على أن المشرع الحكيم قد استثنى حالات الضرورة من التحريم وأطلقها من غير قيد ولا شرط ولا صفة، فاقتضى وجود الإباحة بوجود الضرورة. سواء كان ذلك للتغذّي في حالة المخمصة أو للتداوي في حالة المرض. ويعرف علماؤنا الضرورة بأنها الحالة المحدقة بالإنسان في ظروف سيئة تحمله على ارتكاب المحرم من أجل المحافظة على نفسه من الهلاك أو لدفع أذىً لا يتحمله، إما يقيناً أو ظناً. وعلى هذا فإن المريض إذا خاف على نفسه، أو الطبيب المسلم على مريضه، من الهلاك أو تلف عضو، أو بلغ به من الألم حداً لا يحتمل، ولم يجد دواء مباحاً ينقذه من علته، جاز له أن يستعمل، أو أن يصف الدواء المحرم إذا غلب على ظن الطبيب الحاذق فائدته.
و لقد اتفق أئمة المذهب الحنفي والشافعي على إباحة التداوي بالمحرمات عند الضرورة، عدا المسكرات، وتلكم الأدلة:
1. لقد أجاز الله سبحانه وتعالى للمحرم بالحج أن يحلق رأسه إذا اضطر إلى ذلك لأذى في رأسه مع أن الحلق من محرمات الإحرام. قال تعالى: {فمن كان به أذى من رأسه ففدية....} [البقرة: الآية].
2. رخص النبي صلى الله عليه وسلم لصحابيين جليلين في لبس الحرير وهو محرم على الرجال لحكة كانت بهما. عن أنس بن مالك: " رخصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في لبس الحرير لحكة كانت بهما " رواه البخاري ومسلم.
3. رخصّ النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال الذهب في التداوي حالة الضرورة كستر عيب أو إزالة تشوه. عن عرفجة بن أسعد: " أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية فاتخذت أنفاً من ورق فأنتن علي فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتخذ أنفاً من ذهب " رواه الترمذي وحسنه.
4. رخص النبي صلى الله عليه وسلم لرهط عرينة التداوي بأبوال الإبل (راجع البحث في مكان آخر من الكتاب).
و لقد ذهب المالكية والحنابلة إلى منع التداوي بالمحرمات لعموم الحديث " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " وبقطع النظر عن خصوص السبب، لورود الحديث في معرض حادثة السؤال عن التداوي بالمسكر، كما علله الحنفية والشافعية.
و لقد اتفق الجمهور على تحريم التداوي بالمسكرات سواءً كان ذلك بضرورة أو لا، غير أن الحنفية استثنوا حالة الضرورة وتعين الشفاء بالمسكر وحده، وذلك استناداً إلى عموم الآية: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد...}.
و لقد أشار النووي إلى أن المعتمد عند الشافعية تحريم التداوي بالخمر _ أي تجرعه وشربه للتداوي _ أم تطبيقه على الجلد كعلاج خارجي عند الضرورة فقد أجازه النووي في فتاويه المسماة بالمسائل المنثورة.
و قيد بعض الشافعية حرمة التداوي بالخمر إذا كانت صرفة وغير ممزوجة بشيء آخر تستهلك فيه. فإذا استهلكت فيه جاز التداوي بشرط إخبار طبيب مسلم عدل وبشرط أن يكون المستعمل قليلاً لا يسكر [كما في مغني المحتاج في شرح المنهاج للشربيني الخطيب]. أو بحيث لم يبق فيه طعم ولا لون ولا ريح [كما في إعانة الطالبين].
و كلمة (استهلاك المسكر في الدواء) تعني تغير تركيبه بتفاعله مع الأدوية الأخرى المشاركة في تكوين الدواء , أو باستهلاك التأثير المسكر بغلبة تأثير المواد الأخرى بحيث لا يمكن السُّكر بذلك الدواء. وعلى هذا يشترط لشرب الأدوية المهيأة بالغول أو الخمر ثلاثة شروط:
1. أن يضطر المريض إلى ذلك الدواء لفقدان دواء مباح آخر يعادل بفائدته الدواء المحضر بالغول Alcohol.
2. أن لا تؤدي الجرعة الدوائية لعوارض السُّكر الأولي.
3. أن يكون السُكر بالمقدار الكبير غير ممكن أيضاً لأن زيادة مقدار الجرعة الدوائية إلى ذلك الحد تؤدي إلى حصول الضرر بالعقارات الأخرى المشاركة قبل حدوث السُّكر به، أي أن تأثير الأدوية المشاركة يغلب تأثير الخمر أو الغول فأصبحت الخمر بذلك مستهلكة فيذلك الدواء.
و على هذا لا يجوز مطلقاً عند الشافعية التداوي بالخمر صرفاً أو بما يسمى بالخمر والدوائية. أو الأدوية التي يدخل الغول في تركيبها لإصلاح الدواء او منعه من الفساد أو لتسهيل إذابته أو من أجل استخلاص الخلاصة الدوائية من النبات فجائز ضمن الشروط السابقة، وأن يتحقق من ذلك طبيب مسلم عدل.
و من أمثلة الضرورة على التداوي بالمحرمات، استعمال المخدرات في العمليات الجراحية أو لتسكين الآلام غير المحتملة، واستعمال الذهب في طبابة الأسنان وغيرها للعلاج دون التجميل، واستعمال بعض الهرمونات المستخلصة من أعضاء الخنزير إذا لم يكن لها نظير مستخلص من أعضاء البقر أو غيره من الحيوانات المباحة، وإسعاف النازفين بنقل الدم والاستفادة من أعضاء الموتى في عمليات الزرع إلى غير ذلك.
التدرج في ترك المسكرات لدى توبة المدمن:
يعرف الدكتور فيصل الصباغ المدمن على الخمر بأنه الشخص الذي لا يمكنه الاستغناء عن تناوله والذي يستحيل عليه القيام بعمل اليوم والغد دون أن يشرب. بينما الشارب المعتدل فهو الذي يمكنه أن يحدد ما يستهلكه من الشراب، والذي لا يشرب بصورة منتظمة والذي لا يعتمد على المشروب للهرب من واقع مؤلم أو لتغطية قلق مزعج.
و المقرر بدون خلاف شرعاً أن توبة غير المدمن تكون بترك المسكرات فوراً وبشكل كامل أما المدمن عليها، والذي سلبت إرادته تحت وطأة الاعتياد عليها، فإن الدكتور النسيمي يرى أن توبته مع التدرج بترك المسكر مقبولة شرعاً، إذا نوى الترك وعزم عليه وأخذ يتدرج بتنقيص المقدار الذي يتناوله، وبإطالة الفترة بين تعاطي مشروبين لأن الترك القطعي دون تدرج ودون إشراف طبي يؤدي إلى هذيان ارتعاشي عند المدمن وإلى حالة تشبه الجنون. ويستدل على ذلك بأن الإسلام كان قد تدرج في التحريم على الأمة فحرم على المسلم أن يقرب الصلاة سكراناً فأخذ الناس يقللون من شرب الخمور حتى لا تفوتهم صلاة مكتوبة، وهكذا إلى أن تخلص المسرفون من إدمانهم وأصبح بالإمكان تحريم الخمر مطلقاً.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).
3. عبد الرحمن الجزيري: عن كتابه (الفقه على المذاهب الأربعة).
4. الإمام الرازي: عن كتابه (تفسير الإمام الرازي).
5. وهبة الزحيلي: عن كتابه (نظرية الضرورة الشرعية).
6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
7. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
8. دكتور فيصل الصباغ: عن كتابه (محاضرات في أمراض التغذية والتسممات).
مسؤولية الطبيب في الشريعة الإسلامية
روى الإمام مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا ضرر ولا ضرار ".
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من تَطبَّبَ ولم يعلم منه طِبٌّ فهو ضامن " رواه أبو داود، وصححه الحاكم والذهبي.
و قال الإمام الخطابي: لا أعلم خلافاً في المعالج، إذا تعدّى، فتلف المريض، كان ضامناً. والمتعاطي علماً لا يعرفه متعدٍّ.
و قال الإمام ابن رشد الحفيد: وأجمعوا على أن الطبيب إذا أخطأ لزمته الدية، مثل أن يقطع الحشفة في الختان وما أشبه لأنه في معنى الجاني خطأ.
إنه لمن نافلة القول أن نؤكد أن الشريعة الإسلامية قد سبقت التشريعات الحديثة كلها في إرساء قواعد المسؤولية الطبية بما يكفل حماية الطبيب ويحفظ حقوق المريض ويشجع على تطوير المنهج العلمي للمهمة الطبية.
و إذا كان الطب منذ نشأته في عصور ما قبل التاريخ ممتزجاً بالسحر والخرافات، فقد كان الاعتقاد الشائع أن المرض ينجم عن تمكن الشيطان من البدن، وإذا مات المريض فهذا يعني أن الشيطان قد تغلب، فلا مجال للبحث حينئذ عن مسؤولية الطبيب.
و عند الفراعنة كانت الأمور العلاجية محصورة في السفر المقدس وكان على الطبيب الالتزام بها، فإذا خالفها وتوفي المريض دفع الطبيب رأسه ثمناً لذلك. وعند البابليين تضمن قانون حمورابي قواعد مشدَّدة لمحاسبة الأطباء قد تصل إلى قطع يد الطبيب إذا تسببت لفقد عضو عند رجل حر.
و عند الإغريق وبعد أن جاء أبقراط ليخلص الطب من كثير من الشعوذة، كان يجبر تلاميذه على أداء قسمه المعروف، غير أنه لم يكن ليرتب على هذا القسم أي مسؤولية قانونية بقدر ما كان التزاماً أدبياً، إذ لم تكن أية مسؤولية جزائية على الأطباء عندهم. وعند الرومان كانوا يعتبرون جهل الطبيب أو خطأه موجبان للتعويض إلا أن العقاب كان يختلف بحسب المركز الاجتماعي للمريض، فموت المريض قد يؤدي إلى إعدام الطبيب أو نفيه.
و في العصور الوسطى في أوربا، كان إذا مات المريض بسبب إهمال الطبيب أو جهله يسلم إلى أسرة المريض ويترك لها الخيار بين قتله أو اتخاذه رقيقاً.
و جاء الإسلام بدعوته إيذاناً ببدء عصر جديد تحكمه قوانين عادلة أنزلت من عند الإله الحق سبحانه وتعالى حيث أرسى محمد صلى الله عليه وسلم قواعد، ما تزال حتى اليوم هي الأمثل في تنظيم العلاقة بين الطبيب ومريضه، وبمقتضى المنطق والعدل. ومن الحق أن نذكر أن فقهاء المسلمين اعتبروا العلم بالنفس وأحوالها أساساً في علم الطب حيث يقول ابن القيم: لا بد أن يكون للطبيب خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها فذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته عن القلب والنفس أمرٌ مشهود. والطبيب إذا كان عارفاً بأمراض القلب والروح هو الطبيب الكامل. والذي لا خبرة له بذلك، وإن كان حاذقاً في علاج الطبيعة وأحوال البدن، نصف طبيب. وكل طبيب لا يداوي العليل بتفقد قلبه وصلاحه وتقوية روحه فليس بطبيب، بل متطبب قاصر...
و باعتبار أن التطبيب ضرورة تحتاج إليها الجماعة فقد جعل الشارع دراسة الطب وممارسته من فروض الكفاية وبهذا سبقت الشريعة الإسلامية أحدث التشريعات الوضعية لأنها تلزم الطبيب أن يضع مواهبه في خدمة الجماعة.
يقول عبد الستار أبو غدّة: وباعتبار التطبيب واجباً كفائياً يقتضي ألا يكون الطبيب مسؤولاً عمل يؤدي إليه عمله قياماً بواجبه، لأن القاعدة أن الواجب لا يتقيد بشرط السلامة لكن لما كانت طريقة أداء هذا الواجب متروكة لاختيار الطبيب وحده كان ذلك داعياً للبحث عن مسؤوليته عن نتائج عمله إذا أدى إلى نتائج ضارة بالمريض.
يقول العّلامة محمد أبو زهرة: ونظراً لصعوبة تمييز الخطأ الذي يحدث منه تلف النفس أو العضو أصدر عن جهل الطبيب وإهماله أم صدر عما لا يمكن تقديره والاحتياط له، لذلك اختلف الفقهاء في تضمين الطبيب مغارم مالية عند حصول الضرر أو التلف وتضاربت أقوالهم في ذلك لأنه يتنازع نظر الباحث أمران كلاهما واجب للرعاية:
أولاهما: أن ترتيب مغارم مالية على خطأ الطبيب قد يؤدي إلى إحجام الأطباء عن المعالجة إذا لم يكونوا مستيقنين بالنتائج القطعية لعلاجهم لكيلا يتعرضوا للمغارم. كما أن كثيراً من الأخطاء يتكون عند رغبة الإنقاذ فكيف يغرم من يحتسب تلك النية؟ ثم أن عمل الطبيب واجب شرعي، ومن يقع في خطأ أثناء قيامه بالواجب لا يسأل عنه إلا إذا كان قد قصّر، فيؤاخذ على تعديه بالتقصير لا على الخطأ. والتقصير والخطأ نوعان مختلفان: إذ الأول فيه عدوان والثاني لا عدوان فيه.
ثانيهما: أن إتلاف النفس أو العضو أمر خطير في ذاته، وإن قد يكون نتيجة أن الطبيب قد أقدم على ما لا يحسن، طمعاً في المال من غير تقدير للتبعية، وقد يكون ممن يحسن لكنه قصر في دراسة المريض، وإنما أذن المريض أو الولي رجاء العافية لا لتعجيل المنية. ومن أخطأ فيما كُلِّف وكان خطؤه يمكن تلافيه بالحذر والحرص فقد قصَّر، ومن قصر وأتلف بتقصيره استحق العقاب...
و قد أجمع الفقهاء على وجوب منع الطبيب الجاهل (المتطبب) الذي يخدع الناس بمظهره ويضرهم بجهله. يقول الإمام أحمد: إذا قام بأعمال التطبب شخص غير حاذق في فنه فإن عمله يعتبر محرماً، كما اجمعوا أن المتطبب الجاهل إذا أوهم المريض بعلمه فأذن له بعلاجه فمات المريض أو أصابه ضرر من جراء هذا العلاج فإن الطبيب يلزم بالدية أو بتعويض التلف، لكن ينفون عنه القصاص لوجود الإذن. أما إذا كان المريض يعلم أن هذا المتطبب ليس من صناعته الطب ثم سلّم نفسه له بعد ذلك، ففي هذه الحال لا ضمان لأن المريض هنا مغتر لا مغرور.
يقول أبو زهرة: ونتكلم الآن في الضرر الذي يلحق المريض، والذي يقع من الطبيب الحاذق أو يقترن بعلاجه. وهذه حالة قسمها الفقهاء إلى أربعة أقسام:
الأول: أن يكون موت المريض أو تلف عضو منه بسبب أمر لم يكن في الحسبان. ولم يكن باستطاعة الطبيب، مع حذقه، تقديره والاحتياط له، وهذا لم يكن بحال نتيجة خطأ وقع من الطبيب أو تقصير منه يمكن أن يُعَدَّ. فالطبيب هنا لم يكن به تقصير يجعله مسؤولاً على أي حال. فقد اتفق الفقهاء على أن الموت أو الضرر إن جاء نتيجة لفعل واجب مع الاحتياط وعدم التقصير لا ضمان فيه، كمن يموت عند إقامته الحدَّ المقرر شرعاً، لأن ذلك في سبيل القيام بالواجب الديني، ولا تقصير فيكون التعدي الموجب للضمان، ولا خطأ، فيعد قتل إنساناً خطأً لتجب الدية ولأنه لو وجب الضمان هنا لكان فيه تعويق للأطباء عن القيام بواجبهم.
الثاني: أن يكون التلف قد أصاب العضو أو الجسم بسبب خطأ عملي وقع فيه الطبيب كأن يحتاط الجراح كال الاحتياط ولكن تسبق يده إلى غير موضع العلاج فينال الجسم كله أو عضواً منه بتلف، وفي هذا يكون الضمان بلا ريب، لأنه إن أصاب الجسم كله بتلف كان قتلاً خطأ. وفي مذهب ابن حنبل خلاف: أيكون الضمان في بيت المال أم في مال الطبيب؟ ووجه الرواية التي تقول في مال الطبيب أن الأصل أنها تكون على عاقلته. وإن لم تكن له عاقلة كانت في ماله. أما الرواية التي تقول أنها في بيت المال فهي تعتبر أن خطأ الطبيب كخطأ القاضي والحاكم لأن أولئك نصبهم ولي الأمر للنفع العام فكان ضامناً لأخطائهم التي لم تكن نتيجة تقصيرهم الشخصي بل لسبق القدر فيما يفعلون.
الثالث: تلف الجسم بسبب خطأ في وصف الدواء، لكن الطبيب قد اجتهد وأعطى الصناعة حقها ولكنه ككل مجتهد يخطئ ويصيب وقد أدى خطؤه إلى موت نفس بشرية. وفي هذه الحال يكون الضمان ثابتاً وه وبالدية على قتل كان خطأ. وهنا أيضاً روايتان عند ابن حنبل أحدهما أن تكون الدية على عاقلة الطبيب والثانية أن تكون في بيت المال.
الرابع: في الأقسام الثلاثة السابقة كان التطبيب بإذن من المريض أو من يتولى أمره. أما إذا كان الخطأ أو التقصير على أية صورة من الصور السابقة بغير إذن من المريض أو وليه فالفقهاء متفقون على أن الضمان يكون ثابتاً لأنه فعل أدى إلى هلاك النفس أو عضو فيها بغير إذن من وليها فيكون مسؤولاً عنها والضمان على العاقلة.
و يستحسن ابن القيم أن لا يكون الضمان على الطبيب في هذه الحال، ولعله يرى الضمان في بيت المال. ويعلل ذلك بقوله: يحتمل ألا يضمن مطلقاً لأنه يحسن _ وما على المحسنين من سبيل _ وأيضاً فإنه إذا كان متعدياً فلا أثر لإذن الولي في إسقاط الضمان، وإن لم يكن متعدياً فلا وجه لضمانه فإن قلت هو متعدّ عند عدم الإذن، غير متعدّ عند الإذن، قلت: العدوان وعدمه يرجع إلى فعله فلا أثر للإذن وعدمه.
و هذه العبارة تؤدي في نتيجتها إلى أن ابن القيم لا يرى أيّ ضمان على الطبيب الحاذق إذا أدى الصناعة على وجه الكمال ثم جاء ما ليس بالحسبان،؟ أو سبق القدر فتعدت يده موضع الداء أو أخطأ في وصف الدواء، فلا فرق فيذلك في أن يكون العلاج بإذن من المريض أو من وليه أو بغير إذن من أحد. لأنه في حال الإذن ممكن من صاحب الشأن وفي حال عدم الإذن متبرعٌ بفضل ويقوم بحق الدين فلا ضمان. إنما مناط الضمان هو كون الفعل جاء على وجهه أو لا. وما دام قد أتى بالفعل على وجهه أو بذل غاية جهده، جهد العالم الحاذق، فلا ضمان عليه ولا على عاقلته.
و يؤيد أبو زهرة رأي ابن القيم إلا أنه يميل إلى أن يكون الضمان في بيت مال المسلمين حتى لا يضيع دم مسلم خطأ. والقرآن يصرح بأن دم المسلم لا يذهب خطأ قط {و ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ...}. وإن من تشجيع الطب والصناعة الطبية أن لا يكون الضمان في مال الطبيب بل يكون في بيت مال المسلمين فنكون قد جمعنا بين النص القرآني وبين تشجيع البحث والعلاج.
قيس بن محمد آل الشيخ مبارك، وفي دراسته المستفيضة عن المسؤولية الطبية في الفقه الإسلامي والتي فصل موجباتها في عشرة أمور:
1. العمد:
وهو أن يحصل من الطبيب أمرٌ محظور يفضي إلى هلاك المريض أو أحد أعضائه ويكون قصده من هذا العمل إذاية المريض ومساءته كأن يصف له دواء ساماً بقصد إهلاكه وهذه تعتبر من قبل جناية العمد التي توجب القصاص. وهذا أمر يندر حصوله من الأطباء.
2. الخطأ:
كأن يخطئ في تشخيص المرض ومن ثم في وصف الدواء أو يقدر الحاجة لإجراء عملية جراحية ثم يتبين بعد العمل الجراحي أن المريض كان في غنىً عنها أو تزِّل يد الجراح فيتجاوز الموضع المحدد لجراحته ولا شك أن الطبيب يعتبر مسؤولاً عن خطئه وعن الضرر الناجم عن ذلك الخطأ. إلا أن موجب الخطأ أخف من موجب العمد لعدم وجود قصد التعدي عند المخطئ لذا تميز عن العمد بعدم وجوب القصاص وإن اشترك معه في وجوب الضمان. كما أن الخطأ وإن كان موجباً للمسؤولية الدنيوية غير أن صاحبه لا يأثم عند الله تبارك وتعالى.
3. مخالفة أصول المهنة الطبية:
ذلك أن إقدام الطبيب على معالجة المرضى على غير الأصول المعتبرة في علم الطب يحيل عمله من عمل مشروع مندوب إليه إلى عمل محرم يعاقب عليه. وقد بين الفقهاء أن اتباع الأصول المعتبرة عند أهل الصنعة يعتبر واجباً على الطبيب وعلى هذا فهو مسؤول عن الأضرار الناتجة عن مخالفته لهذا الواجب.
4. الجهل:
كأن يكون المتطبب دعياً على صنعة الطب وإنما غرَّ المريض وخدعه بادعاء المعرفة أو أن تكون له معرفة بسيطة لكنها لا تؤهله لممارسة هذا الفن _ كطالب الطب مثلاً _ أو أن تكون له معرفة في فن من فنون الطب ثم يتصدى لممارسة العمل في تخصص آخر. ويعتبر المتطبب في كل هذه الحالات مسؤولاً، إذ أجمع الفقهاء على تضمين الطبيب الجاهل ما تسبب في إتلافه بجهله وتغريره للمريض " من تطبب ولم يعلم منه قبل ذلك طب فهو ضامن ".
5. تخلف إذن المريض:
إن ما متع الله به الإنسان من أعضاء ومنافع يعتبر حقاً له لا يجوز أن يتصرف فيها غيره إلا بإذنه، وعليه فلا يجوز للطبيب ولا لغيره أن يقدم على مباشرة جسم الإنسان من فحص أو معالجة أو جراحة إلا بعد حصوله على إذن معتبر من المريض، أو من وليه إن لم يكن أهلاً للإذن كالصغير والمجنون والمغمى عليه. وقول الجمهور في المذاهب الأربعة أن الضمان لا يسقط عن الطبيب الذي عالج بدون إذن المريض. ففي الفتاوى الهندية: أما إذا كان بغير إذن فهو ضامن سواء تجاوز الموضع المعتاد أو لم يتجاوز. وخالف ابن القيم وابن حزم فاعتبرا أن لا ضمان إلا في الخطأ.
6. تخلف إذن وليِّ الأمر:
و هو هنا الحاكم الذي يرعى مصالح الأمة ويمثله في هذه الأيام في منح الإذن بمزاولة الطب: وزارة الصحة. وعلى هذا يعتبر الطبيب مسؤولاً عن عدم التزامه بالحصول على الإذن المذكور، غير أن إذن ولي الأمر لا يرفع عن الطبيب المسؤولية لو لم يكن مؤهلاً لذلك.
7. الغرور:
و هو لغة الخداع، ويعتبر الطبيب خادعاً _ غاراً _ عندما يصف للمريض دواءً ضاراً أو لا يحتمله جسمه أو لا يفيده في حالته تلك، فيتناوله المريض مخدوعاً بطبيبه. ويعتبر الطبيب مسؤولاً عن الأضرار المترتبة على تغريره بالمريض.
8. رفض الطبيب للمعالجة في حالات الضرورة _ الإسعاف _:
ففي التاج والإكليل من كتب المالكية: واجب على كل من خاف على مسلم الموت أن يحييه بما قدر عليه، ونقل محمد أبو زهرة الاتفاق على أن من كان معه فضل زاد وهو في بيداء وأمامه شخص يتضور جوعاً يكون آثماً إذا تركه حتى مات. وحيث أن المريض المشرف على الهلاك نظير الجائع في البيداء فإن إسعافه يعد أمراً واجباً عند جمهور الفقهاء، وعلى ذلك فإن من حق المريض أن يجبر الطبيب على إسعافه إذا كان في مقدور الطبيب أن يسعفه وكان المريض مضطراً إلى ذلك.
9. المعالجات المحرمة:
ليس مما أباح الله للإنسان أن يعرض منافعه للهلاك والتلف حتى يقدم عليه. وكما لا يحق للمريض ذلك، فإن إذنه للطبيب بإتلاف نفسه أو شيء منها، لا يجيز للطبيب استباحة شيء من ذلك والعبث فيه، فالشريعة الإسلامية لا تجيز للمريض أن يأذن بهذا ولا يجعل لإذنه اعتباراً في إسقاط المسؤولية عن الطبيب في إقدامه إلى قتل المريض ولو كان ذلك بدافع الشفقة عليه.
10. إفشاء سِرّ المريض:
إن طبيعة عمل الطبيب وما فيها من مباشرة لجسم المريض عامة أن يطلع على عورات وأشياء يختص بها المريض ولا يُحِّب أن يطلع عليها أحد سواه، ولولا قسوة المرض وشدة وطأته على المريض لما باح بشيء من أسراره للطبيب. فينبغي على الطبيب حفظ الأمانة التي استودعتها إياه مريضه " والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون ".
ثم إن إفشاء سر المريض، إن كان فيه إضرار للمريض، لا شك في حرمته، وحين ينفي الضرر عنه، فإنه وإن لم يحرم، فهو مكروه، وإن الضرر الذي يمكن أن يلحق بالمريض، يجعل الطبيب مسؤولاً عن إفشاء سره. ولا يستثنى من ذلك إلا ما تدعو إليه الضرورة من ذلك للمصالح العامة كأن يعلم الطبيب أن مريضه الطيَّار مثلاً مصاباً بالصرع وأن هذا لا يسمح له بقيادة الطائرة وتعريض حياة الناس للخطر فيجب الإبلاغ عنه وعدم الستر عليه، وطبعاً فإن الضرورة تقدر بقدرها، فلا يجوز له الإباحة بأكثر من ذلك.
و خلاصة القول فالطبيب الحاذق لا يسأل عما يلحق مريضه من ضرر إذا توفرت الشروط التالية:
1. المعرفة الطبية المشهود له فيها.
2. إذن ولي الأمر.
3. إذن المريض أو وليه.
4. أن يعمل وفق الأصول الطبية المرعية بقصد العلاج.
5. ألا يقع في خطا جسيم يستوجب المسؤولية
كل هذا مع افتراض أن الطبيب الحاذق لم يقصر ولم يهمل العناية بمريضه. إلا أن الواقع يرينا أن الطبيب قد يقصر ولا يجتهد وقد صارت النفس البشرية وديعة بين يديه، وهذا كثير الوقوع في المشافي العامة التي يلجأ إليها الفقراء. فترى كثيراً من الأطباء مهملون، متقاعسون عن إسعاف المرضى، وتنبعث الشكاوي في أنات من صدور المرضى وفي أرواح تفيض إلى بارئها وهي تشكو ظلم هؤلاء الأطباء وتقصيرهم. وقد في تقع بعض العيادات الخاصة لطبيب يزدحم عليه المرضى، فيلقي النظرة العابرة ويكتب الدواء عاجلاً والذي قد يكون معجلاً للمنية.
إن قواعد الفقه كلها توجب الضمان على أمثال هؤلاء الأطباء لأن التقصير تعدّ على الأرواح فيكون الضمان من التعدي. وقد أجمع الفقهاء على أن الضمان يكون عند التعدي وأجمعوا أن التقصير من التعدي. ولا مناص من عقاب الله في الآخرة بعد عقاب الدنيا والله تعالى يتولى الآثمين ويعاقبهم على تعديهم وتقصيرهم، كما يتولى المحسنين بإحسانهم.
{إنَّا لا نضيع أجر المحسنين}.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. محمد أبو زهرة: عن مقالة له (المسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية)، مجلة لواء الإسلام العددان 11 و12 لعام 1949.
3. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية) دمشق: 1991.
4. محمد فؤاد توفيق: عن مقالة له عن (المسؤولية الطبية): في أعمال المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي. الكويت: 1981.
5. عبد الستار أبو غدة: عن مقالة له عن (فقه الطبيب وأدبه) في المصدر السابق نفسه.
6. أبو حامد الغزالي: عن كتابه (إحياء علوم الدين).
7. أسامة عبد الله قايد: عن كتابه (المسؤولية الجنائية للأطباء) مصر: 1987.
أدب الطبيب في ظل الإسلام
يحتاج الطبيب من وجهة نظر الشارع الإسلامي إلى مجموعة من الصفات، كي يكون مؤهلاً لتأدية واجبه الطبي على الوجه الأكمل. ومع أن القيام بهذه المهمة واجب كفائي إلا أن علماءنا اعتبروها من أشرف المهن لارتباطها بحفظ النفس وحسن أداء الإنسان لمهمة استخلافه في هذه الأرض. بيد أنهم جعلوا ذلك رهين شرطين اثنين:
أولهما أن تمارس المهنة بكل إتقان وإخلاص.
ثانيهما أن يراعي الطبيب بسلوكه وتصرفاته الخلق الإسلامي القويم.
و قد جمع الدكتور شوكت الشطي صفات الطبيب الحاذق التي تتطلبها الشريعة الإسلامية عن مؤلفات الطب الشرعية في عشرة صفات:
1. على الطبيب أن يُلِّم بأسباب المرض والظروف التي أحاطت به بما في ذلك النظر في نوع المرض ومن أي شيء حدث والعلة الفاعلة التي كانت سبب حدوثه.
2. الاهتمام بالمريض وبقوته والاختلاف الذي طرأ على بدنه وعاداته.
3. أن لا يكون قصد الطبيب إزالة تلك العلة فقط، بل إزالتها على وجه يؤمن معه عدم حدوث علة أصعب منها. فمتى كانت إزالتها لا يؤمن معه حدوث ذلك أبقاها على حالها وتلطيفها هو الواجب.
4. أن يعالج بالأسهل فالأسهل فلا ينتقل من العلاج بالغذاء إلى الدواء. إلا عند تعذره. ولا ينتقل إلى الدواء المركب إلا عند تعذر الدواء البسيط.
5. النظر في قوة الدواء ودرجته والموازنة بينها وبين قوة المرض.
6. أن ينظر في العلة هل هي مما يمكن علاجها أم لا؟ فإن لم يكن علاجها ممكناً حفظ صناعته وحرمته ولا يحمله الطمع في علاج لا يفيد شيئاً.
7. أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان فإن انفعال البدن وطبيعته وتأثير ذلك في النفس أمرٌ مشهور.
8. التلطف بالمريض والرفق به
9. أن يستعمل علاجات منها (التخييل) وإن لحذاق الأطباء في التخييل أموراً لا يصل إليها الدواء.
10. على الطبيب أن يجعل علاجه وتدبيره دائراً على ستة أركان: حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة، وإزالة العلة أو تقليلها، واحتمال أدنى المصلحتين لإزالة أعظمهما، وتقريب أدنى المصلحين لتحصيل أعظمهما.
و يقصد بالتخييل (الإيحاء) وهذا ما يذكرنا بأهمية التعامل مع المريض وطمأنته وهو أمر ضروري لدعم أجهزة الوقاية والمناعة في البدن.
و يلخص التاج السبكي رحمه الله آداب الطبيب فيقول: من حقه بذل النصح والرفق بالمريض، وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول، وله النظر إلى العورة عند الحاجة، وبقدر الحاجة. وأكثر ما يؤتى الطبيب من عدم فهمه حقيقة المرض واستعجاله في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مزاج المريض، وجلوسه لطب الناس دون استكمال الأهلية، ويجب أن يعتقد أن طبَّه لا يرد قضاءً ولا قدراً. وأنه يفعل امتثالاً لأمر الشرع وأن الله تعالى أنزل الداء والدواء.
و قد أكد أبو بكر الرازي في حديثه عن أخلاق الطبيب هذه النقطة فقال: وليتكل الطبيب في علاجه على الله تعالى ويتوقع البرء منه، ولا يحسب قوته وعمله، ويعتمد في كل أموره عليه. فإن عمل بضدِّ ذلك ونظر إلى نفسه وقوته في الصناعة وحذقه حرمه الله تعالى من البرء.
و إتقان الطبيب صنعته يدخل ضمن عموم الدعوة النبوية الكريمة: " إنَّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " [رواه البيهقي]. ومما نفهمه من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله عز وجل لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله " [رواه مسلم]. ففي الحديث تشجيع للبحث لاكتشاف الأدوية الفعالة. وحثٌ للطبيب على زيادة معارفه الطبية وإتقان فنه. ولأن الإصابة منها تؤدي إلى الشفاء كما نفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: " فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله " [رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني ورجاله ثقات (مجمع الزوائد)].
و قد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ينبغي الاستعانة في كل علم وصناعة بأحذق من فيها، فالأحذق إلى الإصابة أقرب. فقد ذكر الإمام مالك في موطئه عن زيد بن أسلم أنّ رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جُرِح فحقن الدم، فدعا له رجلين من أنمار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكما أطبُّ؟ فقال أحدهما: أو في الطب خيرٌ يا رسول الله؟ فقال: إنّ الذي أنزل الداء هو الذي أنزل الدواء [الحديث مرسل، لكن مرسله زيد بن أسلم من كبار التابعين، ومرسلاته صحيحة عند المحدثين]. روى الحديث أيضاً عبد الملك بن حبيب [في كتابه (الطب النبوي)] عن أصحاب مالك الذين لقيهم في المدينة وزاد فيه أن أحدهما قال: أنا أطبُّ الرجلين. فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بمداواته فبطّ بطنه واستخرج منه النصل ثم خاطه.
و النجدة لتفريج كربة المريض وتلبية الواجب لإسعافه ليلاً ونهاراً من واجبات الطبيب المسلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسَّر على معسِّر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة " رواه مسلم.
و على الطبيب أن يبدأ المعاينة والعمل الجراحي أو الوصفة بقوله: بسم الله أو باسم الله الرحم الرحيم. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " كل عمل ذي بال لا يبدأ فيه بِـ بسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " [رواه السيوطي عن أبي هريرة وإسناده حسن].
و من واجب الطبيب بذل النصح للمريض. وأن يقصد بعمله نفع الخلق والإحسان إليهم. ومن النصيحة للمريض أن يجتهد في وصف الدواء الأنسب وأن يحفظ ماله، فلا يصف له دواء غير نافع في مرضه، أو يطلب له تحليلاً أو فحوصات لمجرد أن ينتفع هو أو ينفع مختبراً فيتعاون معه ليقبض عمولة مثلاً. فكل هذه الأمور هي خيانة للمريض ونقض للأمانة التي في عنق الطبيب من النصح له. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " إنّ أمولكم وأعراضكم ودماءكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا " [رواه البخاري]. ومن هذا حفظ عرض مريضه فلا يكشف من عورته إلا ما تستدعيه الحاجة والمعاينة الطبية.
و من النصيحة للمريض أن لا يقدم على معالجته في كل حال يتغير منها خلقه، فلا يعالج وهو منزعج ولا وهو على عجلة من أمره ولا وهو غضبان. وقد قاسوا ذلك من أمر الطبيب على ما صح عنه صلى الله عليه وسلم: " عن نهيه للقاضي أن يقضي وهو غضبان " [رواه البخاري ومسلم]. فهذه حالات تُخرج المرء عن أن يحكم بسداد النظر. ويستثنى من ذلك من لو كانت حالته تستدعي السرعة في العلاج.
و من النصيحة للمريض أن يمضي معه أو مع أهله وقتاً كافياً، ليس فقط ما تستدعيه المعاينة الطبية بل ليستوعب الوضع الاجتماعي والروحي للمريض، والذي هو جسد وعقل ونفس. فعلى الطبيب أن يلمسه برفق وأن يصوغ كلماته بأسلوب إنساني تغلفه الرحمة وأن يحسن الإصغاء إليه وأن يسكّن من روعه ويبعث في نفسه السكينة والطمأنينة، اللذان يشدان من عزيمة المريض ويرفعا روحه المعنوية ويقويا وسائل المناعة في جسمه مما يجعلهما عاملاً في الشفاء.
و على الطبيب أن لا يتوانى عن إرسال مريضه إلى مختص. أم عمل لجنة استشارية له إذا كانت حالته تستدعي ذلك قياماً منه بالأمانة والنصيحة المطلوبين منه شرعاً. وعليه أن يبتعد عن غيبة الناس وخاصة زملاءه من الأطباء أو تجريحهم.
و يجب على الطبيب أن يكتم سِرَّ مريضه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " المستشار مؤتمن " [رواه الترمذي]. إلا أن يخلّ هذا الكتمان بمصلحة المريض بالذات أو بمصلحة الجماعة. يقول أبو بكر الرازي: واعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقاً بالناس حافظاً لغيبهم، كتوماً لأسرارهم، فإنه ربما يكون ببعض الناس من المرض ما يكتمه عن أخص الناس به، وإنما يكتمونه خصوصياتهم ويفشون إلى الطبيب ضرورة، وإذا عالج من نسائه أو جواريه فيجب أن يحفظ طرفه ولا يجاوز موضع العلة.
و على الطبيب أن يعلم الحرام والحلال فيما يختص بمهنته فلا يصف دواء محرماً إلا إذا انحصر الشفاء فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " ولا تداووا بحرام " ولقوله سبحانه وتعالى: {و قد بين لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [وقد فصلنا ذلك في بحثنا عن التداوي بالمحرمات].
و من ذلك أن يمتنع عن الإجهاض المحرّم أو أن ينهي حياة مريضه الميؤوس من شفائه بأي وسيلة كانت لقوله تعالى: {و لا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً}. بل عليه أن يعمد إلى تخفيف آلامه وتهدئة نفسه حتى يأتي أجله. وعلمه بالحلال والحرام، وإتقانه لفنه يجعله يخشى الله في فتاويه لمرضاه كأن لا يفتي لمريض بالإفطار في رمضان وهو يعلم أن مريضه لا يتأثر بالصيام وقد يستفيد منه.
و من أدب الطبيب الدعاء لمريضه وفي هذا مواساة له بالكلمة الطيبة كقوله (معافى) أو (عافاك الله) أو بدعاء مأثور. فقد ورد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده وهو محموم فقال صلى الله عليه وسلم: " كفارة وطهور " [رواه البخاري]. ففي الدعاء للمريض تذكير له بخالق الداء والدواء حتى تبقى نفسه هادئة مطمئنة بالالتجاء إلى الله والتوكل عليه.
و يختلف الأطباء في تعاملهم مع مريض ميؤوس من شفائه كمصاب بسرطان مثلاً، فهناك من يفتح له الأمل ويرجيه الشفاء وقد يكذب عليه، وهناك من يواجه مريضه بالحقيقة سافرة، وهناك من يداري ويواري، فما رأي الشرع الإسلامي؟
الدكتور النسيمي يرى أن على الطبيب أن يكون لبقاً في تعريف المريض بمرضه ومحاولة تطمينه ورفع معنوياته، وكتم الإنذار بالخطر عنه وإعلامه إلى ذويه المقربين، معتمداً على ما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " إذا دخلتم على مريض فنفسّوا له في الأجل فإن ذلك لا يردّ شيئاً وهو يطِّيب نفس المريض " [رواه الترمذي وابن ماجة وفي سنده إبراهيم التميمي وهو منكر الحديث (الأرناؤوط)].
أما الدكتور زهير السباعي فيقول: الإسلام هنا لا يضع حدوداً ضيقة ولا يقف مواقف صلبة، إنما يطالب الطبيب بالحكمة وأن يلبس لكل حال لبوسها: فهناك المريض الذي تنهار مقاومته لو عرف حقيقة مرضه، وهناك المؤمن القوي الذي يستطيع أن يجابه مرضه بنفس راضية، وهناك من يحتاج إلى أن يعرف أبعاد مشكلته حتى يلتزم بالحمية والعلاج.
إلا أن القاعدة الأساسية التي يرسمها الإسلام هي الصدق. ولكن أي صدق نتحدث عنه؟ وهل يعرف الطبيب متى ينتهي أجل مريضه؟... إنما الصدق في شرح المشكلة المرضية وليس في تقدير الأجل. فهناك صدق فجٌّ جاف لا يبالي بمشاعر المريض، وهناك صدق لحمته الحكمة والرحمة. ولعل من الحكمة أن يعتمد الطبيب في مصارحته لمريضه على العموميات لا أن يخوض في التفاصيل، وإذا كانت هناك مضاعفات حقيقية فعليه أن يشرحها لذوي المريض حتى لا يتهم يوماً بالإهمال.
أما قيس بن محمد آل الشيخ مبارك فيرى أنَّ المريض إذا كان قاصراً أو صغيراً فيجب عدم إخباره لأن القاصر لا يملك أمر نفسه وعلى الطبيب أن يخبر وليّه الذي أذن له في علاجه، كما أن الصغير مظّنة للسخط.
أما البالغ العاقل فلا شك في أن الواجب الشرعي يقتضي إخباره بكل ما يتعلق بصحته من معلومات، ومصدر الوجوب العقد الذي جرى بينهما. ثم يقول: وأما ما يخشاه الطبيب من أن تزداد حالة مريضه سوءاً إذا علم بحقيقة الأمر فلا يكون مانعاً له أن يخبر المريض لسببين: الأول أن الطبيب قد ألزم نفسه في عقد الإجازة بذلك فلا يجوز له نقض العهد.
و الثاني أن عقيدة القضاء والقدر تعصم المسلم من الوقوع في الاضطراب والانزعاج، والمسلم مأمور بالصبر والتسليم- لأمر الله.
إلا أن قيس بن محمد يعود في نهاية بحثه فيقول: إلا أنه يمكن للطبيب وقد لاحظ عدم إمكانية إخبار مريضه، فيجوز أن يخبر بذلك أهله وأقاربه ليتولوا هم إخباره، إلا أن عليه أن يختار التعابير المناسبة. وكما يقول الإمام السبكي: وإذا رأى علامات الموت لم يكره أن ينبه على الوصية بلطف من القول.
و من أدب الطبيب أن يكون حسن المظهر. إذ يجب أن يكون لباسه جميلاً ونظيفاً ومتناسقاً مع الوظيفة التي أناطها الله به. ومن هذا أيضاً أن يحافظ على صحته، فإنه إذا عدم الصحة كان محلاً لعدم الثقة والنفرة من المرضى.
تطبيب الجنس للجنس الآخر
عن الرُّبيع بنت معوذ قالت: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم نسقي ونداوي ونردُّ القتلى إلى المدينة، [رواه البخاري]. قال ابن حجر: في الحديث دليل على جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل عند الضرورة. وقال في باب هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل: أما حكم المسألة فتجوز مداواة الأجانب عند الضرورة وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك... والحديث يدل على مداواة النساء للرجال، فيؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس.
و لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل غزوة يسهم بين نسائه فأيها خرج السهم عليها خرجت معه. وكانت الصحابية المتطوعة للتمريض، يخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تكون في رفقة نساء قومها أو أن تكون في رفقة أم المؤمنين التي كانت قرعتها في الخروج معه عليه السلام. ولقد اشتهرت رفيدة الأنصارية [عن أسد الغابة في معرفة الصحابة] بمداواة الجرحى في العهد النبوي، ولقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة ضمن مسجده الشريف، كانت كمستشفى ميداني لمعالجة الجرحى في غزوة الخندق
و يوضح الدكتور النسيمي هذه النقطة بقوله: الأصل عدم جواز معاينة ومداواة الرجل المرأة غير المحرم أو العكس لوجود النظر والجس فيهما. ويستثنى من ذلك حالات الضرورة كعدم توفر طبيبة تثق المريضة في مهارتها، أو لعدم توفر طبيبة في ذلك الاختصاص. أو لحاجة المسلمين إلى الرجال من أجل الجهاد.
أدب عيادة المريض
و هي من الآداب الإسلامية التي يخاطب بها عموم المسلمين ويخص بها الطبيب لاتصاله المباشر بالمرضى.
و الطبيب علاوة على كونه يؤدي مهمته، فإن التزامه بهذه الآداب هي من تمام حق المسلم على أخيه وبذلك يكون أداؤه لمهمته أكمل وأتم.
و عيادة المريض هدي نبوي كريم وأدب ديني للأمر بها والأجر والفضل عليها:
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض " [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس " [رواه البخاري ومسلم].
و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك و؟أنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " [رواه مسلم].
و عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفَة الجنة حتى يرجع. قيل: يا رسول الله وما خرفة الجنة؟ قال: جناها " [رواه مسلم].
و قد سن للزائر أن يدعو للمريض بالشفاء. وفي الدعاء له قول خير وتطبيب لنفسه وتنبيه له للالتجاء إلى الله تعالى مزيل البأس ومالك الشفاء فيكتسب المريض مزيداً من الطمأنينة. عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المريض يدعو له فيقول: " أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً " [رواه مسلم].
و عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده قال: " لا بأس طهور إن شاء الله " [رواه البخاري].
و لقد لفت نبيُّ الرحمة صلى الله عليه وسلم الانتباه إلى ناحية هامة عند زيارة المريض، سواء كان الزائر طبيباً أم قريباً أم صديقاً وهي ألا يتكلموا في حضرة المريض بما يثير مخاوفه أو يأسه. بل عليهم أن يفعلوا ما يطيب نفسه ويدخل السرور والبهجة.
عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " [رواه مسلم].
كما اهتم ديننا الحنيف بإدخال الطمأنينة على المريض وزيادة أمله في الشفاء. فلقد عَلّق ابن القيم على قول النبي صلى الله عليه وسلم: " لكل داء دواء " فقال: في هذا الحديث تقوية لنفس المريض والطبيب وحث على طلب الدواء. فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيد تعلق قلبه بروح الرجاء وبرد من حرارة اليأس.
و من هنا نفهم كيف حول الإسلام عيادة المريض من زيارة عابرة ليجعل منها علاجاً روحياً يرفع من معنويات المريض ويقوي أمله في الشفاء، فضلاً عن تحقيق الرعاية والمؤانسة له، وشد أزر أهله وذويه.
مراجع البحث
1. أبو بكر محمد بن زكريا الرازي:عن كتابه (أخلاق الطبيب) تحقيق عبد اللطيف محمد العبد _ القاهرة: 1977
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
3. عبد الملك بن حبيب الأندلسي: عن كتابه (الطب النبوي) تحقيق محمد علي البار _ دمشق: 1993.
4. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
5. الدكتور أحمد شوكت الشطي: عن كتابه (الوجيز في الإسلام والطب) دمشق: 1960.
6. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ بيروت: 1992.
7. دكتور زهير أحمد السباعي ودكتور محمد علي البار: عن كتابهما (الطبيب أدبه وفقهه) دمشق: 1993.
1. قيس بن محمد آل الشيخ مبارك: عن كتابه (التداوي والمسؤولية الطبية في الشريعة الإسلامية) دمشق: 1991.
8. دكتور عبد الستار أبو غدة: (فقه الطبيب وأدبه) عن أعمال المؤتمر العالمي الأول للطب الإسلامي _ الكويت: 1981.
مفردات الأدوية والأطعمة القرآنية والنبوية
مقدمة
و يتضمن عرضاً لمفردات الأدوية التي جاء ذكرها على لسان النبي صلى الله عليه وسلم مبتدئاً في كل مفردة بذكر النصوص الثابتة الواردة فيها مع ذكر رأي أهل الاختصاص في الحديث فيها. ثم أتبع ذلك بنقل أقوال مقتضبة للأطباء المسلمين حول ما وجدوه من منافع فيها، ثم نذكر مختصراً عن كل ما وصل إلينا من أبحاث طبية حديثة حول فوائدها واستطباباتها، مشيراً في بعض المواقع إلى ما نجده من سبق علمي في كلام النبوة.
كما نذكر الفوائد الغذائية والعلاجية لما صح عن طعامه صلى الله عليه وسلم والأطعمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم إما لأن الله سبحانه أقسم بها أو بارك فيها:
{من شجرة مباركة زيتونة}
{و التين والزيتون}
أو ذكرها لفضلها ومنافعها. منبهين إلى أن قاعدة (اعدل عن الدواء إلى الغذاء) يقرها جميع الأطباء، قديمهم وحديثهم، مؤكدين على وجوب الاستفادة من الخواص العلاجية للأغذية قبل اللجوء إلى الدواء.
و في الصفحات التالية، تلك الأدوية والأطعمة النبوية والقرآنية مرتبة حسب الحروف الأبجدية.
الأترج
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحه طيب " [رواه البخاري ومسلم].
قال ابن القيم: وفي الأترج منافع كثيرة من قشر ولحم وحمض وبزر. ومن منافع قشره أن رائحته تصلح فساد الهواء، ويطيب النكهة إذا أمسكها بالفم وإذا جعل في الطعام أعان على الهضم. وأما لحمه فملطف للمعدة.
و قال الغافقي: أكل لحمه ينفع من البواسير. وأما حماضه فقابض، كاسر للصفراء، ومسكن للخفقان، نافع من اليرقان، مشه للطعام ونافع من الإسهال الصفراوي، وتنفع طلاءً من الكلف، وله قوة تطفئ حرارة الكبد، وتقوي المعدة، وتسكن العطش... وأما بزره فله قوة مجففة.
و قال ابن ماسويه: خاصة حبة النفع من السموم القاتلة إذا شرب منه وزن مثقالين مقشراً بماء فاتر، وإن دق ووضع على موضع اللسعة نفع... وحقيق بشيء من منافعه أن يشبه النبي صلى الله عليه وسلم خلاصة الوجود وهو المؤمن الذي يقرأ القرآن.
و الأترج Citrus Medica Cedrata من الحمضيات، ومن أسمائه تفاح العجم وليمون اليهود. وهناك اختلاف بين المؤلفين. هل هو نفسه ما يدعى بالكباد (في ديار الشام) أو أن الكبّاد هو نوع قريب من نفس الفصيلة البرتقالية Aurantiaceae.
يزرع في المناطق المعتدلة الحارة وثمره كالليمون الكبار ذهبي اللون، ذكي الراحة، حامض الماء. وقد جاء ذكره في سفر اللاوّيين من التوراة: {تأخذون لأنفسكم ثمر الأترج بهجة}.
و هو نبات دائم الخضرة من أشجار الحمضيات، يؤكل طازجاً ويشرب عصيره بعد مزجه بالماء وتحليته بالسكر كشراب منعش ومرطب ومهضم. وهو مصدر جيد للفيتامينات " ج " و" ب 1 " و" ب 2 ".
و يصنع من قشره مربى لذيذ الطعم. والقشر هاضم وطارد للرياح لاحتوائه على زيت عطري. كما يفيد كمقشع صدري ومضاد لداء الحفر.
و ذكر ابن سينا أن حامض الأترج يجلو العين _ إن اكتحل به _ ويذهب الكلف من الوجه _ طلاء _ ويسكن غلمة النساء _ شرباً _.
و مغلي أوراقه يسكن النفخ، ويقوي المعدة، ويقوي الأحشاء، وزهره ألطف في تسكين النفخ.
مراجع البحث
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي وزاد المعاد) من تحقيق عبد القادر الأرناؤوط
الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة) تحقيق القلعجي.
مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) _ دمشق: 1988.
أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) _ بيروت: 1982.
دكتور محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) _ دمشق: 1990.
اكتحلوا بالإثمد
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشعر "، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اكتحل يكتحل في اليمنى ثلاثة يبتدئ بها ويختم بها وفي اليسرى ثنتين [رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد وقال الترمذي: حديث حسن]. عن ابن عباس أيضاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر " [رواه الترمذي وحسنه وابن ماجة، وصححه ابن حيان].
قال ابن حجر: والإثمد حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده ما يؤتى من أصفهان. وفي هذه الأحاديث استحباب الكحبل بالإثمد للرجال وللنساء قال الرئيس ابن سينا عن الإثمد أنه يحفظ صحة العين ويذهب وسخ قروحها. وقال العلامة البغدادي: الإثمد ينبت الهدب ويحسن العيون ويحببها إلى القلوب ولا يوافق الرمد الحارّ، وقال الكحال ابن طرخان: هو أجود أكحال العين لا سيما للمشايخ والذين ضعفت أبصارهم إذا جعل فيه شيء من المسك.
و الإثمد من أشباه المعادن ورمزه Sb ويدعى بالأنتموان Antimony. ويوجد في الطبيعة بشكل حر ولكن الأغلب وجوده بحالة سولفيد أو أكسيد أو أوكسي سولفيد وشكله بحالة سولفيد هو المصدر الرئيسي للمعدن. وهو معدن هشّ سريع التفتت، لامع ذو تركيب رقائقي بلون أبيض فضي عندما يكون نقيّاً وبلون سنجابي عندما يكون مرتبطاً وعندما يفرك بين الأصابع ينشر رائحة واضحة [هذا التعريف عن الإثمد منقول عن كتاب Rewington
و يوجد للإثمد مركبات عضوية كالأنتومالين والفؤادين والغلوكانتيم، وأخرى معدنية مثل طرطرات الإثمد والبوتاسيوم، طرطرات الإثمد والصوديوم، وله خصائص دوائية عديدة من مقشعة ومقيئة، كما تصنع منها بعض المراهم الجلدية. كما ويؤثر على زمر جرثومية كثيرة ويبيد العديد من الطفيليات كاللايشمانيا والبلهارسيا والمثقبيات والخيطيات. ويستعمل في بريطانيا لمعالجة البلهارسيا.
و يؤكد الدكتور حسن هويدي أن جلاء البصر بالإثمد إنما بتأثيره على زمر جرثومية متعددة، وبذلك يحفظ العين وصحتها، إذ أن آفات العين التهابية جرثومية، وعندما تسلم الملتحمة من الاحتقان يمكن أن يكون البصر جيداً. ويقول أن إنباته للشعر ثابت علمياً، إذ أن من خصائص الإثمد الدوائية تأثيره على البشرة والأدمة فينبه جذر الشعرة ويكون عاملاً في نموها، لذا يستعملون مركباته (طرطرات الإثمد والبوتاسيوم) لمعالجة بعض السعفات والصلع، تطبق على شكل مرهم بنسبة 2 _ 3 %. وهذه الفائدة في إنبات الشعر تنفع العين أيضاً لأنها تساعد على نمو الأهداب التي تحفظ العين وتزيد جمالها.
يا لروعة الاختيار النبوي. لقد كان عند العرب زمن النبي صلى الله عليه وسلم العديد من الأكحال استعملوها للزينة، وكما يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي: فقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم كحل الإثمد لأنه يقوي بصيلات أهداب العين فيحفظ الرموش فتطول أكثر، وبذلك تزداد قدرتها في حفظ العين من أشعة الشمس، وفي تصفية الغبار والأوساخ، فتزيد الرؤيا وضوحاً وجلاءً أكثر منها في استعمال الأكحال الخالية من الإثمد.
و إذا كان البعض يريد أن يطعن في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم للاكتحال بالإثمد من جراء وجود حوادث انسمام عند بعض الحوامل نتيجة الاكتحال بأكحال مغشوشة تحتوي على عنصر الرصاص السام، فالانسمام إنما يحصل من غش الإثمد بالرصاص وليس من الاكتحال بالإثمد كما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم.
و إننا نتوجه بالدعوة إلى صناع الدواء ومواد التجميل من المسلمين الغيورين أن يقدموا لأمتهم كحلاً صافياً من الإثمد، خالياً من مركبات الرصاص السّامة، كي يتمكن أن يطبقه بأمان، كل من رغب في إحياء سنة نبيهم عليه الصلاة والسلام بالاكتحال بالإثمد.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري على صحيح البخاري).
3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
4. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).
5. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ الطبعة 3 _ 1991.
6. حسن هويدي: عن مقالة له في مجلة حضارة الإسلام _ المجلد 11 العدد 5 لعام 1970.
إلية شاة أعرابية
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " شفاء عرق النسا شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم تشرب في كل يوم جزء " قال أنس: وقد وصفت ذلك لثلاث مائة نفس كلهم يعافيه الله، [رواه ابن ماجة. قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وفي رواية للطبري بإسناد حسن (إلية كبش)].
قال الكحال ابن طرخان: هذه المعالجة تصلح للأعراب والذين يعرض لهم هذا المرض من يُبس، وقد ينفع ما كان من مادة غليظة لزجة بالإنضاج والإسهال، فإن الإلية تنضج وتسهل وتلين. وقصد بالشاة الأعرابية قلة فضولها وصغر حجمها ولطف جوهرها ولمكان رعيها أعشاب البر الحارة كالشيح والقيصوم ونحوها ... ويرى ابن القيم في الطب النبوي أن هذا الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الخاص لأهل الحجاز ومن والاهم من أعراب البوادي فإنها أنفع العلاج لهم.
و يطلق (عرق النسا) أو الألم الوركي على ألم عصبي ذي صلة بالعصب الوركي يمتاز عما يمتد على الوجه الخلفي من الفخذ والساق. ويبدو أن المصطلح هذا لم يتغير مفهومه حديثاً عما فهمه القدماء. فقد عرفه الكحال (650 ميلادي): بأنه وجع يبتدئ من مفصل الورك وينزل من خلف وربما امتد على الكعب وكلما طالت مدته زاد نزوله وينتهي إلى آخر القدم من وراء الكعب من الجانب الوحشي فيما بين عظم الساق والوتر.
و لعرق النسا أسباب عدة، وأكثر حوادثه تنجم عن فتق النواة اللبية للغضاريف بين الفقرات والذي يؤدي إلى انضغاط الجذور العصبية، كما أن التعرض للبرد يسبب الاحتقان الدموي داخل السيساء المؤدي إلى ذلك الانضغاط، وقد تنجم عن الرثية أو الإنسمامات أو الإصابة بداء المفاصل الفقرية أو الأنتان بالعصيات الكولونية التي تستوطن الأمعاء وتصبح ممرضة في ظروف خاصة.
و قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم لعرق النسا إلية شاة أعرابية، أو إلية كبش على رواية أخرى بمناسبة إصابة أحد الصحابة بعرق النسا.
و يرى الدكتور النسيمي في تعليل هذه الوصفة: أن إصابة ذلك الصحابي ربما كانت ناتجة عن أنتان بالعصيات الكولونية. وإن تناوله للدهن بهذه الكمية يؤدي إلى إسهال يقوم بعملية طرد الجراثيم من الأمعاء التي تعد موئلاً لها، هذا إلى جانب حكم أخرى الله أعلم بها، لم يتوصل إليها العلم بعد.
و نحن هنا نوجه اهتمام الأخوة الباحثين من الأطباء المسلمين دراسة حول هذا الموضوع لكشف أسراره العلمية وما ينطوي عليه من إعجاز نبوي.
مراجع البحث
1. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).
2. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (زاد المعاد من هدي خير العباد) تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط.
3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ بيروت: 1991.
4. دكتور حسني سبح: عن كتابه (الأمراض العصبية).
البطيخ Pasteque أو Water Melon
عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأكل البطيخ بالرطب [رواه أبو داود والترمذي وحسنه]. وزاد أبو داود: وكان يقول: " نكسر حر هذا ببرد هذا ". [وصححه السيوطي: قال الأرناؤوط: إسناده صحيح].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الرطب بيمينه والبطيخ بيساره فيأكل الرطب بالبطيخ وكان أحب الفاكهة إليه. [رواه الطبراني في الأوسط والحاكم، وصححه السيوطي]
قال ابن القيم: والمراد بالبطيخ الأخضر. وهو أسرع انحداراً عن المعدة من القثاء والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أيّ خلط كان صادفه في المعدة وينبغي أكله قبل الطعام. فقد قال عنه بعض الأطباء أن أكل البطيخ قبل الطعام يغسل البطن غسلاً ويذهب بالداء أصلاً.
و قال البغدادي: الأخضر بارد رطب، والأصفر أميل إلى الحرارة وكله مفيد مدر للبول، سريع الهضم دلوكه مذهب لنمش الوجه لاسيما بزره، يذيب حصى الكلية والمثانة، والإسراف في تناوله بعد الطعام يسبب عسر هضم، لذا ينبغي تناوله بعد فترة كافية من تناول الطعام.
و البطيخ نبات حولي صيفي زاحف من الفصيلة القرعية وأوّل ما زرع في الهند ومصر حيث ورد ذكره في أوراق إيبرس الطبية ومنها انتقل إلى دول حوض البحر الأبيض المتوسط. وهو من أهم فاكهة الصيف لاحتوائه على نسبة عالية من الماء (90 _ 93 %) وهو يطفئ الظمأ ويرطب البدن.
و يحتوي البطيخ الأخضر على السكر (6 _ 9 %) وهو غني بالفيتامين ج = c، وفقير بالفيتامين آ وحمض النيكوتين، ويحتوي على الأملاح المعدنية بنسبة جدية وخاصة الفوسفور والكلور والكبريت والصود، ولغناه بالبوتاسيوم له فعل مدر معروف. ويرى عالم التغذية الأمريكي (إينسلي) أن عصير البطيخ يقي من التيفوئيد ويفيد المصابين بالرثية (الروماتيزم).
بذور البطيخ ذات قيمة غذائية عالية فهي تحتوي على الدهون بنسبة 43 % والبروتين 27 % والسكاكر 15 % وتستخدم ملينة ومجددة للقوى وتؤكل محمصة مع النقول (المسليات). ومن أسماء البطيخ (الجبس).
أما البطيخ الأصفر Le melon أو الشمّام فهو أغنى بالفيتامينات والبروتينات (ففيه بروتين 0.7 % ودسم 0.2 % وسكر 6 %) وعلى فيتامين ج وب 2 والمهادن من كبريت وفسفور والحديد والنحاس والصود والبوتاس والكلس والمانيزا. ولذا فهو مغذ جيد، دافع للجوع، وأجوده ما كان خشن الملمس ثقيل الوزن ذا أخاديد واضحة.
و البطيخ الأصفر كالأخضر مرطب ومطفئ للعطش، ويزيد عنه في خواصه الشّافية فهو علاج ممتاز للإمساك إذا أخذ على الريق. وإن وَضعَ شرائحه على الجلد المتغضن _ الجعد _ يكسبه نضارة وليونة، كما انه مفيد لمعالجة التهابات الجلد. ولا ينصح بتناوله للمصابين بالتهاب المعدة والأمعاء لأنه لا يهضم بسهولة. وماؤه ينقي الجلد من الكلف والنمش.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق القلعجي: 1988.
3. أحمد بن يوسف التيفاشي: عن كتابه (الشفاء في الطب) تحقيق القلعجي: 1988.
4. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.
5. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) _ بيروت: 1982.
6. دكتور محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) _ دمشق: 1990.
التكميد Pomentation
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مكان الكي التكميد " [رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن في سنده إبراهيم النخعي وهولم يسمع من عائشة إلا أن عدم سماعه لا يضر لأن مراسليه صحيحة عند أهل الحديث (الأستاذ محمد عوامة)].
عن عبد الله بن مسعود أن ناساً أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن لنا صاحباً لنا اشتكى أفنكويه؟ فسكت ساعة ثم قال: " إن شئتم فاكووه، وإن شئتم فارضغوه " [رواه الطبراني وقال الهيثمي رجاله ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه. إلا أن البخاري نقل في كتاب (الكنى) ما يفيد سماعه عن أبيه]. قال ابن الأثير: أي كمده بالرضف وهي الحجارة المحّماة على النار وواحدتها رضفة.
لقد أكثر العرب في جاهليتهم من استعمال الكي ولا سيما في معالجة الآلام، وجاء الإسلام فنهاهم عن الكي دون وجود استطباب صحيح من ذوي الخبرة وأهل الفن. وأشار عليه الصلاة والسلام إلى أن البديل هو واسطة علاجية فيزيائية مسكنة للألم، لها فوائدها الجمة وهي التكميد.
و تكميد العضو: تسخينه بخرق ونحوها وكذا الكِمادُ بالكسر، فإذا أطلق الكماد فالمراد به الحار. ولا يزال الطب الشعبي حتى زماننا هذا يعالج مغص البطن وبعض الآلام لا سيما من منشأ بردي وذلك بتكميدها بخرقة (بشكير) مسخن أو بحجرة أو فخارة مسخنة بعد لفها بخرقة لتحاشي حدوث حرق جلدي.
و الطب الحديث يستعمل التكميد لمكافحة الألم ويستعمل لذلك القماش البلول بالماء الحار في حرارة محتملة وقد يضاف إليه بعض الأدوية. وتحضر الكمادات الحارة بغطس منشفة أو قطعة من الشاش الطري، مطوية عدة طيات، في الماء الحار، ثم يلف بها العضو المراد تكميده من صدر أو بطن أو أحد الأطراف، وقد يوضع فوقها قطعة من المشمع الكتيم أو المطاط أ والنايلون ويلف فوقها رباط لحفظها.
و تفيد الكمادات الحارة في معالجة احتقانات الرئة وذات القصبات، وذات القصبات والرئة، وآلام البطن والحوض، وفي الالتصاقات المختلفة التالية للالتهابات أو العمليات المختلفة أو تسريع عملية نضج القيح في الخراجات والدمامل وبذلك تخفف من آلامها وينحصر القيح في الخراج وذلك يساعد على انبثاقه وخروجه أو إلى تفجيره بالمبضع.
مراجع البحث
1. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
2. الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).
التمر … وقاية وترياق
التمر ... وقاية وترياق
النخل قديم قِدم الإنسانية. واختلف في تحديد مكان نشأته ويرى العالم بكاري أن موطنها الأصلي هو الخليج العربي. ويذكر ابن وحشية رأيان: أحدهما أن موطن النخيل الأصلي هو البحرين والثاني أنها الأحساء ثم انتشرت في شبه الجزيرة العربية [عن مجلة العربي - عدد آذار 1981 م، ربيع الثاني 1401 هـ]. كما عثر زين هارت في مقبرة في مصر على مومياء ملفوفة في حصير من سعف النخل، كما عثر على نخلة كاملة في إحدى مقابر سقارة حول مومياء من عصر الأسرة الأولى (3200 عام قبل الميلاد). كما أن كثيراً من الأديرة القبطية بها كتابات تذكر ما للتمر من فوائد. وقد ذكر التمر في التوراة والتلمود والقرآن، واستخدم عيسى عليه السلام أغصانها كرمز للسلام.
و قد جاء نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم ليؤكد أهمية هذه الثمرة حيث خاطب عائشة رضي الله عنها: " يا عائشة بيتٌ لا تمر فيه جياع أهله يا عائشة بيت لا تمر فيه جياعٌ أهله، قالها مرتين أو ثلاثاً " [صحيح مسلم].
و قد يتساءل الكثيرون كيف استطاع المسلمون الأوائل فتح ربع المسكون من الأرض في ثلث قرن وإدارة التموين في جيوشهم لا تقدم لهم في غالب الأحيان سوى جراب من التمر وقليل من الماء، فهل يستطيع الإنسان أن يعيش شهوراً على الماء والتمر؟ ...
عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت له: والله يا ابن أختي، إنّا كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقدت في بيت رسول الله نار. قال: فقلت يا خالة ما كان يُعيشُكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء [رواه البخاري ومسلم]، وعن عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شبعنا من الأسودين: التمر والماء [رواه البخاري ومسلم].
قال ابن حجر: فالمراد أنه عليه الصلاة والسلام شَبع حين شَبعوا واستمر شبعهم وابتداؤه من فتح خيبر وذلك قبل موته صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات. ومراد عائشة من الشبع هو من التمر خاصة دون الماء ولكن قرنته به إلى أن تمام الشبع حصل بهما. أما كلمة الأسودان فقد ذكر لسان العرب عن الأصمعي قوله: الأسودان التمر والماء وإنما الأسود التمر دون الماء وهو الغالب على تمر المدينة، والعرب تفعل ذلك في الشيئين يصطحبان يسمّيان معاً بالاسم الأشهر منهما حيث قالوا: القمران، للشمس والقمر.
هذا وتمر ثمرة النخيل بخمسة أطوار ويحتاج تكونها إلى 6 أشهر تقريباً. وطورها الأول يسمى الحبابوك أو السّدي الذي يتشكل فور إلقاح الزهرة حيث تكون كروية الشكل، مرَّة الطعم، والثاني: البلح حيث تأخذ بالنمو والاستطالة مخضرة اللون ذات طعم عفصي. والثالث البُسر أو الخلال حيث تبدو صفراء محمرة حلوة الطعم مشوبة بطعم عفصي، والرابع الرُّطب عندما يصبح نصفها السائب لحمَّي القوام عسلية اللون مطاوعة لينة حلوة سكرية الطعم، وأخيراً تصبح الثمرة تمرة فيعتم لونها وتتجعد قشرتها، وكلمة (تمر) هي العامة غير أنهم يسمّونها (بلحاً). والعجوة ما هي إلا نوع من التمر.
تركيب التمر:
يحتوي التمر على عشرات المواد الغذائية الهمة والتي تفي حاجات البدن لقيامه بأنشطته الحيوية. فهو غني بالسكريات، غني بالألياف، فقير بالدهون، فيمثل بذلك الغذاء المثالي الذي توصي به الجمعيات الصحية العالمية.
فالتمر يعتبر أغنى المواد الغذائية بالسكريات وأرخصها على مدار السنة إذ يمكن خزنه لكل الفصول. وتمثل السكريات Carbohydrate 70 _ 73 % من وزن القسم المأكول من التمر منها سكاكر أحادية (سكر العنب والفواكهة) كمكون أساسي ذو امتصاص سريع وسهل، ومنها سكاكر ثنائية (سكر القصب أو السكّر العادي) موجودة في الثمرة الناضجة بكميات قليلة حيث يكون معظمها قد تحول إلى سكاكر أحادية في فترة النضج.
و يحتوي التمر على 2 % من وزنه على البروتينات، وهي رغم قلتها تفوق نسبتها ما تحويه كل أنواع الخضار والفواكه الأخرى من هذه المواد القيمة والتي تعتبر المادة الأساسية لبناء الخلايا. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن معظم هذه البروتينات موجود على شكل حموض أمينية هامة، حيث أن كلاً من اللب والنواة تحتوي على 12 حمضاً أمينياً منها حمض الغلوتاميك والأسبارتيك والغليسين والسيرين والأرجنين والتربتوفان، كما وجد أن التمر من أغنى المصادر بالحمض الأميني النادر Pepicolic acide.
أما الدهون فقد وجد كلفلاند [عن كتاب (الأسودان: التمر والماء)]. أن نسبتها تبلغ 0.31 _ 1.9 % من وزن الثمار الناضجة (منزوعة النوى). ومعظمها موجودة في قشرة الثمرة على هيئة شمع. وللألياف التي تدخل في تركيبه بنسبة 8.5 % أهمية خاصة وتشمل المادة السللوزية المكونة لجدران خلايا الثمرة كما تشمل الهميسللوز وهي من السكريات المعقدة التي تختلف عن السللوز في إمكانية تحولها إلى سكر العنب.
و تحتوي كل 100 غ من التمر على 60 _ 174 وحدة دولية من الفيتامين أ _ A الضروري لنمو الأطفال ويحفظ رطوبة العين ويقوي البصر ويزيد مقاومة الأغشية المخاطية ضد الجراثيم، ويصلح الكثير من الاضطربات الجلدية. كما يتوفر في التمر الفيتامين ب 1 المضاد لالتهاب الأعصاب والمفيد في معالجة الإجهاد الفكري والعضلي، والفيتامين ب 2 الضروري لعمل الكبد ويعالج تشقق الشفاه وتكسر الأظافر وجفاف الجلد. وعلى نسبة عالية من فيتامين د _ D الذي يساعد في تثبيت الكلس في العظام والأسنان.
أما العفص Tannin _ المادة القابضة فتوجد _ في معظم التمور في مرحلة البُسر والبلح ويكون في الطبقة القريبة من القشرة، ويترسب تدريجياً في مراحل النضج محمولاً إلى حبيبات غير قابلة للذوبان. والأصناف التي تكاد تكون خالية من العفص في مرحلة البلح _ مثل حلوة المدينة _ يمكن أن تؤكل وهي في ذلك الطور. هذا وإن كل 100 غ من التمر (ما يعادل 10 _ 12 ثمرة) تعطي ما بين 248 _ 297 حريرة تبعاً لصنف التمر ودرجة نضجه.
و التمر أغنى المصادر الغذائية بالأملاح المعدنية فهو يحتوي على المغنزيوم والبوتاسيوم والكالسيوم والحديد والفوسفور والفلور وفيه قليل من الصوديوم. ويعتبر من أغنى الفواكه بالفوسفور فكل 100 غ من التمر تحتوي على 40 _ 72 ملغ فوسفور، لذا فهو الغذاء المفضل لحجيرات الدماغ وينشط الفكر للعاملين بأدمغتهم، كما يساعد أيضاً في تنشيط الوظيفة الجنسية ويقوي الباه، كما يدخل في بناء العظام والأسنان. وهو غني بالبوتاسيوم الذي يعتبر هاماً للعديد من وظائف البدن ويوجد في كل خلية من خلاياه، فهو ضروري لعمل القلب والعضلات والجهاز العصبي وللمحافظة على سكر الدم. كما أن تناول 100 غ من التمر تموّن البدن بسدس حاجته اليومية من الحديد الذي يعتبر نقصه من أهم المشاكل الغذائية شيوعاً وما ينجم عن ذلك من آفات يأتي في طليعتها فقر الدم. كما تموّنه بخمس حاجته من المغنزيوم وإن نقصه يعتبر عاملاً مساعداً في حدوث ارتفاع الضغط الدموي، كما يؤدي إلى الإعياء والتشنجات العضلية والضعف العام والرجفان وقد يحدث تسرع في القلب وإعياء في الذهن.
و يرى بعض العلماء [الدكتور جبار حسن النعيمي والدكتور الأمير عباس عن كتاب (الرطب والنخلة) لعبد الرزاق السعيد _ جدة 1985] أن خلو سكان الواحات من مرض السرطان يعود إلى كثرة تناولهم للتمر الغني بالمغنزيوم.
و تقدر كمية الفلور [عن بحث للدكتور رأفت حسين من الفجيرة، لخصه سيد عثمان في مجلة الاتحاد الإماراتية 20 / 12 / 1991] في التمر بـ 4 أضعاف ما تحتويه الفواكه الأخرى، وهو يلعب دوراً في المحافظة على سلامة الأسنان ومنع تسوسها، وهذا يفسر احتفاظ سكان البوادي بأسنان سليمة وقوية لتناولهم اليومي لكميات كبيرة من التمر الذي يحتوي أيضاً على الكالسيوم والفوسفور الضروريان لذلك.
و يعتقد العلماء [عن مقالة لأجود الحراكي عن التمر _ مجلة حضارة الإسلام، العدد 7 المجلد 18 لعام 1977 _ أيلول] أن وجود الأملاح المعدنية القلوية في التمر يسبب تعادل حمضة الدم المتأتية عن تناول النشويات بكثرة، والمعروف أن حموضة الدم هي السبب في الإصابة بعدد من الأمراض الوراثية كحصيات الكلى والمرارة والنقرس وارتفاع ضغط الدم والبواسير وغيرها. وفي تجارب على نوى التمر في تغذية الحيوانات تبين أنها تحتوي على هرمون أنثوي له تأثير خاص على وزنها كما أنها تفيد في إزالة المغص والإسهال عندها.
و تدل الأبحاث العلمية [عن مقالة لأجود الحراكي عن التمر _ مجلة حضارة الإسلام، العدد 7 المجلد 18 لعام 1977 _ أيلول] أن للتمر خواصّ مثبطة للنشاط الدرقي المفرط والذي يسبب المزاج العصبي عند الأطفال، لذا ينصح الأطباء بإعطاء التمر صباحاً لأمثال هؤلاء الأطفال لتضفي على نفسه الهدوء والسكينة.
التمر وارتفاع الضغط:
ارتفاع ضغط الدم مرض شائع جداً وقد ثبت أنه ينبغي على المصابين به أن يخففوا كثيراً من تناول الملح. وعلى العكس من ذلك فإن الأغذية الغنية بالبوتاسيوم تفيد في الوقاية من ارتفاع ضغط الدم وفي معالجته أيضاً. وللأسف فإن عمليات تحضير الطعام وتعبئته تزيد من كمية أملاح الصوديوم فيه وتنقص من كمية البوتاسيوم. ومن الملاحظات الهامة لربات البيوت أن طهي الطعام بكمية قليلة من الماء وعدم إضافة الملح إليه يخفقان من فقد البوتاسيوم أثناء عملية الطهي.
و ينصح خبراء التغذية [Davies Stewart: " Nutritional Medicine " London , 1987] المصابين بارتفاع الضغط بتناول الأغذية الغنية بالبوتاسيوم والإقلال من تناول ملح الطعام. ويؤكدون أن مثل هذا الإجراء كاف لوحده للشفاء، وربما دون حاجة لأي علاج إذا كان ارتفاع ضغط الدم طفيفاً. وهناك دراسات تشير إلى أن إعطاء المغنزيوم لمجموعة من المصابين بارتفاع الضغط ممن يتناولون المدّرات البولية قد أدى إلى مزيد من ضغط الدم عندهم.
و قد وجدنا من خلال بحثنا في تركيب التمر أنه غذاءٌ مناسب للمصابين بارتفاع ضغط الدم فهو فقير بالصوديوم (5 ملغ في كل 100 غ من التمر) غني بالبوتاسيوم (تعطي الـ 100 غ منه نصف حاجة الجسم اليومية من البوتاسيوم) كما أنه غني بالمغنزيوم أيضاً، وكلها عوامل تتضافر على خفض ضغط الدم المرتفع.
التمر والإمساك:
لا تخلو أعداد المجلات الأمريكية الشهيرة المختصة بالتغذية من دعاية لمعالجة الإمساك بتمور كاليفورنيا وحري بنا نحن المسلمين أن نعالج مرضانا المصابين بالإمساك بالتمر، وبلادنا منبت التمر منذ أقدم العصور ونبينا الكريم دعانا إلى أن نتصبح بالتمر فقال: " من تصبح كل يوم بسلع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سمٌ ولا سحر ".
و الإمساك صعوبة في خروج البراز أو نقص عدد مرات التغوط أو خروج براز قاسي القوام. ومن أهم أسبابه ممارسة المهن التي تتطلب عدم الحركة طيلة النهار، والتهاب القولون التشنجي وكثرة تناول مضادات الحموضة ومضادات الهمود. ومما لا شك فيه أنه أياً كان السبب في حدوث الإمساك فإن إضافة الألياف إلى الغذاء تساعد على التخلص منه. والاعتياد على تناول التمر الغني جداً بالألياف علاجٌ جيد.
التمور والبواسير:
البواسير هي توسعات وعائية وريدية في منطقة الشرج، وقد تتعرض للالتهاب أو التشقق أو النزف وتحدث ألماً وخروج الدم مع البراز. وإنّ دائرة معارف كاليفورنيا [University of California: " The Wellness Encyclopedia , Boston , 1991] تؤكد: أن أفضل علاج لتجنب البواسير هي تجنب الإمساك.
فاشرب كمية وافرة من الماء، وتناول الأغذية الغنية بالألياف كالفواكه والخضراوات والبقول والخبز الأسمر، وتناول التمر يساعد في القضاء على الإمساك ومن ثم التخلص من البواسير.
التمر والألياف:
ازداد اهتمام العلماء في السنوات العشر الأخيرة. بموضوع الألياف في الغذاء. ويرى بوركيت Burkit [عن كتاب (الأسودان: التمر والماء) للدكتور حسان شمسي باشا] أن تزايد أمراض العصر في المجتمعات المتحضرة وقلتها في مجتمعات العالم الثالث يعود إلى كثرة ما تتناوله هذه الشعوب من الألياف في غذائها.
إن الغذاء الغني بالألياف ومنه التمر، يفيد أولئك الذين يرغبون في تخفيف وزنهم فهو يعطيهم إحساساً بالشبع يقلل من تناولهم للطعام. كما أن تناول الألياف يعدّل تركيب الأملاح الصفراوية مما ينقص من احتمال تشكل حصيات المرارة. والألياف تزيد من حجم البراز وتسهل مروره في الأمعاء مما يخلص المريض من مشكلة الإمساك المزمن.
و يشكو المصابون من داء الرتوج Diverticulosis من الإمساك المتناوب مع الإسهال مع ألم أسفل البطن. وإن تناول طعام غني بالألياف يخفف أعراضه ويمكن أن يشفى المصابون تماماً بتغيير بسيط في نوعية الغذاء وإدخال كمية أكبر من الألياف في طعامهم اليومي. كما أثبتت الدراسات الحديثة ندرة حدوث سرطان القولون في المجتمعات التي تتناول غذاءً غنياً بالألياف حيث تبين أن بعض الألياف قادر على امتصاص المواد السمّية المسببة للسرطان والناجمة عن التخمرات الجرثومية في القولون. كما أن معظم المرضى المصابين بالتهاب القولون التشنجي يستفيدون من الحمية الغنية بالألياف. وقد أكّد باحثون من هولندا أنّ تناول غذاء يحتوي على كمية من الألياف تقل عن 37 غ في اليوم يترافق بازدياد نسبة حدوث السرطان بشكل عام بـ 3 أضعاف تقريباً.
و بالنسبة للمصابين بالداء السكري فإنّ أحدث التوصيات التي أصدرتها المؤسسات الطبية الأمريكية تنصح بتناول غذاء غني بالكربوهيدرات المعقدة الغنية بالألياف والذي ينقص التأرجحات الكبيرة التي تحدث في مستوى الدم عقب تناول السكريات.
هل تعيش الجراثيم في التمر؟
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خير تمراتكم البرني، يذهب الداء، ولا داء فيه " [رواه الطبراني والحاكم وقال الشيخ ناصر الدين الألباني: حديث حسن (صحيح الجامع الصغير)].
يقول الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد في كتابه الرطب والنخلة: حقاً إنّ التمر لا داء فيه، فالجراثيم لا تعيش فيه. فقد لوثت تمور طرية من الأنواع التي تصدر للأسواق الخارجية بجراثيم الهيضة _ الكوليرا _ وبنسبة 100 _ 1000 مرة أكثر مما يشاهد في براز المصابين بالهيضة، واستخدم لذلك ثلاث سلالات مختلفة من الجراثيم الممرضة للكوليرا. وقد ظهر أن الجراثيم لم تعش أكثر من ثلاثة أيام، وهذا يعني أن التمور إذا تعرضت إلى تلوث شديد تصبح خالية من العامل الممرض خلال ثلاثة أيام في الظروف الطبيعية. وقد قام بهذه الأبحاث المعهد البكتريولوجي المركزي العراقي بالتعاون مع الخبير الدولي لمنظمة الصحة العالمية أوسكار فيلزنفيلد الاختصاصي بالكوليرا.
و يقول الدكتوران النعيمي وجعفي [عن كتاب (الرطب والنخلة) للدكتور عبد اللله الرزاق السعيد _ جدة 1985]: لقد أشارت دراسات Turel إلى أن وجود طبقة التانين Tannin في الثمرة يحميها من الطفيليات التي تسبب ظهور بقع متفسخة على سطح الثمرة في مرحلة الرطب.
الرُّطب والولادة
قال تعالى: {فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذعِ النَّخَلَةِ قَالَت يَا لَيتَنِي مِتُّ قَبلَ هّذَا وكُنتُ نَسياً مَّنسِيّاً فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا أَلاَّ تَحزَنِي قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيّاً وهُزِّي إِلَيكِ بِجِذعِ النَّخلَةِ تُسَاقِط عَلَيكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي واشَرِبي وقَرِّى عَيناً} [سورة مريم: الآية من 22 _ 26]
قال القرطبي: في قوله تعالى: {رُطباً جنيّا}: لم يجف ولم ييبس ولم يبعد عن يدي مجتنيه. ونقل عن ابن عباس قوله: كان جذعاً نخراً فلما هزّت نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف ثم صار بلحاً ثم زهواً ثم رُطباً... كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشدخ منه شيء.
و استدل بعض الناس من هذه الآية أنَّ الرزق وإن كان محتوماً فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعيٍ ما فيه لأنه أمر مريم بهزّ النخلة لترى آية...
و ينقل عن الربيع بن خيثم قوله: ما للنفساء عندي خيرٌ من الرطب لهذه الآية، ولو علم الله شيئاً هو أفضل من الرطب لأطعمه مريم، لذلك قالوا: التمر عادة للنفساء منذ ذلك الوقت، وقالوا: إذا عسر ولادها لم يكن خير لها خيرٌ من الرطب ولا للمريض خيرٌ من العسل. {فكلي واشربي وقرّي عيناً} قال القرطبي: أي كلي من الجني واشربي من السريّ وقرّي عيناً برؤية الولد النبي.
يقول الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد [عن كتاب (الرطب والنخلة)]: لقد هيأ الله تعالى الشراب والغذاء المناسبين للسيدة العذراء الماخض فأمرها أن تأكل من الرطب الجنّي الغني بالسكريات وخاصة سكر العنب السريع الامتصاص والذي لا يحتاج إلى هضم ويطلق طاقة ممتازة، كذلك أمرها أن تشرب من السريّ فكأنها تتناول محلول الغلوكوز بالماء، وهذا ما ينصح به الأطباء في يومنا هذا، ينصحون الماخض وهي في حالة ولادة أن تعطى سوائل سكرّية وقد سبقهم القرآن بذلك بألف وأربعمائة سنة.
يقول الدكتور شمسي باشا: ومرة أخرى يلتقي الأسودان: التمر والماء في قوله تعالى " فكلي " من الرطب " واشربي " من الماء.
و لقد أشار عدد من المؤلفين إلى تأثير الرُّطب القابض للرحم، فقد ذكر الدكتور مصطفى محمود [عن مقالة له في مجلة (العلم والإيمان) العدد 30 لعام 1398 هـ]: إنّ أحدث بحث علمي عن الرطب يقول أن فيه مادة قابضة للرحم تساعده على الولادة وتساعد على منع النزيف بعد الولادة.
أما الدكتور محمد كمال عبد العزيز [عن كتابه (الأطعمة القرآنية)] فيقول: ويقوي الرطب الرحم وزيادة فترة انقباضاته، وقد أشار الله على مريم أن تأكل البلح فيغذيها من جهة ويزيد من انقباض الرحم بانتظام فتضع وليدها بسهولة من جهة أخرى...
و قد جاءت الأبحاث الخيرة لتكشف عن آثار الرطب التي تعادل آثار الرطب التي تعادل آثار العقاقير الميسِّرة لعملية الولادة والتي تكفل سلامة الأم والجنين معاً، وانقباض الرحم بعد الولادة يمنع النزيف الحاصل بها ويعود بالرحم إلى حجمه ومكانه الطبيعي قبل الحمل.
أما الدكتوران دياب وقزقوز [عن كتابهما (مع الطب في القرآن الكريم)] فقد كتبا يقولان: تبين أن الأبحاث المجراة على الرطب أنها تحوي مادة مقبضة للرحم، وتقوي عضلات الرحم في الأشهر الأخيرة للحمل فتساعد على الولادة من جهة كما تقلل النزف الحاصل بعد الولادة من جهة أخرى. ومن هنا نفهم الإعجاز القرآني العظيم فيما نصت عليه هذه الآية، عن في ذلك عبرة لأولي الأبصار.
إفطار الصائم على التمر:
عن سلمان بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة فمن لم يجد تمراً فالماء فإنه طهور " [رواه الترمذي وقال حديث حسن، وقال عبد القادر الأرناؤوط: إسناده صحيح]. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فتمرات فإن لم تكن تمرات حَسا حَسوات من الماء، [رواه أحمد وأبو داود والترمذي].
يقول الدكتور أحمد عبد الرؤوف هاشم [عن كتابه (رمضان والطب)]: إن وراء هذا الهدي النبوي حكمة رائعة وهدياً طبياً عظيماً... فأهم شيء يجب تزويد الصائم به حال فطره هو طاقة جديدة تعوضه ما فقده نهار صومه، كذلك فالجسم في حاجة ماسّة إلى الماء وإزالة شعور العطش لديه. وأسرع شيء يمكن امتصاصه هي المواد السكرية وخاصة الأحادية منها. فالمواد السكرية في صورة محلول مائي يمكن امتصاصها في صورة ميسّرة في المعدة والأمعاء الفارغة عند الصائم وهذا ما يحققه الرطب وبذا يرتفع مستوى سكر الدم في وقت وجيز.
و من الملاحظات الهامة أن التمر والرطب يكادان يخلوان من الدهن وبذا لا يحتاج هضمها لساعات طويلة وكذلك الحال بالنسبة للبروتينات. كما أن وجود الألياف السللوزية في التمر بنسبة عالية له مزايا أخرى تفيد تعمل كإسفنجة تمتص الماء داخل المعي وتعطي البراز حجماً معقولاً مع إحداث تليين طبيعي يمنع حدوث الإمساك عند الصائم.
التمر... ترياق من السموم:
عن عامر بن سعد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من تصبح كل يوم بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سمٌّ ولا سحر " [متفق عليه] قال الخطابي: كون العجوة تنفع من السمّ والسحر إنما ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لتمر المدينة لا لخاصية في التمر. وقال ابن حجر: وأما خصوصية السبع فالظاهر أنها لسر فيها. وقال القرطبي: وظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السمّ وإبطال السحر. وقال المناوي في فيض القدير: وليس ذلك عاماً في العجوة بل خاصاً بعجوة المدينة بدليل رواية مسلم: " من أكل سبع تمرات مما بين لابيتها _ أي المدينة _ لم يضره في ذلك اليوم سمٌ ". قال المناوي: وتخصيصه بسبع لخاصية هذا العدد علمها الشارع وقد جاء في مواضع كثيرة فما جاء من هذا العدد مجئ التداوي فذلك لخاصية لا يعلمها إلا الله ومن أطلعه عليه، وما جاء عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ في عجوة العالية شفاءٌ أو أنها ترياق أوّل البكرة " [رواه مسلم]، وقال النووي في شرحه: والعالية ما كان من الحوائط والقرى والعمارات من جهة المدينة العليا وهي جهة نجد...
و في هذه الأحاديث فضيلة تمر المدينة وعجوتها، وفضيلة التصبح بسبع تمرات منها، وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع ولا نعلم نحن حكمتها فيجب الإيمان بها واعتقاد فضلها والحكمة فيها.
و عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم والكماة من المنّ وماؤها شفاء للعين " [رواه أحمد والترمذي وابن ماجة]، هذه الرواية تتفق مع رواية البخاري بعدم تخصيص لتمر المدينة أو عجوتها.
قال القرطبي: ومن أئمتنا من تكلّف فقال: إن السّموم إنما تقتل لفرط برودتها فإذا داوم على التصبّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة وأعانتها الحرارة الغريزية فقاوم ذلك برودة السمّ ما لم يستحكم، قال: وهذا يلزم رفع خصوصية عجوة المدينة.
و قال ابن القيم: عجوة المدينة من أنفع تمر الحجاز وهو صنف كريم من ألين التمر وألذه... والتمر في الأصل من أكثر الثمار تغذية لما فيه من القوة الترياقية. فإذا أديم أكله على الريق جفف مادة الدود وأضعفه أو قتله.
قال ابن حجر: وفي كلامه إشارة إلى أن المراد نوع خاص من السمُّ وهو ما ينشأ عن الديدان التي في البطن لا كل السموم، لكن السياق يقتضي التعميم لأنه نكرة في سياق النفي.
و في هذا المجال يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي: السموم أنواع، والتسمم إما أن يكون خارجي المنشأ، يدخل الجسم عن طريق الجروح أو لدغات الأفاعي، أو عن طريق طلاء الحروق الواسعة بمواد تعدُّ سامة بمقدارها الكبير كالميركروكروم، أو عن طريق الفم مع الطعام والشراب أو عن طريق التنفس... وإما أن يكون التسمم داخلي المنشأ كالانسمام بالبولة _ أوريميا _ أو بانحباس الآزوت لقصور كلوي _ آزوتيميا _ والانسمام نتيجة التفسخات المعوية وذيفانات الجراثيم والطفيليات.
هذا ويتخلص الجسم من جميع المواد الضارة ومن ذيفانات الجراثيم ونتائج تعفن المواد الغذائية في الأمعاء عن طريق ربطها في الكبد ببعض المركبات ومن أهمها الغلوكورونيك الذي يصنعه الكبد نتيجة أكسدة سكر العنب. ونستطيع القول أن وظيفة الكبد في إبطال المركبات السامّة من أهم وظائفه، ولذا كان سكر العني داخلاً في حمية ومعالجة الانسمامات المختلفة، والتمر والرطب من أغنى الفواكه بهذا السكّر.
وللحكم الصحية السابقة ولحكم أخرى قد يكتشفها الطب في المستقبل _ الله أعلم بها _، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتناول الإنسان صباحاً سبع تمرات عجوة قبل الفطور ليمتص سكرها بسرعة ويدخرها في الكبد مما يساعده على تخريب السموم وتعديلها، أضف إلى ذلك المعالجة الروحية وعُلُوَّ المعنويات الناجم عنها عندما يصبح المسلم بسبع تمرات يقيناً وتصديقاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما انه وقاية من السحر:
فالذي يتصبح بسلع تمرات إيماناً وتصديقاً لنبيه صلى الله عليه وسلم فإن يقينه بالله تعالى يزيد التجاؤه إليه، وتوكله عليه بقوى، وبذلك تقوى معنوياته وتزداد مقاومته الجسدية والنفسية، فلا مجال للوساوس والمخاوف وتوقع حدوث سحر يصيبه أو دسّ سمّ من قبل عدوٍ يكيد له. وإذا ما وقع ذلك فإن الأضرار تخف بما قدَّم من اعتقاد بالله وثقة به وتصديق لنبيّه فهي وقاية نفسية ومعالجة روحية في هذا المجال _ السّحر _.
و قال ابن القيم: إن من شرط انتفاع العليل بالدواء قبوله واعتقاده النفع به فتقبله الطبيعة فتستعين به على دفع العلة حتى أنّ كثيراً من المعالجات تنفع بالاعتقاد وحسن القبول وكمال التلقي.
التحنيك بالتمر:
جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: وُلِد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسمّاه إبراهيم وحنّكه بتمرة. يقول الدكتور فاروق مساهل في كتابه (تكريم الإسلام للإنسان): والتحنيك هو معجزة طبية للنبي صلى الله عليه وسلم لم تظهر الحكمة من ورائها إلا حديثاً. فالطفل بعد ولادته يجد نفسه وقد انفصل عن أمه، وانقطع سيل الغذاء الجاهز إليه، فيلجأ للاعتماد على ما استطاع جسمه تخزينه من الطعام وهذا ليس بالكثير أثناء حمله في رحم أمه، لحين إفراز اللبن من ثدي والدته. ويستغرق إفراز اللبن وقتاً متفاوتاً _ من 1 _ 3 أيام _. وبما أن نشاط أجهزة الجسم عند المولود تكون في قمتها في محاولة لملائمة الوضع الجديد فإن المخزون في جسمه يستهلك بسرعة، وقد تنخفض تبعاً لذلك نسبة السكر في الدم. وحيث أن الفترة الحرجة في إطعام الطفل تقع بين انتهاء ولادته وبدء رضاعته فإننا نجد في تكريم المولود على يدي النبي صلى الله عليه وسلم بتحنيكه بالتمر الممتلئ بالسكر والذي يمتص في عروقه فيحافظ على مستوى السكر في دمه لحكمة كبيرة...
و من هنا تتضح الأهمية العظمى للتحنيك في تغطية الفجوة هذه في تغذية المولود بين ولادته وبدء رضاعته من ثدي أمه.
التمر طعام النبي صلى الله عليه وسلم:
عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل القثاء بالرطب، [رواه البخاري ومسلم]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أرادت أمي أن تسمّني لدخولي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أقبل عليها بشيء مما تريد حتى أطعمتني القثاء بالرطب فسمنت كأحسن ما يكون السمن، [رواه أبو داود وقال عنه الشيخ عبد القادر أرناؤوط: حديث صحيح _ (جامع الأصول)]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل البطيخ بالرطب، [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].
و جاء في تذكرة أولي الألباب لداود الأنطاكي: التمر هو المرتبة السابقة من تمر النخيل، يقطع السعال المزمن وأوجاع الصدر ويستأصل شأفة البلغم خصوصاً إذا أُكل على الريق ويغذي كثيراً، ومع الحليب يقوي الباه... وأكد ابن البيطار هذه الفوائد فقال: والتمر يسخّن البدن وهو صالح للصدر والرئة والمعي وإذا نقع في الحليب أنعظ إنعاظاً قوياً...
أما ابن قيّم الجوزية فقد شرح فوائد التمر في كل مراحله [عن كتابه (الطب النبوي)] فقال: البُسر حارٌ يابس يحبس البطن وينفع اللثة والفم وأنفعه ما كان هشاً وحلواً. والرطب يقوي المعدة الباردة ويزيد في الباه ويخصب البدن ويغذي غذاءً كثيراً.
أما التمر فهو مقوٍّ للكبد ملين للطبع يزيد في الباه ولاسيما مع جب الصنوبر، ويبرئ من خشونة الحلق. وهو من أكثر الثمار تغذية للبدن وأكله على الريق يقتل الدود وهو فاكهة وغذاء
مراجع البحث
1. دكتور حسان شمسي باشا: عن كتابه (السودان: التمر والماء)، جدة: 1992
2. المهندس الزراعي أجود الحراكي: عن مقالة (التمر) مجلة حضارة الإسلام، العدد 7، أيلول: 1977.
3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث). المجلد 3
4. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
5. دكتور محمد كمال عبد العزيز:عن كتابه (الأطعمة القرآنية) _ 1991.
6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
7. ابن البيطار: عن كتابه (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية).
8. عبد الله عبد الرزاق السعيد: عن كتابه (الطب والنخلة) _ جدة: 1985.
التين Ficus
التين هو الثمرة المباركة التي أقسم الله سبحانه وتعالى بها في محكم تنزيله فقال: {وَ التَيِنِ والزَّيتُونِ وطُورِ سِينِينَ ْ}. وقد اختلف أهل التأويل في تفسيرها فقال معظمهم: عُني بالتين: التين الذي نأكل، والزيتون الذي يعصر.فقد رُوي عن الحسن قوله: تينكم هذا الذي يؤكل وزيتونكم هذا الذي يعصر. وعن عكرمة قال: التين والزيتون هو التين والزيتون الذي تأكلون. وعن مجاهد قال: هي الفاكهة التي يأكل الناس. ومثل ذلك روي عن ابن عباس وعطاء وجابر بن زيد وغيرهم. ونقل ابن الجوزي أنه سبحانه إنما أقسم بالتين لأنها فاكهة مخلصة من شائب التنغيص وهو يدل على قدرة من هيأه على تلك الصفة وجعل الواحدة منها على مقدار اللقمة.و قال آخرون: التين مسجد دمشق والزيتون مسجد بيت المقدس. وقيل أن التين هو مسجد نوح الذي بناه على الجودي، وقيل أنها أسماء لجبال في بلاد الشام، وبعد أن يذكر ابن جرير الطبري _ شيخ المفسرين _ هذه الأقوال يقول: والصواب عندنا قول من قال: التين هو التين الذي يؤكل والزيتون الذي يعصر منه الزيت لأن ذلك هو المعروف عند العرب ولا يعرف جبل اسمه تينا ولا جبل يقال له زيتون إلا أن يقول قائل: أقسم ربنا جل ثناؤه بالتين والزيتون والمراد من الكلام والقسم بمنابت التين ومنابت الزيتون فيكون ذلك مذهباً، وإن لم يكن على صحة ذلك أنه كذلك في ظاهر التنزيل.
أما ابن القيم فقال: لما لم يكن التين بأرض الحجاز لم يأت له ذكر في السنة ولكن أقسم الله به في كتابه لكثرة منافعه وفوائده.. والصحيح أن المقسم به هو التين المعروف.
و يرى الشيخ محمد محمود عبد الله أن القسم في القرآن يرد على نوعين: فأما لفضيلة وإما لمنفعة، والقسم بالتين والزيتون جاء لمنفعة للخلق فهما شراب وطعام وشفاء وإدام. واقترانهما لتمام الفائدة، فالتين مع الزيتون غذاء مكتمل يمدان الإنسان بما يحتاج إليه من الغذاء والفيتامينات والمعادن.
و قد عرف البشر التين في القديم وزرعوه منذ أكثر من 4000 عام، وورد ذكره في التوراة والإنجيل، وانتشر في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وذكره سقراط وهوميروس وكان أفلاطون يكثر من تناوله لذا سمي صديق الفلاسفة.
واستعمله الفينيقيون غذاءً ودواء فصنعوا منه لزقات لمعالجة البثور، وعالجوا الحميات بنقيعه. أما الفراعنة فقد استعملوه علاجاً لآلام المعدة، ويؤكد ابن سينا أن التين مفيد جداً للحوامل والرضع وأنه ينفع من الاستسقاء. أما الرازي فيقول بأن التين يقلل الحوامض في الجسم، ويدفع أثرها السيئ.
و قال الموفق البغدادي: أن التين كثير الغذاء أغذى من جميع الفاكهة، وفيه تليين للطبع، وتسكين للعطش، وينفع السعال المزمن، ويدر البول، ولأكله على الريق منفعة عظيمة في تفتيح مجاري الغذاء.
أما ابن القيم فيذكر أن أجوده الأبيض القشر، يجلو رمل الكلى والمثانة، ويؤمن من السموم، وهو أغذى من جميع الفاكهة، وينفع خشونة الحلق والصدر، ويغسل الكبد والطحال، وينقي الخليط البلغمي من المعدة، ويابسه يغذي وينفع العصب.
و يعتبر التين من أغنى الفاكهة بالفيتامينات وخاصة " ب 1 " و" ب2 " و" ث " والكاروتين _ طليعة الفيتامين " أ " _. كما يحتوي على نسبة عالية من المواد المعدنية وخاصة الحديد والكلس والنحاس، وهي المواد البانية لخلايا الجسم والمولدة لخضاب الدم، حيث تفيد المصابين بفقر الدم. كما يحتوي على نسبة عالية من السكاكر (من 18 _ 30 %) حسب رطوبته وجفافه، أما المواد الآزوتية فتتراوح بين 1 _ 5 %، المواد الدسمة من 0.1 _ 20 %، وتعطى الـ 100 غ من التين الرطب 70 حريرة وتصل إلى 268 في التين الجاف، لذا فإنها تهب آكلها مقداراً من الطاقة يساعد على التغلب على برد الشتاء وتمنحه القوة والنشاط.
إن غناه بالفيتامين " ب 1 " يجعله مفيداً في التهابات الأعصاب، وهو غذاء جيد للمصابين بالخرع وترقق العظام ولينها وواقياً من الإصابة بها لغناه بالكلس والفوسفور. وذكر بعضهم غناه بالفيتامين " ك " الذي يساعد على تخثر الدم وإيقاف النزوف.
و تجفيف التين يزيد من تركيز العناصر الغذائية فيه، إلا أنه يفق بعد التجفيف ثروته من الفيتامين " ث " غير أنه يحتفظ بباقي الأنواع الأخرى من الفيتامينات على الأرجح.
و إذا قطعت أغصانه أو أوراقه خرج منهل سائل لبني راتنجي أبيض إذا أضيف إلى الحليب يخثره، وإذا طليت به الأثفان والتآليل مرة كل يوم تشفى غالباً. ونظراً لغنى التين بالألياف السللوزية وحوامض الفواكه فإن ثماره ملينة ومحرضة لإفراغ الأمعاء وللتبرز [صنعت شركة Boots عقاراً مليناً على شكل شراب من ثمار التين أسمته Syrup of Figs]و يحرض لإفراغ المرارة مما يجعل منه علاجاً ممتازاً للمصابين بالإمساك المعند والمزمن ويكفي تناول بضع تينات على الريق سواء أكانت جافة أم غضة.
و يفيد منقوع التين في علاج التهابات الجهاز التنفسي كالتهاب القصبات والحنجرة مما يؤدي إلى تهدئة السعال. كما أن تناول كأس من هذا المنقوع قبل كل طعام يفيد في معالجة التهاب الفم والبلعوم واللثة. ولنفس الغاية يمكن استعمال مغلي ثماره الجافة (40
_ 120 غ / لكل ليتر ماء).كما يساعد على إدرار البول والحليب. ويعتبر شراباً ملطفاً لمرضى الحصبة والحمى القرمزية ومفيد جداً لمعالجة النزلات الصدرية والرشح. ولحل البلغم في المسالك الهوائية _ كمقشع _ يمكن تناول مغلي الثمار المجفف مع الأعشاب الصدرية بمقدار فنجان ساخن 3 مرات يومياً.
و كغذاء مقوٍ توصف ثمار التين للأطفال والناقهين والحوامل وللمصابين بالوهن الجسمي والعصبي والتهيجات المعدية _ المعوية، والقبض والالتهابات الرئوية والبولية وخارجياً يمكن لثمرة التين بعد شقها ونقعها بماء مغلي أن تطبق موضعياً لمعالجة القروح والجروح المتعفنة والدمامل بحيث يكون سطحها الداخلي فوق الآفة تماماً.أما مغلي أوراق التين فيفيد مسكناً للسعال ولمعالجة اضطراب الحيض حيث يعطى في الموعد المتوقع لإدرار الطمث، كما يفيد غرغرة للفم في التهابات اللثة.
التين كعامل في منع الأورام:
[مقتبس عن مقالة بنفس العنوان لأسامة القوتلي ودكتور ظافر العطار في مجلة الدواء العربي _ عمان، عدد نيسان، 1992].
إن استعمال ثمرة التين كعلاج بدأ ينتشر في العالم بأسره، فلقد كتب عنه العالم الأمريكي " جوناثان هارتويل " [Harwell من معهد السرطان الوطني في Bethesda Maryland ونشرته مجلة Lloydia عدد كانون ثاني 1970]، كما اهتم به الدكتور الياباني كوتشي [M. Kochi: من مستشفى اتشي جوكاي في مدينة تشيبا اليابانية] منذ زمن بعيد إذ أكد خصائص التين العلاجية. فقد لاحظ أن سرطان إرليخ Ehrlich Carcinoma في الفئران يتوقف إذا ما استعمل عصير التين، كما أكد على النتائج الحسنة لمعالجته لورم خبيث عند الإنسان بواسطة قطارة بخار التين في مؤتمر السرطان العالمي الثاني عشر 1978.
و في دراسة حديثة تابع كوتشي وزملاءه المكوِّن الفعال في القطارة البخارية لثمار التين [يغلى 2 كغ من التين مع ليتر ماء ثم يقطر البخار للحصول على 600 مل من القطارة] باستخدام فئران زرع تحت جلدها سرطان غدي Adenocarcinoma. وبعد الزرع ب24 ساعة حقنت هذه الفئران يومياً بمقدار 1 مل من القطارة وبعد 11 يوماً أميتت هذه الفئران وقورن الوزن الوسطي للأورام مع معدلات من المجموعة من الفئران التي لم تخضع للمعالجة فتبين أن القطارة البخارية لثمرة التين قد خفضت الوزن الوسطي للورم بمعدّل 39 % وتبين بعد ذلك أن العامل الفعال هو زيت اللوز المر أو البنزالدهيد وأنّ تركيزها ضمن القطارة المذكورة هو ضمن جزء من المليون تقريباً.
ثم أعطي زيت اللوز المر على شكل مركب سايكلود كسترين زيت اللوز المر [عن مجلة Cancer Treatment Reports _ كانون الثاني _ 1980] والذي رمز له بـ CDBA عن طريق الفم والشرج بجرعة يومية مقدارها 10 ملغ لكل كغ من وزن المريض لـ 90 مريضاً يعانون من أورام سرطانية متقدمة ومستعصية على الجراحة. وكان بالإمكان تقويم حالة 57 من المرضى الخاضعين للعلاج. إذ استحباب 19 منهم للعلاج استجابة تامة واستجاب آخرون جزئياً _ أي تراجع المرض لأكثر من 50 %]. وقد أجبرت المعالجة الخلايا الصُدفية السرطانية على التحول إلى الشكل الطبيعي.
شملت الدراسة 57 مريضاً منهم 32 رجلاً و15 امرأة. واستغرقت عامين وخمسة شهور وخضع المرضى لفترة مراقبة لأكثر من سنتين. كان منهم أربعة مصابون بسرطان الخلية الصدفية للسان وكانوا في بدء المعالجة بحالة خطرة جداً، استمرت فترة المعالجة من 1.5 _ 6 شهور وقد حصلوا على الشفاء التام. ومما يلفت النظر عندهم أن الخلايا المتسرطنة تماثلت نحو التحسن بشدة وتحولت إلى خلايا صدفية متقرنة. ومريض آخر كان يعاني من سرطان الخلية الصدفية نظير الجيي مع انتقالات رئوية، حصل على استجابة جزئية بعد 3 شهور من العلاج فتلاشت الأورام الرئوية وتحسن الورم في المنطقة الصدغية. وهناك حالة طفل في الرابعة من العمر كان يعاني من سرطان الدم النقيوي الحاد، عولج لمدة 10 شهور بالأدريامايسين وغيره من موقفات النمو الخلوي دون أن يشفى، طبق له العلاج بالقطارة التينية لمدة عشرة أيام حيث بدأ يتماثل للشفاء وبدأ تعداد الكريات البيض والصفيحات وخضاب الدم بالعودة إلى مقداره السويّ واستغرق التخلص التام من الورم من أربعة أشهر.
و قد ثبت أن زيت اللوز المر غير ضار بوظائف الكبد والكلى، كما أنه لا يسبب أي عرض جانبي كنقص الكريات البيضاء والإقياء وسقوط الشعر وغيرها كباقي الأدوية السرطانية. نعم! تلكم ثمرة التين المباركة.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. الإمام ابن جرير الطبري: عن كتابه (جامع البيان عن تفسير القرآن).
3. محمد محمود عبد الله: عن كتابه (الطب القرآني غذاء ودواء) القاهرة: 1989.
4. ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).
5. موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة) تحقيق دكتور عبد المعطي قلعجي.
6. دكتور صبري القباني: (الغذاء لا الدواء) بيروت 1977.
7. أسامة القوتلي وظافر العطار: عن مقالة (التين كعامل في منع الأورام) مجلة الدواء العربي _ عمان، نيسان: 1992.
8. محمد شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.
9. أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) 1984.
10. دكتور محمد كمال عبد العزيز:عن كتابه (الأطعمة القرآنية) _ 1991.
11. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
الثُفّاء
عن قيس بن رافع القيسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر " [أخرجه أبو داود في مراسليه والبيهقي، ونقله عنهما السييوطي رمز له بالضعف (فيض القدير)].
عن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر " [في الجامع الأصول: أخرجه رزين، وأثبته الحافظ الذهبي من إخراج الترمذي].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالثفاء فإن الله جعل فيه شفاء من كل داء " [رواه ابن السني وأبو نعيم في الطب، وعنهما السيوطي، وسكت عنه مما يرمز عادة للحسن (فيض القدير)].
قال الكحال بن طرخان: الحرف وهو الثُفّاء _ وتسميه العامة حب الرشاد _ وهو يسخن ويلين البطن ويخرج الدود ويحرك شهوة الجماع. وإذا طبخ مع الأحساء _ جمع حساء _ أخرج الفضول من الصدر، ويمسك تساقط الشعر، وإذا تضمد به مع الماء والملح أنضج الدمامل، وينفع الربو وعسر التنفس وينقي الرئة ويدر الطمث. وإن شرب منه بعد سحقه وزن خمسة دراهم بالماء الحار أسهل الطبيعة وحلل الرياح ونفع من وجع القولنج البارد، وإذا سحق وشرب نفع من البرص وإن لطخ عليه وعلى البهق الأبيض نفع منهما ونفع من الصداع الكائن من البرد والبلغم.
و قد نقل ابن القيم ما ذكره الكحال دون أن يشير إليه وزاد عن جالينوس: قوته مثل قوة بزر الخردل لذلك قد يسخن به أوجاع الورك المعروفة بالنساء وأوجاع الرأس ...
و الثُفّاء Cresson أو Lepidium Sativum نبات عشبي حولي قائم من الفصيلة الصليبية Cruciferae موطنه منطقة الشرق الأوسط والحجاز ونجد. وأزهاره بيضاء متعددة.
و من أسماء الثفّاء _ الرشاد _ في سورية _ البقدونس الحاد _ يؤكل من غير طبخ حيث تضاف أوراقه الغضة إلى السلطات والحساء ومع اللحوم والسمك كمادة مشهية، مسهلة للهضم. ويجب ألا يضاف إليه الملح للاستفادة من خواصه الطبيعية. وتفيد مادة اليخضور الموجودة فيه امتصاص الروائح من الجسم، كما أن أوراقه مدرة للحليب عند المرضعات.
و هو أكثر النباتات غنى بمادة اليود وهذا ما يجعله سهل الهضم كما يحتوي على الحديد والكبريت والكلس والفوسفور والمنغنيز والزرنيخ، وهو غني بالفيتامين " ج " = " C " وفيه نسبة قليلة من الفيتامين " أ " و" ب " و" PP " والكاروتين، وتدل دراسات حديثة على احتوائه عنصراً من المضادات الحيوية المبيدة للجراثيم.
و يرى الدكتور جان فالينه أن الثفّاء مقو ومرمم ومشه، مفيد لمعالجة فقر الدم، وضد داء الحفر، مدر للبول، مقشع ومهدئ، خافض للضغط، ومنشط لحيوية بصيلات الشعر حيث تطبق عصارته على فروة الرأس لمنع تساقط الشعر، ولمعالجة التقرحات الجلدية.
تؤخذ عصارة الأوراق بمقدار 60 _ 150 غ مع الماء أو الحساء لطرد الدود ومكافحة التسمم وينصح بتناوله المصابون بالتعب والإعياء وللحوامل والمرضعات والمصابين بتحسس في الطرق التنفسية والجلدية كما في الأكزيما، وهو نافع للبواسير النازفة. أما البذور فيستعمل مغليها أو منقوعها او مسحوقها لمعالجة الزحار والإسهال والأمراض الجلدية وتضخم الطحال، ويصنع كمادة من المسحوق كمسكن لمعالجة آلام البطن والآلام الرئوية وغيرها، كما يفيد تناوله داخلاً كطارد ومقو جنسي ومطمث للنساء.
مراجع البحث
1. الإمام السيوطي: عن كتابه (الجامع الصغير).
2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
3. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموسي الغذاء والتداوي بالنبات).
4. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء).
5. دكتور محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب).
6. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
7. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية).
8. مجموعة مؤلفين: (النباتات السعودية المستعملة في الطب الشعبي).
إن هذه الحبة السوداء شفاء
روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من داء إلا وفي الحبة السوداء منه شفاء إلا السّام " وفي رواية أخرى لهما: " في الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السّام " قال ابن شهاب السّام الموت.
والحبة السوداء الشونيز [الحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز (الفارسية) بكثير. وتفسيرها بالشونيز هو الأكثر الأغلب وهي الكمون الأسود ويقال الكمون الهندي أيضاً].
أخرج البخاري عن خالد بن سعيد قال: خرجنا ومعنا غالب بن أبجر فمرض في الطريق فقدمنا المدينة وهو مريض، فعاده ابن أبي عتيق [أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق صحابي ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم] فقال لنا: عليكم بهذه الحبة السوداء فخذوا منها خمساً أو سبعاً فاسحقوها ثم اقطروا في أنفه بقطرات زيت في هذا الجانب وفي هذا الجانب فإن عائشة أم المؤمنين حدثتني أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن هذه الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا السّام " قلت: وما السّام، قال: الموت.
و في رواية أخرى عن قتادة قال: حُدثت أن أبا هريرة قال: الشونيز دواء من كل داء إلاَّ السّام. قال قتادة: يأخذ كل يوم إحدى وعشرين حبة من الشونيز فيجعلها في خرقة وينقعها ويتسعط بها كل يوم.
الأول في منخره الأيمن قطرتين وفي الأيسر نقطة.
والثاني في الأيمن قطرة وفي الأيسر اثنتين.
والثالث في الأيمن قطرتين وفي الأيسر قطرة. [رواية قتادة هذه أخرجها الترمذي موقوفة وفي سندها انقطاع].
قال الحافظ ابن حجر: ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة السوداء شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفاً، بل استعملت مركبة، مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلاً وشرباً وسعوطاً وضماداً وغير ذلك. والذي أشار إليه ابن أبي عتيق ذكره الأطباء في معالجة الزكام مع عطاس شديد. وقيل أن قوله صلى الله عليه وسلم " كل داء " تقديره: يقبل الشفاء بها.
و قال الخطابي: قوله " من كل داء " هو من العام الذي يراد به الخاص، لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بما يقابلها وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة.
و قال أبو بكر بن العربي: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواءً من كل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل " فيه شقاء للناس " الأكثر الأغلب، فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى.
و قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث وخصّوا عمومه وردّوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأننا إذا صدقنا أهل الطب _ ومدار علمهم غالباً إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب _ فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم.
التسمية والتصنيف:
من أسماء الحبة السوداء المشهورة (حبة البركة)، وهو كما يقال نسبة إلى جارية سوداء كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، واسمها بركة وأضيفت " الـ " التعريف إليها تيمناً وتبركاً. وهي صحابية جليلة عرفت بأم أيمن وهي حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانت تستعمل هذه الحبة في معالجة المرضى عملاً بدعوة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
تنتمي نبتة الحبة السوداء Nigella إلى العائلة النباتية الشققية Ranunclaccaeو يوجد منها عالمياً أكثر من 20 صنفاً وأكثر أنواعها شهرة واستعمالاً في المجال الطبي ثلاثة أنواع:
1. الحبة السوداء المزروعة: Nigella Sativa وتدعى بالهندية، ومن أسمائها الكمون الأسود Black Cumin والكمون الهندي ويسميها الإنجليز Small fennel flower.
2. الحبة السوداء الحقلية: Arvensis Nigella ويسميها الإنجليز Small fennal
3. الحبة السوداء الشامية أو الدمشقية: Nigella Damascena وتدعى: التركية ويسميها الإنجليز Wild fennal.
الحبة السوداء: النبتة _ وصفها وزراعتها:
نبتة عشبية تزرع كنبتة غذائية، وتنبت تلقائياً بين الأعشاب كنبتة طفيلية وخصوصاً في المناطق الحراجية. وتنمو الحبة السوداء المزروعة في حوض البحر الأبيض المتوسط وآسيا الصغرى وإيران وفي آسيا الوسطى والقفقاس.
و أول ما زرعت في الهند ثم نقلها العرب إلى بلادهم ومنها إلى إفريقيا _ في نيجيريا خاصة وأثيوبيا _ وتكثر زراعتها كتوابل في سورية وفلسطين وجنوب أوربا.
و تبلغ طول أعشابها من 10 _ 40 سم، سوقها منتصبة خشنة مغطاة بأشعار طرية، أوراقها خضراء مزرقة ريشية التقاطع إلى وريقات خطية أزهارها كبيرة بلون سماوي مخضر.
الثمار الناضجة ثلاثية القطع، وحبيباتها درنية متجعدة سوداء بيضاوية الشكل.
أما الحبة السوداء الدمشقية فتنمو كنبات طفيلي في حوض البحر الأبيض المتوسط والقفقاس وآسيا الصغرى وتزرع في أوربا كنبات للزينة وكتوابل وخاصة في ألمانيا وإيطاليا والهند وتنمو دون زراعة في الغابات بين شهري أيار وتموز، ساقها مستقيم يميل لونه إلى البنفسجي أوراقها قاسية وأزهارها زرقاء متطاولة منتفخة.
أما الحبة السوداء الحقلية فتنمو على ضفاف البحر الأسود والقفقاس وأوزبكستان وحوض البحر الأبيض المتوسط وإيران.
التركيب الكيماوي للحبة السوداء:
تحتوي بذرة الحبة السوداء على 1.4 % من وزنها الجاف على غليكوزيدسام [الميلانتين غليليكوزيد سام إذا أعطي لوحده وفاق المقدار الدوائي] هو الميلانتين Melantin وعلى غليكوزيد مُرّ بنسبة 0.5 _ 1.5 % هو النيغللين Nigellin.
كما تحتوي على زيت عطري إيتري بنسبة 1.4 % وهو زيت أصفر اللون ذو رائحة حادة واخزة لاحتوائه على التربين، ويستحصل على هذا الزيت الإيتري بواسطة التقطير ببخار الماء، كما تحتوي البذور على زيت دسم بنسبة 30.8 _ 44.2 %.
أما الأوراق فتحتوي وقت الأزهار على 1 _ 2.2 غ في كل 100 غ من وزنها جافة من الفيتامين " ث ". أما الأزهار فتحتوي على كمية عالية جداً من الفيتامين " ث " تبلغ حسب بعض الدراسات 1259 ملغ في كل 100 غ من الأزهار. ويجب أن نعلم أن الميلانتين يوجد في أجزاء العشبة كلها وهو شبه قلوي سام، حتى لذوات الدم الحار، وهو سمٌّ قوي للأسماك يسبب انحلال الدم عندها.
أما الحبة الدمشقية فتحتوي بذورها على زيت إيتري خاص يدخل في صناعة العطورات، لونه أصفر وذو فلورة سماوية شديدة وتبلغ نسبته فيها من 0.5 _ 0.37 % من وزنها. كما تحتوي البذور على شبه قلوي (الملانتين) وعلى شبه قوي آخر هو الدمشقين Damacin كما تحتوي على نسبة من الفيتامين E الذي يكون منحلاً في الزيت الدسم الموجود في البذور. وفي أوراقها نسبة من الفيتامين " ث " تصل حتى 430 ملغ %.
أما الحبة الحقلية فهي في تركيبها قريبة جداً من الحبة السوداء المزروعة المذكورة آنفاً.
الفوائد الطبية للحبة السوداء:
تعتبر الحبة السوداء وخاصة المزروعة Nigella Sativa من أقدم النباتات الطبية استعمالاً فقد وصفها ابن سينا لمعالجة آلام الرأس في الصداع والشقيقة وفي شلل العصب الوجهي ومن أجل معالجة الساد Cataract، كما ذكر في وصفة له يمزج فيها مسحوق الحبة السوداء مع العسل ويشرب بالماء الحار لمداواة وتفتيت حصى الكلى والمثانة وإدرار البول. كما يصفها سعوطاً بعد نقعها بالخل لمعالجة الصداع والشقيقة والزكام وسواها. وقد ذكرها ابن القيم كمادة مدرّة للحليب عند المرضعات ومنشطة للجنس ومطمثة.
و في الطب الشعبي العربي تؤكل مع الزبيب كمادة مقوية للبدن، محمّرة للوجه مزيلة لصفرته. كما عرفوا طريقة لاستخراج الزيت من بذور هذه الحبة واستعملوه في معالجة السعال المزمن وداء الربو القصبي حيث تضاف بضع نقاط منه (5 _ 15 نقطة حسب العمر ثلاث مرات في اليوم) مع الشاي أو مغلي الزهورات أو مع الماء، كما تعطى كمادة مضادة للمغص ومسكنة لآلام الأمعاء.
و في آسيا الوسطى لا تستعمل الحبة السوداء إلا كعلاج، كما وجد اسمها منذ القديم في معظم القواميس الطبية الأوربية. وتذكر المصادر السوفياتية والأوزبيكية بشكل خاص عدداً من الاستطبابات الهامة للحبة السوداء المزروعة حيث تؤكد أن صبغة مستخلصة من بذورها لها خواصَّ مسكنة وتعطي نتائج باهرة باستعمالها غرغرة لتسكين آلام الأسنان، وفي آفات المعدة تستعمل كمادة مضادة للمغص المعدي _ المعوي، ملينة وطاردة للغازات وذلك بفضل ما تحتويه من زيت إيتري [خالماتوف، صحابيدنيوف، أو غومفيتس وغيرهم].
و تؤكد المصادر المذكورة فائدة الصبغة المستخلصة من بذور الحبة السوداء بعد مزجها بالخل كدواء طارد للديدان وخاصة الشريطية، وتعطي نتائج ممتازة لمعالجة الزكام والرشح والتهابات الحنجرة، وتجمع الأبحاث السوفياتية على تمتع هذه الصبغة بخاصّية منوّمة لطيفة حيث يمكن استخدامها عند الأطفال لهذه الغاية.
و يؤكد الباحث الألماني أوتوغيسنر فائدة البذور كمادة مدّرة للبول والصفراء والحليب وكمادة مسرعة لبلوغ المراهقة لعادتها الشهرية _ مطمثة _ وفي حالة الإصابة بعسرة الطمث كما توصف في الطب البيطري وفي تعداد أدوية المعدة.
أما أوغومفيتس فيؤكد أن الصبغة المستخلصة من أوراق النبتة تبدي آثاراً عضلية إيجابية Positively inotopic وأخرى عصبية ناظمة سلبية Chronotropic بحيث تضاد فعل المبهم وتساير نظير الودي، ينجم عن ذلك بطء في حركة القلب _ مهدّئ _ وتزيد بذلك من حجم عمله المطلق.
و تمتاز الحبة السوداء الدمشقية _ الشامية _ برجحان خواصها المنومة إذا أخذت بكميات كبيرة وذلك لفعلها المخدر المركزي، كما أن مادة الدمشقين التي يحتويها زيتها الإيتري تعتبر مادة كوللينرجية، منبهة لنهاية الأعصاب فتشبه بذلك مادة البلوكاربين وتنبه إفراز اللعاب. هذا ولم تذكر المصادر العلمية أي استعمالات طبية للحبة السوداء الحلقية.
الحبة السوداء والربو:
إن استعمال الحبة السوداء في الطب الشعبي لمعالجة الربو وخاصة زيتها، والنتائج المشجعة التي تظهر من استعمالها دفع الباحثين المصريين: الدخاخني ومحفوظ إلى دراسة هذه النبتة والبحث عما يحتويه زيتها من مادة مؤثرة وتمكنّا بعد جهود مضنية استمرت خمس سنوات [تمت هذه الأبحاث في كلية الصيدلة في جامعة الإسكندرية عام 1960] إلى فصل المادة المؤثرة على شكل بلورات استخلصت من الزيت وسموها بالنيجيلون Nigellon. فقد حقنت حيوانات التجربة بمحلول هذه المادة ثم عُرِّضت لرذاذ من الهيستامين المولد للحساسية ثم للتشنج عند المصابين بالربو، فلم تظهر على تلك الحيوانات أي أعراض تشنجية، بينما تعرضت الحيوانات غير المحقونة بها إلى التشنج منذ الدقائق الأولى. كما أنه لم يظهر للنيجيلون أيّ أثر سميّاً ومهيج ولو حقن بكمية كبيرة وخاصة على القلب. كما تبين أنه بوسع الأوعية الدموية إذا كانت منقبضة بحالة طفيفة، ويساعد على إزالة التشنجات المعدية وله فعل باسط على العضلات الرحمية ويزيل انقباض الرحم.
و قد تمت معالجة 70 مريضاً بالنيجيلون يعانون من الربو القصبي لفترة تتراوح بين خمسة شهور و40 عاماً، وكانت أعمارهم بين 14 والـ 65 سنة، ومعظمهم كانوا من المزمنين ومن النوع الذي يستعمل كل ما تقع عليه أيديهم من الأدوية بما فيها الأدرينالين والأفدرين والأمينوفيللين ومضادات التشنج ومركبات ضد السعال وحتى مركبات الكورتيزون.
و قد أعطي 60 من هؤلاء المرضى النيجيلون بعد حلّه وتخفيف تركيزه حيث يعطى عن طريق الفم وبمقدار 15 نقطة 3 مرات باليوم، أما العشرة الباقون فقد أعطوا دواء وهمياً وأبقوا كشاهد.
و قد تبين بنتيجة الدراسة أن العشرة الذين أعطوا الدواء الوهمي لم يظهر عندهم أي تحسن أما الذين أعطوا النيجيلون فنستطيع أن نميز منهم ثلاث فئات: الفئة الأولى وعددهم 39 مريضاً: تحسنوا بشكل ملحوظ حتى أن 14 منهم توقفوا نهائياً عن تناول الأدوية الأخرى كما تخلصوا من نوبات الربو، أما الـ 25 الباقون فقد تحسنوا مع بقائهم على تناول الأدوية الأخرى ولكن بنسبة أقل. الفئة الثانية وعددهم 11 مريضاً: منهم 3 تحسنوا أول الأمر ثم انتكسوا، و8 مرضى لم يظهر عندهم أي تحسن ملحوظ. الفئة الثالثة وعددهم 10 مرضى لم يعودوا للمراقبة لنعرف نتائج معالجتهم.
و في أغلب الحالات المعالجة والتي تحسنت سريرياً وجد ارتفاع ملحوظ بالقدرة الحيوية عند المريض. هذا وإن العامل المثالي لمعالجة الربو لم نحصل عليه بعد، لكن كل الأدوية المستعملة وخاصة المشتقات الكورتيزونية لا تخلو من آثار ضارة، ولذلك فإن دواء جديد كالنيجيلون، خالياً من أي أثر سمي. يمكن أن يساعد المريض وسيكون موضع ترحيب، أما آلية تأثيره فيغلب أن يكون كمبسط مباشر للعضلات الملس.
الحبة السوداء والضغط الدموي:
يؤكد الأستاذ الدكتور ربيع الظواهري أن تفل الحبة السوداء بعد عصرها يخفض الضغط الدموي [الدكتور ربيع الظواهري أستاذ سابق في كلية طب عين شمس، والكلام منقول عن محاضرة له في المؤتمر الـ 23 العالمي الصيدلاني بمدينة مونستر في ألمانيا].
الحبة السوداء مضادة لنمو الجراثيم:
وجد الدكتور حافظ جنيد أثناء تجاره على العصيات الرقيقة Bacillus Subtilis أنَّ هذه الأنواع من الجراثيم لا تستطيع النمو في وسط غذائي يحتوي على الحبة السوداء. مما يدلّ على أن الحبة السوداء تحوي على مواد لها صفة الصادات، أوقفت نمو هذه الجراثيم.
تأثير الحبة السوداء على المناعة:
من المعروف أن الجهاز المناعي هو خط الدفاع الرئيسي في الجسم لأنه المسؤول عن محاربة
الجراثيم والحمات الراشحة Virus والعوامل الممرضة الأخرى، إضافة إلى دور هذا الجهاز في مقاومة السرطان. ولقد جاء أن كثيراً من أمراض العصر كالسرطان والآيدز تتمثل بضعف الجهاز المناعي في مقاومة الأمراض [Current: Medical diagnosis and Treatment].
و هناك آليات كثيرة ضمن بناء الجهاز المناعي، فيها آليات خلطية تتجلى بإفراز مواد هي الغلبولينات المناعية لكل منها عمله في مكافحة الانتانات وزيادة مقاومة البدن، ومنها آليات خلوية تعتمد على ارتكاس الخلايا الدموية وخاصة اللمفاويات والبالعات تجاه المستضدات. فهناك اللمفاويات التائية T. Cells [الخلايا التائية سميت نسبة لمصدرها من التيموس، أما البائية فينتجها جراب فيبر شيوس] التي يقوم كل نوع منها بوظيفة تختلف عن النوع الآخر
فهناك مثلاً اللمفاويات التائية محرضة المؤازرة Helper inducer T - Cells التي تساعد على تضخيم إنتاج الخلايا المصورية من الخلايا البائية بعد تأثرها مع المستضد. وهناك اللمفاويات التائية الكابتة Suppresor التي تثبط من تشكل الخلايا المصورية وتعتبر لذلك خلايا منظمة تكيف تشكل الأضداد. وفي الإنسان السويّ هناك نسبة ثابتة بين الخلايا المؤازرة والخلايا الكابتة لها أهمية في التوازن المناعي، وفي الأمراض الفيروسية كالآيدز مثلاً تهبط هذه النسبة لنقصان كمية الخلايا محرضة المؤازرة وزيادة عدد الخلايا الكابتة والسّامة للخلايا وهنا يأتي دور الحبة السوداء.
لقد أجرى الدكتوران أحمد القاضي وأسامة قنديل في عيادات " أكبر " [نشر البحث الجمعية الفيدرالية للأبحاث البيولوجية الأمريكية عن Akbar clinic ومعهد الأبحاث Reseach institute في Spingfield بفلوريدا U. S. A. Florida] التخصصية ومعهد الأبحاث في سيرنجفيلد (فلوريدا في الولايات المتحدة) أبحاثاً على الحبة السوداء فوجدا أن تلك الحبة تلعب دوراً هاماً في تنشيط وتقوية مناعة جسم الإنسان ليدافع عن نفسه ضد الجراثيم وغيرها من العوامل المؤذية الحية.
أجريت الدراسة على متطوعين ذوي نقصان في اللمفاويات التائية محرضة المؤازرة وذلك
بالنسبة إلى اللمفاويات التائية الكابتة، حيث سحقت البذور وعبئت بمحافظ Capsuls. وقسم المتطوعون إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى خضعت للمعالجة وأُعطيت غرام من مسوق الحبة السوداء يومياً والمعبأة ضمن المحافظ، المجموعة الثانية أعطيت محافظ لا دوائية معبأة بفم منشط للتمويه، والمجموعة الثالثة لم تعط أي علاج.
و لقد أجريت تحليلات الدم بما فيها نسب هذه الخلايا اللمفاوية في الدم الجائل قبل وبعد المعالجة والتي استمرت خمسة أسابيع. وبعد نهاية الأبحاث تبين الأثر الإيجابي الواضح للحبة السوداء على جهاز المناعة حيث ازدادت نسبة اللمفاويات التائية محرضة المؤازرة في دم المتطوعين في المجموعة الأولى والذين تناولوا مسحوق الحبة السوداء، كما تبين ظهور تحسن واضح على نسبة الخلايا محرضة المؤازرة بالنسبة للخلايا المثبطة حيث ارتفعت النسبة من 1.19 قبل المعالجة إلى 1.85 بعد المعالجة، بينما لم تتغير هذه النسبة عند مجموعتي الرصد والشاهد.
إن التجارب السالفة الذكر أثبتت بدون شك أن الحبة السوداء تنشط جهاز المناعة في جسم الإنسان [عن مقالة للدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد بعنوان (الاستشفاء بالحبة السوداء) مجلة الدواء العربي _ أيلول 1989] وهذا يفتح المجال واسعاً لاستطبابات الحبة السوداء في المعالجة والاستشفاء من جميع الأمراض الانتانية والفيروسية وذلك بتقويتها للدفاع الذاتي للعضوية ومساعدتها في التغلب على العوامل المرضية القاهرة. وهذا أيضاً مما يزيد ثقة المسلم بطب النبوة حينما دعانا إلى الاستشفاء بهذه الحبة المباركة وجعل فيها شفاءً من كل داء.
و لنا بعض المشاهدات في مجال التطبيق السريري للمعالجة بالحبة السوداء. ففي الإصابة بالأكزيما النازة طبقنا مسحوق الحبة السوداء بنجاح في معالجة عدد من الحالات المنتقاة لكننا لم نستطع مراقبة هؤلاء المرضى بعد الشفاء. كما رأينا فائدة الادّهان بزيتها في معالجة الأكزيما المزمنة. ونحن نصف لمرضانا المصابين بالعنانة وخاصة ضعف النعوظ عند الشيوخ كأساً من الحليب محلى بالعسل ومضافاً إليه نصف ملعقة شاي من مسحوق الحبة السوداء مرة في اليوم وكانت النتائج جيدة. كما رأينا نجاحها الواضح في معالجة حالتين من فقد الرعشة الجنسية.
استعمالات الحبة السوداء الغذائية:
تعتبر كل أنواع الحبة السوداء كأفاويه أو توابل _ مشهيات، بهارات _ تدخل في صنع المعجنات والخبز وتضاف للفطائر وتؤكل مع الجبنة، كما تضاف إلى الخيار والباذنجان حين كبسه لصنع المخلالات. وتستعمل في أوربا لصنع أنواع من الحلوى والكاتو، أما زيتها فيدخل في العديد من الصناعات الغذائية، والذي يستخرج من الحبة الدمشقية ويستعمل في تحضير العطورات ومواد الزينة.
و ليعلم أن تسخين هذه البذور يفقدها زيتها الإيتري وبالتالي تفقد كثيراً من خصائصها الطبية. كما أن أكلها هكذا دون طحن قد يقلل من فرص الاستفادة منها لأنها إذا لم تمضغ جيداً ود خلت كاملة بقشرتها فإنها تمر من الجهاز الهضمي وتخرج كما دخلت دون أن يستفاد منها.
لذا فنحن نرى أن سحقها أو طحنها ثم تناولها مع الغذاء أو الحليب أو مع ما يناسب طعمها هو الحل الأمثل للاستفادة منها. وهي كثيراُ ما تزرع في حدائق أوربا كنبات للزينة لجمال منظر أزهارها علاوة عن كونها زراعة وفيرة المحصول، اقتصادية ومريحة كما تعطى للنحل رحيقاً حلواً وفيراً ويعتبرها النحالون من النباتات المعسلة _ أي يفضّلها النحل _.
خاتمة:
ما من شك في أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الصريحة والثابتة إلى التداوي بالحبة السوداء ليست عبثاً وإذا كان علماء المسلمون قد اختلفوا في تأويل عموم ما دعت إليه السنة المطهرة بين مخصص أو مقيد لعمومه، وبين مطلق لهذا العموم فنحن نميل إلى رأي القاضي أبي بكر بن العربي على أن المراد بكلمة شفاء من كل داء هو الأكثر الأغلب وهذا ما يؤيده عالم العربية عبد الغني الدقر الذي يرى أن العرب كثيراً ما تطلق بغرض الحث ولفت النظر إلى ما تطلق من كلامها.
و هذا ما يدعونا، نحن الأطباء المسلمون إلى البحث عن أوسع ما نتمكن من الوصول إليه من استطبابات في مجال العلاج والوقاية بالحبة السوداء سواء بمسحوقها أو زيتها أو خلاصاتها أو .... وتحديد المقدار العلاجي وذلك عملاً بعموم الدعوة النبوية الكريمة التي فتحت الباب واسعاً أمامنا، لندخل إليه ولنكتشف للبشرية جمعاء عقاقير جديدة علها تخفف من آلامها فيما استعصى أمام المعالجة من أمراض وعلل. والعودة إلى كلام المصطفى صلى الله عليه وسلم يدل على التوكيد: " إن هذه الحبة السوداء ...... " فلنمعن النظر فيه ولنقارن بينه وبين حديث تأبير النخل الذي يحتج به بعض القائلين بأن الطب النبوي هو من أمور الدنيا فنص حديث تأبير النخل فيه من التأرجح الواضح والظن ما فيه ما لا يوجد مثله في أحاديث الحبة السوداء، خاصة وأن الشبهة هناك قائمة في فهم قول المولى سبحانه وتعالى: {و أرسلنا الرياح لواقح}.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم) _ المجلد 7 كتاب الطب.
3. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري بشرح البخاري) _ كتاب الطب.
4. أوغومفيتس Ogomovites: عن كتابه (القاموس الموسوعة للنباتات الطبية الزيتية - الايترية) بالروسية، موسكو: 1951.
5. أجو دالحراكي: عن مقالة (عليكم بهذه الحبة السوداء) مجلة حضارة الإسلام _ مجلد 18 العدد 9 / 10 لعام 1977.
6. أوتوغسنر Otto Gessner: عن كتابه (النباتات الدوائية في أوربا الوسطى) بالألمانية _ لعام 1953.
7. داود الأنطاكي: عن كتابه (تذكرة أولي الألباب).
8. خالماتوف Khalmatov: عن كتاب (النباتات الدوائية البرية في أوزبكستان) بالروسية، طشقند: 1964.
9. عبد الرزاق السعيد: عن مقالة (الاستشفاء بالحبة السوداء) مجلة الدواء العربي، أيلول 1989.
10. الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي).
11. ظافر العطار وسعيد القربي: عن مقالة (العسل والحبة السوداء) مجلة حضارة الإسلام، المجلد 14، العدد 4 لعام 1973.
12. غوبانوف وكريلوفا: عن كتابهما (النباتات البرية النافعة في الاتحاد السوفياتي) بالروسية موسكو: 1976.
13. صحابيدنيوف: عن كتابه (النباتات الطبية البرية في آسيا الوسطى)، بالروسية ÷، طشقند: 1948.
14. غوربايف: عن كتابه (الزيوت الايترية لنباتات الاتحاد السوفياتي) ألماآته 1952 بالروسية.
15. فولف ومالييفا: عن كتابه (دليل المصادر العالمية للنباتات النافعة) بالروسية، موسكو: 1952.
16. أحمد القاضي وأسامة قنديل: عن مجلة الجمعية الفيدرالية الأمريكية للأبحاث البيولوجية Federation of American Societ for exp. Biology , V.46. N. 4 March - 1987].
إن أمثل ما تداويتم به الحجامة
روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الشفاء في ثلاثة: شربة عسل وشرطة محجم وكية بنار وأنهي أمتي عن الكي "، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في العسل والحجم الشفاء ".
و روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي ".
و روى الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشيُّ ... "، وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنه سُئل عن أجر الحجام، فقال: احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم حجمه أبو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه، وقال: " إنّ أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري "
و في رواية أن جابر بن عبد الله عاد المقنع ثم قال: لا أبرح حتى يحتجم فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن فيه شفاء ".
و الحجم لغة: المصُّ،و سمي به فعل الحاجم لما فيه من المص للدم في موضع الشرط.
والحجامة: هي فعل الحاجم وحرفته والمحجم الآلة التي يحجم بها أي يمص بها الدم وهي أيضاً مشرط الحجام. فإذا استعمل المحجم للمص دون مِشرط سميت بالحجامة الجافة أوو كما يدعوها العوام (كؤوس الهواء) حيث تشعل ورقة أو قطنة داخل الكأس لتفريغ الهواء منه وتوضع مباشرة على الظهر لإحداث تبييغ للدم في موضعها وهذه ليست موضع بحثنا لأن ما ورد في السنة صراحة (شرط المحجم) وأثبتتها النصوص الكثيرة عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم تؤكد أن العلاج النبوي يوافق ما يسمى بالحجامة الدامية أو المبزغة والتي تهدف استخراج كمية من الدم من الدورة الدموية وطرحها لغاية علاجية بحتة، وذلك بتشطيب الجلد أو قطع بعض الأوردة.
كما يمكن أن تتم ببزل الوريد بإبرة وهذا ما يدعوه بالفصادة وقد تتم أحياناً ببزل الشريان. وإذا طبق المحجم على المكان المبزغ بالمشرط فإنه يسرع خروج الدم ويعمل بذلك على منع تجمده على فوهة الجراح وتوقف سيلانه. وهكذا فإن كؤوس الهواء (كؤوس الحجامة) تمص الدم من المكان المبزغ حتى تمتلئ بالدم فيرفع الكأس ويوضع مكانه رباط ضاغط.
و الحجامة معروفة منذ العصور الغابرة، وجاء الإسلام فدعا إليها ورفع من مكانتها مؤكداً فائدتها كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " إن أمثل ما تداويتم به الحجامة ".
و كما روي عن عبد الله بن مسعود قال: حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة أسري به، انه لم يمر على ملأ من الملائكة إلا وأمروه، أن مُر أمتك بالحجامة " [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].
و ذكر ابن القيم في منافع الحجامة أنها تتقّي سطح البدن أكثر من الفصد والفصد لأعماق البدن أفضل وهي أنفع للصبيان من الفصد وآمن من غائلة، ولمن لا يقوى على الفصد، وتنفع في الأمراض الحارة [ويقصد بها الأمراض الناجمة عن زيادة الاحتقان الدموي كارتفاع الضغط وآفات القلب والرئتين]. سواء بالفصد أو الحجامة لأن في ذلك استفراغاً للمادة وتبريداً للمزاج.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثاً، واحدة على كاهله واثنتين على الأخدعين، وورد أنه صلى الله عليه وسلم احتجم في الأخدعين و
الكاهل. [أخرجه الترمذي وحسنه ورواه أبو داود وابن ماجة].
و ذكر ابن القيم أن الحجامة على الكاهل [الكاهل ما بين الكتفين وهو مقدم الظهر وهذه أبعد عن العروق الكبيرة وأسلم] تنفع من وجع المنكب والحلق، وعلى الأخدعين [الأخدعان عرقان في جانبي العنق وهما الوريدان الوداجيان الخارجيان الخلفيان] تنفع من أمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف.
و أصح ما ورد في السنة تداوي النبي صلى الله عليه وسلم بالحجامة من شقيقة أصابته [الشقيقة: migraine مشتق من اليونانية لأنها تصيب بآلامها شق من شقي الرأس كما تدعى بالصداع الشقي، وهي صداع وعائي المنشأ يصيب 10 - 20 % من الناس وتصيب النساء أكثر من الرجال بنسبة الضعف، ورغم الاهتمام الدولي بها فلم يكتشف لها حتى اليوم علاج جذري غير أن برينارد يمنع مرضاه من التدخين ويحرم عليهم الخمرة ويوصيهم بالابتعاد عن الجبن، وليس لنا إلا العودة إلى طبنا النبوي].
فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم بلحي جمل من طريق مكة وسط رأسه [رواه البخاري ومسلم والنسائي، ولحي الجمل موضع من الأرض معروف بعقبة الجحفة]. والحجامة مفيدة لتسكين الآلام المختلفة من صداع ووثي وغيرها.
عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم على وركه من وثء كان به [رواه أبو داود وحسّنه]
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به [رواه أبو داود والنسائي وإسناده صحيح].
قال الإمام النووي: في الحديث دلالة لجواز الحجامة للمحرم وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره8 إذا كان له عذر وإن قطع الشعر حينئذ لكن عليه الفدية لقطع الشعر.
قال ابن القيم: ومن ضمن الأحاديث المتقدمة استحباب التداوي واستحباب الحجامة وأنها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال وجواز احتجام المحرم وإن آل إلى قطع الشعر فإن ذلك جائز وفي وجوب الفدية عليه نظر.
و جواز احتجام الصائم فقد ورد في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم. وعيها دليل على استئجار الطبيب من غير عقد إجازة بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه، وفيه دليل على جواز التكسب بالحجامة.
و إن النظرة نحو الحجامة ونتائجها وآلية تأثيرها كانت متغيرة من زمن لآخر، فحتى القرن الثامن عشر كانت النظرة عنها أنها طرح لمواد سميّة من العضوية. وفي القرن التاسع عشر تغلبت النظرة الناقدة للحجامة معتبرين إياها طريقة تقوم على الدجل وأن الأساس الفيزيولوجي الذي تقوم عليه ضعيف.
إلا أن الاهتمام بها عاد في أوائل القرن العشرين حيث دُرس تأثيرها على نطاق واسع وأصبحت لها استطباباتها التي تقوم على أساس علمي وقد استحدث الأطباء الأدوات لتبسيطها.
فصار هناك مشارط متنوعة منها مشرط فيدال ذي ثلاث شفرات أو ذي ثماني شفرات مخفية تظهر عند الضغط على زر جانبي محدثة ثمانية شرطات بآن واحد لتسهيل العمل.
و محاجم مختلفة لمص الدم فوق مكان التشطيب. كما استعمل العلق الطبي للغرض ذاته: وهو نوع من الدود يعيش في المستنقعات، يلتقط ويوضع على الجلد فيتثبت عليه بمحاجمه ويمتص من الدم حتى يمتلئ ويسقط.
و يرى الدكتور ظافر العطار أن قلع سن من فم المريض لا حاجة له به كرحى ثالثة مثلاً وتركها تنزف لمدة هي بمثابة حجامة فموية يمكن أن يستفيد منها المريض المصاب بالشقيقة.
كما أن التبرع بالدم ما هي إلا حجامة متطورة ويمكن أن يحصل المريض على النتيجة نفسها والذي يمكن أن يكرر كل أربعة شهور كما تسمح بذلك أنظمة التبرع بالدم.
و قد أكد كل من كونيايف وساليشيف [عن الموسوعة الطبية الكبرى: المجلد 12 الطبعة 3 لعام 1980 - موسكو، بالروسية] التأثير الواضح للحجامة أو الفصادة على العضوية. وأن الطرح المقصود لكمية كبيرة من الدم في زمن قصير تنقص كمية الدم الجائل ينخفض معها إلى حدٍّ ما الضغط الدموي الشرياني والشعري وخاصة الضغط الوريدي مما يملك تأثيرات إيجابية حالة وجود فرط توتر وريدي بسبب قصور البطين الأيمن. وإن عودة الدم الجائل إلى حجمه الطبيعي يتم بسرعة عقب الحجامة بسبب تميُّه الدم (مَوهَ الدم _ Hydremia) حيث يزيد نسبة الماء فيه أكثر من 15 % من الحدود الطبيعية، ومَوهَ الدم هذا مرتبط بآلية عصبية خليطة ناظمة لحجم الدم الجائل.
و من تأثيراتها أيضاً نقص لزوجة الدم وزيادة زمن تخثره وهذه تغيرات مرحلية تتعلق بخصوصيات المرض الأصلي _ فمثلاً عند المصابين باحمرار الدم فإن قابلية تخثر الدم تزدادا بعد الفصد _
و الحجامة والفصد مثيران قويان لارتكاسات العضوية الدفاعية _ كما يؤكد المؤلفان _ كما أن ما يستدعيانه من إعادة لتوزيع بعض العناصر في العضوية كالماء والشوارد والعناصر المكونة للدم تترافق مع زيادة نشاط ميكانيكية التنظيم العام والموضعي لدينامية الدم _ hymodynamics _ يؤهب لتراجع الاضطرابات الدموية وهذا يفسر في العديد من الحالات تحسن الحالة العمة للمريض وزوال الآلام في الرأس وخلف القص والمذل والانحراف في الاحساس، وهذا ما نراه مصداقاً للدعوة النبوية للاحتجام حين الإصابة بالشقيقة والصداع وغيرها من الآلام.
و يلخص المؤلفان الاستطبابات الحديثة للحجامة أو الفصد بما يلي:
1. قصور البطين الأيمن المترافق بارتفاع الضغط الوريدي.
2. القصور الحاد في البطين الأيسر مع وذمة الرئة (حالة غياب الصدمة والوهط الدوراني)
3. الارتعاج Eclampsia الحاصلة في التهاب الكلية Nephritis أو الحمل.
4. الانسمامات المزمنة التي طال فيها وجود السم في الدم [روى الطبراني بإسناد رجاله ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم بعد ما سُمَّ (الهيثمي في مجمع الزوائد)].
5. فرط الكريات الحمر Polycetimia [مصدق قول النبي صلى الله عليه وسلم: " إذا اشتد الحرُّ فاستعينوا بالحجامة، لا يتبيغ الدم بأحدكم فيقتله " الحديث رواه أبو داود في الطب، وفي هامش جامع الأصول قال الأستاذ عبد القادر الأرناؤوط أنه حديث حسن. والتبيغ التهيج وهي ترجمة كلمة Hypeshemie ويحدث تبيغ الدم في ارتفاع التوتر الشرياني وخاصة الأحمر المترافق باحتقان الوجه واليدين والقدمين، كما يحدث في فرط الكريات الحمر الحقيقي].
هذا ويعتبر مضاد استطباب الحجامة وجود هبوط مرضي في الضغط الشرياني أو نقص في حجم الدم وفقر الدم من أي منشأ كان والتصلب العصيدي الدماغي.
و هناك بعض الاختلاطات التي قد تنجم عن الحجامة غير المراقبة بسبب هبوط الضغط الشرياني أو نقص الخضاب أو عدد الكريات الحمر في الدم المحيطي. وفي هذه الحالات يصحح الخطأ بحقن المصورة المعاوضة أو نقل كمية من الدم. أما الاختلاطات الأخرى فيمكن أن تنجم عن خطأ تكتيكي نتيجة رض الوريد أو حصول ورم دموي لوجود شريان مجاور، عندئذ توقف العملية ويوضع رباط ضاغط. وقد يحصل غثيان Syncope عند إجراء الحجامة عند الضعفاء من المرضى حيث ينصح بانشاق المريض الغول النشادري.
و لا يسعنا بعد أن وضحنا ما توصل إليه الطب الحديث من أمر الحجامة إلا أن نتذكر قول الله سبحانه وتعالى حين وصف نبيه الكريم:
{إن هو إلا وحيٌ يوحى، علمه شديد القوى}.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
3. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري بشرح البخاري) _ كتاب الطب.
4. ظافر أحمد العطار: عن مقالته (الحجامة تشفي الشقيقة) مجلة طبيبك مارس: 1984، ونشرت في الفيصل العدد 78 لعام 1983.
5. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).
6. كونيايف وساليشيف: عن مقالة (الحجامة في الموسوعة الطبية الكبرى) الروسية الطبعة 3 المجلد 12 لعام 1980.
7. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث). المجلد 3 الطبعة 3.
الحمية رأس الدواء
عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تأمر بالتلبينة للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن التلبينة تجم فؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن " [رواه البخاري ومسلم، ومعنى تجُّم فؤاد المريض أي تريحه وتزيل عنه الهم وتنشطه.
و في رواية للبخاري: أن عائشة كانت تأمر بالتلبينة وتقول: هو البغيض النافع.
و عن عائشة أيضاً قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب بعض أهله الوعك أمر بالحساء فصنع ثم أمرهم فحسوا منه ويقول: " إنه ليرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم كما تسروا إحداكن الوسخ عن وجهها بالماء " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ويرتو يشده ويقويه، ويسرو أي يكشفه ويزيله].
و في رواية للبخاري أن عائشة كانت إذا مات الميت من أهلها فاجتمع لذلك النسوة ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ثم صنع ثريد فصبت التلبينة عليها ثم قالت: كلن فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " التلبينة مجمة لفؤاد المريض تذهب ببعض الحزن " _ والبرمة القدر _
وعن أم المنذر بنت قيس الأنصارية رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليّ وعليٌ ناقه، ولنا دوالٍ معلقة. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وأخذ علي ليأكل منها فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: مه يا علي إنك ناقه، فكف عليّ. قالت: فصنعت شعيراً وسلقاً وجئت به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصب من هذا فهو أنفع لك، [رواه أبو داود]
روى الترمذي نحوه وفيه: فجعلت لهم سلقاً وشعيراً... الحديث وفيه: فهو أوفق لك، والناقه الذي أبلَّ من مرضه ولم تتكامل صحته.
و أما القول المأثور: الحمية رأس الدواء والمعدة بيت الداء، فليس حديثاً نبوياً وإنما هو على الأغلب من كلام طبيب العرب (الحارث بن كلدة) وكان يقول: رأس الطب الحمية.قال ابن حجر قال الأصمعي: التلبينة حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل. وقيل لبن. وسميت تلبينة تشبيهاً لها باللبن في بياضها ورقتها.قال أبو نعيم في الطب: هي دقيق بحت... وقال البغدادي: التلبينة الحساء ويكون في قوام اللبن وهو الدقيق الناضج لا الغليظ النيئ. وإذا شئت أن تعرف منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير لا سيما إذا كان نخالة _ مطحوناً _ فإنه يجلو وينفذ بسرعة ويغذي غذاءً لطيفاً. وإذا شرب حاراً كان أجلى وأقوى نفوذاً. والمراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة.
قال ابن القيم: الحمية حميتان: حمية عما يجلب المرض وحمية عما يزيده، فالأولى حمية الأصحاء والثانية حمية المرضى.
و الأصل فيها قوله تعالى: {و إن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً} فحمي المريض عن استعمال الماء لأنه يضره....و أنفع ما تكون الحمية للناقه فإن طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها، ,القوة الهاضمة ضعيفة والطبيعة مستعدة فتخليطه يوجب انتكاسها.
و اعلم أن في منع النبي صلى الله عليه وسلم لعلي من الأكل من الدوالي وه وناقه، أحسن التدبير، فالدوالي رطب معلق في البيت والفاكهة تضر بالناقه من المرض لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن وقتها، وفي الطب خاصة ثقل على المعدة، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره. فلما وضع الشعير والسلق بين يديه أمره بأكله فإنه من أنفع الأغذية للناقه، فإن في ماء الشعير من التبريد والتغذية والتلطيف والتليين ما هو أصلح للناقه لا سيما إذا طبخ بأصول السلق فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف.
و مما ينبغي أن يُعلم أن كثيراً مما يحمى عنه العليل والناقه إذا اشتدت الشهوة إليه فتناول منه الشيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله، بل ربما انتفع به، فإن المعدة والطبيعة تتلقيانه بالقبول والمحبة فيصلحان ما يخشى ضرره. ولذا فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم صهيباً على تناول التمرات اليسيرة كما يروي صهيباً رضي الله عنه قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه خبز وتمر فقال: أُدن فكل. فأخذت تمراً فأكلت. فقال: أتأكل تمراً وبك رمد؟ فقلت: يا رسول الله أمضغ من الناحية الأخرى. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم [رواه الترمذي وابن ماجة].
و إنه لمن المعجز حقاً التوافق التام بين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحمية وبين معطيات الطب الحديث، والذي يعّرف الحمية بأنها التدبير الغذائي الخاص بالمريض من إلزامه منهاجاً من الغذاء لا يتعداه أو منعه من بعض أنواع الأغذية أو الأشربة التي أضحت مؤذية له بسبب مرضه.
و تعتبر الحمية جزءاً من المعالجة في كثير من الحالات ولكل مرض حميته. ولقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهمية الحمية حتى في دور النقاهة. وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يغذى المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية.
وقد وصف التلبينة والحساء لأنهما سهلا الهضم لطيفا التغذية، فكل منهما يريح المعدة ويقوي هضمها ويخفف آثار الحزن ولأن الطعام الثقيل في ظروف الانفعال قد يعرض المريض لعسرة الهضم.
و لقد كان الشعير غالب طعام أهل الحجاز لأن الحنطة عزيزة عندهم، لذا فإن التلبينة كانت تصنع من دقيق الشعير. وتؤكد مصادر الطب الحديث [الدكتور عزة مريدن (علم الأدوية)] وصف حساء الشعير في الحميات وكغذاء لطيف سهل الهضم حيث يستعمل مهروس الشعير بعد نزع قشوره مطبوخاً بالماء أو الحليب للمسعورين والأطفال وتوصف للمتوعك والمصاب بالحمى أو بقلة الشهية أو عسرة الهضم... هذا وسنتكلم عن السلق تحت عنوانه الخاص.
و من الهدي النبوي في الحمية أيضاً، ألا يجبر المريض على الطعام أو الشراب حين تعافه نفسه فقد روي عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب فإن الله عزَّ وجل يطعمهم ويسقيهم " [رواه ابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن غريب].
قال ابن القيم: ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية المشتملة على حكم إلهية، وذلك لأن المريض إذا عاف الطعام والشراب فذلك لاشتغال الطبيعة بمجاهدة المرض أو لسقوط شهوته أو نقصانها لضعف الحرارة الغريزية أو خمودها.. واعلم أن الجوع هو طلب الأعضاء للغذاء لتخلف الطبيعة به عليها عوض ما يتحلل منها. وإذا وجد المريض اشتغلت الطبيعة بمادته وإنضاجها وإخراجها عن طلب الغذاء والشراب. فإذا أكره المريض على الطعام اشتغلت به الطبيعة عن فعلها واشتغلت بهضمه وتدبيره عن إنضاج مادة المرض ودفعه فيكون ذلك سبباً لضرر المريض.
يقول دكتور عادل الأزهري [في تحقيقه على هامش كتاب الطب النبوي لابن القيم]: ومعظم الأمراض يصحبها عدم رغبة المريض في الطعام وإطعام المريض قصداً في هذه الحالة يعود عليه بالضرر لعدم قيام جهازه الهضمي بعمله كما يجب مما يتبعه عسر هضم مع سوء حالة المريض... وكل مريض له غذاءٌ معين له ويجب أن يكون سهل الهضم قليل الغذاء... وإن من دلائل الشفاء عودة المريض إلى سابق رغبته في الطعام.
و يؤكد الدكتور النسيمي: أن الله سبحانه وتعالى قضت حكمته أن يكون في الجسم مدخرات كبيرة يستفيد منها وقت الحرمان، فينبغي أن لا يغتم ذووا المريض لعزوف مريضهم عن الطعام خلال المرض، فإن المعدة قد لا تحتمل الطعام الزائد، أو لا تحتمل الطعام مطلقاً، , قد يسبب له غثياناً أو قيئاً.. ولذا لا يجوز أن يجبروا مريضهم على الطعام وقد عافته نفسه.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري بشرح البخاري).
3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
4. دكتور عزة مريدن: عن كتابه (علم الأدوية).
5. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
6. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).
الحناء... دواء وجمال
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم " [رواه البخاري ومسلم].
و عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على مشيخة من الأنصار بيضٌّ لحاهم فقال: " يا معشر الأنصار حُمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب " [رواه أحمد بسند حسن.
و عن جابر رضي الله عنه قال: أُتي بأبي قحافة يوم الفتح ورأسه كالثغامة [الثغامة نبات أبيض الزهر والثمر شبه به بياض الشيب] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد " [رواه مسلم].
و عن أنس رضي الله عنه قال: اختضب أبو بكر بالحناء والكتم [الكتم نبات من اليمن يصبغ بلون أسود إلى الحمرة] واختضب عمر بالحناء بحتاً، _ أي صرفاً _ [رواه مسلم].
و عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ورواه أيضاً أصحاب السنن وقال الأرناؤوط: حديث حسن].
و عن سلمى أم رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شكا إليه أحد وجعاً في رأسه إلا احتجم، ولا شكا إليه وجعاً في رجليه إل قال اختضب، [رواه أبو داود، ورواه أيضاً البخاري في تاريخه وقال الأرناؤوط: حديث حسن].
و عنها أيضاً قالت: كان لا يصيب النبي صلى الله عليه وسلم قرحة ولا شوكة إلا وضع
عليها الحناء، [رواه الترمذي بإسناد حسن، ورواه أبو داود وابن ماجة وقال الهيثمي: رجاله ثقات]
و عن عثمان بن وهب قال: دخلت علي أم سلمة فأخرجت لنا شعراً من شعر النبي صلى الله عليه وسلم مخضوباً، [رواه البخاري].
قال النووي: ومذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل بصفرة أو حمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل يكره كراهة تنزيه والمختار التحريم، ورخص فيه بعض العلماء للجهاد فقط.
نبتة الحناء (Low sania _ Henna):
شجيرة من الفصيلة الحنائية lythracees حولية أو معمرة تمكث حوالي ثلاث سنوات وقد تمتد إلى عشرة، مستديمة الخضرة، غزيرة التفريع، يصل طولها إلى ثلاثة أمتار. أوراقها بسيطة بيضاوية بطول 3 _ 4 سم، متقابلة الوضع بلون أحمر خفيف أو أبيض مصفر.
لها صنفان يختلفان في لون الزهر كالصنفِ Alba ذو الأزهار البيضاء والصنف Miniata ذو الأزهار البنفسجية.
كما ذكروا لها صنفين: حمراء وسوداء، والغالب مزج النوعين معاً. والموطن الرئيسي للحناء جنوب غربي آسيا، وتحتاج لبيئة حارة، لذا فهي تنمو بكثافة في البيئات الاستوائية لقارة إفريقيا. كما انتشرت زراعتها في بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط وأهم البلدان المنتجة لها مصر والسودان والهند والصين.
لمحة تاريخية:
عرفت الحناء منذ القديم، فقد استعملها الفراعنة في أغراض شتى، إذ صنعوا من مسحوق أوراقها معجونة لتخيب الأيدي وصباغة الشعر وعلاج الجروح، كما وجد كثير من المومياء الفرعونية مخضبة بالحناء، واتخذوا عطراً من أزهارها. ولها نوع من القدسية عند كثير من الشعوب الإسلامية إذ يستعملونها في التجميل بفضل صفاتها الممتازة.
فتخضب بمعجونها الأيدي والأقدام والشعر، كما يفرشون بها القبور تحت موتاهم. وتستعمل في دباغة الجلود والصوف ويمتاز صبغها بالثبات. وينحصر استعمالها في أوربا وأمريكا في صباغة الشعر، إذ إنها لا تضر به فضلاً عن تقويتها لجلد الفروة وهذا مهم جداً لأن صباغات الشعر الكيماوية كثيراً ما تؤدي إلى أمراض التهابية و تحسسية عديدة وأعراض انسمامية أحياناً. كما تتجه الأنظار إليها في الوقت الحاضر لاستعمالها في صناعة المواد الملّونة لسهولة استخراج العنصر الملون فيها، وتمتاز بألوانها الجميلة ذات المقاومة الأكيدة لعوامل التلف.
التركيب الكيماوي:
يستعمل من الحناء أوراقها وأزهارها. حيث تحتوي الأوراق على غليكوزايدات مختلفة أهمها اللاوزون (Lawsone) وجزئيها الكيماوي من نوع 2 - هيدروكسي 1 - 4 نفتوكينون، وهي المادة المسئولة عن التأثير البيولوجي الطبي وعن الصبغة واللون الأسود، كما تحتوي على مواد راتنجية Resine وتانيتات تعرف بـ حماتانّين Hennatannin. أما الأزهار فتحتوي على زيت طيار له رائحة زكية وقوية ويعتبر أهم مكوناته مادة الفوبيتا إيونون (A , B , Ionone).
استعمالاتها الطبية:
كان للحناء مكانتها المرموقة عند أطبائنا المسلمين. فقد ذكر ابن القيم أن: الحناء محلل نافع من حرق النار، وإذا مضغ نفع من قروح الفم والسلاق العارض فيه ويبرئ من القلاع. والضماد فيه ينفع من الأورام الحارة الملتهبة. وإذا ألزقت به الأظافر معجوناً حسنها ونفعها، وهو ينبت الشعر ويقويه وينفع من النفاطات والبثور العارضة في الساقين وسائر البدن.
أما الموفق البغدادي فيقول: لون الحناء ناري محبوب يهيج قوى المحبة وفي رائحته عطرية وقد كان يخضب به معظم السلف، , يؤكد البغدادي: أن الحناء ينفع في قروح الفم والقلاع وفي الأورام الحارة ويسكن ألمها. ماؤها مطبوخاً ينفع من حرق النار وخضابها ينفع في تعفن الأظافر، وإذا خضب به المجدور في ابتدائه لم يقرب الجدري عينيه.
أما ابن سينا فيقول: الحناء فيه قبض وتحليل بلا أذى. ويستعمل في الطب الشعبي كقابض وفي التئام الجروح والحروق وغسول للعيون وكمروخ لمعالجة البرص والرثية. وذكر داود في تذكرته أن للحناء فوائد في إدرار البول وتفتيت الحصى وإسقاط الأجنة. كما ذكر أن تخضيب الجلد بها يلون البول مما يدل على قابلية امتصاصها من الجلد.
و في الطب الحديث: أكد الدكتور النسيمي فائدة معالجة السحجات الناجمة عن السير في الطرقات والداء الفطري بين الأصابع بالحناء.، وعلل ذلك بأن الفطور الخمائرية تؤدي إلى سهولة اقتلاع الطبقة السطحية من الجلد والحناء قابضة، وهذا يجفف الجلد ويقسّيه ويمنع تعطينه مما يمنع سيطرة الخمائر والفطور ويعمل على سرعة شفاء السحجات والقروح السطحية.
و يحضر مسحوق الحناء بسحق الأوراق ونهاية الأغصان الرفيعة بعد تجفيفها ثم تصنع منه عجينة. وتؤكد الدكتورة سامية قاسي فائدة تطبيق معجونة الحناء لمعالجة العديد من الأمراض الجلدية وخصوصاً الالتهابات الفطرية المنشأ والتي تتوضع في الثنيات وبين الأصابع، كما تساعد في التئام الجروح. وتفسر الدكتورة سامية تلك الصفات بسبب وجود مادة الحناتانين القابضة في الحناء وتؤكد أن تطبيق تلك العجينة على فروة الرأس لفترة طويلة، فإن المواد المطهرة والقابضة الموجودة فيها تعمل على تنقية الفروة من الجراثيم والطفيليات ومن المفرزات الزهمية الفائضة، كما تفيد في معالجة قشرة الرأس وتعمل على الإقلال من إفراز العرق عند مفرطي التعرق.
أما عند استخدام الحناء في صبغ الشعر فيجب استعمالها في وسط حامضي لأن مادة اللاوزون لا تلون في وسط أساسي، ولذا ينصح بصنع عجينة الحناء بالخل والليمون.
و من دواعي الأسف أن الأبحاث ما تزال فقيرة حول فوائد الحناء ونود لو يعطيها الباحثون حقها من الدراسة حتى يتم التحقق من المعجزة النبوية في كونها دواء وجمال ...
كشف الغش في الحناء:
تغش الحناء لزيادة وزنها بإضافة الرمل الناعم عند الطحن، وهذا يسهل كشفه لأن الرمل ذو ثقل نوعي أكبر، وهكذا فإن حجماً معيناً من الحناء الأصلية أقل وزناً من نفس الحجم من الحناء المغشوشة. كما أن نفخها نفخاً خفيفاً يؤدي إلى تطايرها وبقاء الرمل، كما أن وضع كمية قليلة منها في الماء يؤدي إلى ترسب الرمل وتطفو الحناء نقية. وقد تغش الحناء أيضاً لتغطية اصفرارها بمزجها بطلاء اخضر.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).
3. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
4. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) ج 3 _ الطبعة 3 _ 1991.
5. شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة: 1977.
6. سامية قاسي: عن مقالة لها بعنوان (الحناء.. علاج وتجميل) مجلة الدواء العربي، حزيران 1993.
7. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.
نعم الإدام الخل
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أهله الإدام فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: " نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل ". وفي رواية: قال جابر: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ذات يوم إلى منزله فأخرج إليه فلقاً من خبز فقال: ما من أدم؟ فقالوا: لا، إلا شيء من خل، قال: " فإن الخل نعم الأدم " قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلم [رواه مسلم].
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نعم الأدم الخل " [رواه مسلم].
و عن أم سعيد رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم بارك في الخل فإنه كان إدام الأنبياء قبلي ولم يفتقر بيت فيه خل " [رواه مسلم].
قال النووي: وأما معنى الحديث فقال الخطابي والقاضي عياض معناه الاقتصار في المآكل ومنع النفس عن ملاذ الأطعمة، والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدحٌ للخل نفسه.
و الخل غذاء ودواء قديم قال عنه ابن القيم: والخل ينفع من المعدة الملتهبة ويقمع الصفراء ويدفع ضرر الأدوية القتالة ويحلل اللبن والدم وينفع الطحال ويدبغ المعدة ويعقل البطن ويقطع العطش ويعين الهضم وليطف الأغذية الغليظة ويرق الدم ... وإذا تمضمض به مسخناً نفع من وجع الأسنان وقوىّ اللثة.
أما الرازي فيقول عنه: الخل يلطف الأخلاط الغليظة وييبس البطن ويقطع العطش وهو
بارد يطفئ حرق النار أسرع من كل شيء، , هو مولد للرياح منهض لشهوة الطعام معين على الهضم ومضاد للبلغم.
و الخل Vinegar تابل مائع ذو طعم نافذ ينتج عن تحويل الغول إلى حامض الخل بتأثير خميرة (ميكوديرما أسيتي)، ويمكن أن يصنع عن عصير العنب والبرتقال والشمندر والبطيخ وقصب السكر والتفاح والتوت والعسل كما تمكن العلماء من صنعه كيميائياً.
و يتركب الخل من الماء وحامض الخل (5 %) ومن مواد صلبة وطيارة وعضوية، ومواد أخرى تعطيه الطعم والرائحة. والخل يظهر نكهة بعض الأغذية ويجعلها أشد قبولاً ومذاقاً ويساعد على هضمها، لذا فهو يضاف إلى كثير من الأطعمة كاللحم والسلطات حيث يثير الشهية ويفتح القابلية. إلا أن الإفراط في تناوله يهيج المعدة ويسبب آلاماً وعسر هضم ومغص وقد يؤدي إلى قروح أحياناً.
و قد وصف الخل في الطب الحديث بأنه مرطب ومنعش، ومدر للبول والعرق ومنبه للمعدة ومحلل لألياف اللحم والخضروات الخشنة. كما أنه يُعطى كترياق للتسمم بالقلويات. ويطبق ظاهراً كعلاج للثعلبة والقرعة. وقد رأيت فائدته الكبرى في معالجة قمل الرأس وإتلاف الصئبان. ويطلى به الرأس علاجاً للصلع. وقد يضاف إليه النشاء ويطلى به الجلد كدواء للجكة. ويغسل به القروح والجروح الجلدية، ويدلك به جلد الصدر والبطن بعد تمديده كمنشط عام، ويمسح به جبين المريض المصاب بالحمى تخفيفاً للصداع. وقد ينشق عن طريق الأنف لإنعاش المريض المصاب بالغشي، ويغرغر به الفم والبلعوم لشد اللثة وقطع نزيفها وتطهير الفم.
و قد أثنى جارفيس على خل التفاح فقال أنه إذا شرب مع الماء كان أحسن علاج للبرد وكان ينصح زبائنه أن يتناولوا صباح كل يوم على الريق كأساً من الماء مع ملعقة صغيرة من الخل وأخرى من العسل، وذلك لتطهير جهازهم الهضمي من كل سوء ويحصلوا على عناصر مفيدة ومغذية ومطهرة. وشاهد بنفسه أن أطفال الفلاحين الذين يشربون الماء مع الخل كانت أجسامهم قوية وصحتهم جيدة.
يقول جارفيس: والأطباء متفقون على أن تناول مقدار قليل من الخل مفيد والإكثار منه مضر ويستثنى من ذلك خل التفاح. ويستعمل طبياً لتحضير الخل العطر النافع من الصداع والدوار والمناعة من الأوبئة. وله أهمية في جعل خلايا الجسم بحالة جيدة وفي تعزيز مقاومة الجسم للكثير من الأسواء التي تهدده، لأن تركيبه غني بالعناصر التي يحتاج إليها الجسم لتأمين التوازن بين خلاياه وفي طليعتها الفوسفور والحديد والكلور والصوديوم والكالسيوم والمنغنيز والسيليكوم والفلور.
و من وصفات الطب الشعبي الهامة:
* الخناق: (70 غ خل + كأس ماء فاتر: غرغرة ويشرب الباقي ببطء).
* الحروق: (يدهن مكان الحرق بسرعة لتجنب حدوث فقاعات، وذلك بخل التفاح وكذا في حروق الشمس).
* نخر الأسنان: (يفيد الخل مضمضة بعد مزجه مع منقوع زهر الخطمية).
* ولسوء الهضم: (كأس ماء فاتر فيه ملعقة صغيرة من خل التفاح).
* للأرق: (نصف ملعقة صغيرة خل تفاح، 2 ملعقة صغيرة عسل مع 100 غ ماء) يشرب بعد ساعة ونصف من العشاء.
* ومن أجل التنحيف: (يؤخذ مقدار ملعقتين صغيرتين من خل التفاح مع كوب من الماء وتشرب بعد الطعام 3 مرات يومياً ولمدة شهرين.
* وللثعلبة: (يطلى المحل 6 مرات يومياً بالخل أو يفرك مرتين بروح الخل).
مراجع البحث
ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
الإمام النووي: عن كتابه (شرح صحيح مسلم).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
جارفيس: عن كتابه (الطب الشعبي) ترجمة أمين رويحة.
أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب)
الذريرة
عن عائشة رضي الله عنها قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي بذريرة في حجة الوداع لحلّه وإحرامه [رواه البخاري ومسلم].
و روى ابن السني عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: دخل عَلَي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج في إصبعي بثرة فقال: عندك ذريرة؟ قلت: نعم. قال: ضعيها عليها وقولي: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير صغّر ما بي، [أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي].
و عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: دخل عليها _ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عندك ذريرة؟ قالت: نعم، فدعا بها فوضعها على بثر بين أصابع رجليه ثم قال: اللهم مصغر الكبير ومكبر الصغير أطفئها عني فطفئت، [رواه الإمام أحمد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناد أحمد رجاله رجال الصحيح عدا مريم بنت إياس فهي مقبولة]
قال ابن القيم: والذريرة دواء هندي يتخذ من قصب الذريرة، تنفع من أورام المعدة والكبد والاستسقاء، وتقوي القلب لطيبها. أما البثرة فهي خراج صغير يكون عن مادة حارّة تدفعها الطلبعة فتسترق مكاناً من الجسد تخرج منه، فهي تحتاج إلى ما ينضجها ويخرجها والذريرة تفعل بها ذلك فإن فيها إنضاجاً وإخراجاً مع طيب رائحتها.
و قال ابن سينا: إنه لأفضل لحرق النار من الذريرة بدهن الورد والخل، وقصب الذريرة ملطف وفيه قبض يسير مع حرافته ... وتجفيفه أكثر يحلل الأورام.
و قصب الذريرة Acorus Calamus , Sweet Flag نبات عشبي معمر من جنس القصب من فصيلة القلقسيات، أحمر اللون عطر الرائحة، له ريزومات متفرعة وأفرعاً هوائية قصبية الشكل، ويسمى بقصب الطيب لرائحته الزكية وقد ورد ذكره في التوراة ضمن أفخر الأطياب، وإذا كسرت فروعه ظهر منها ذرور أبيض هو الذريرة، تضاف إلى الحناء لتعطيرها وتدخل في صنع الصابون المعطر.
منابته في الأهواز ومصر والصين.
يستخرج من ريزوماته _ الجذامير _ زيت عطري مذكور في دستور الأدوية الألماني كعقار طبي يحتوي على الإيجبينول والآزارون وحمض النخل وسيتيلك وفيتامين " ب " والكولين والعفص. تستعمل خلاصة جذاميره أو زيته، إذ هو نافع للمعدة مقو لها، هاضم، ومطمث، طارد للغازات، ويعالج به النهاك والملاريا وسوء الهضم. يعطى للمصابين بالحيات كمخفف للحرارة، ومسكن في الآلام العضلية والمفصلية _ الرثية _. وإذا مزج مع الكرفس وشرب نفع من برد الكلى والالتهابات البولية.
مراجع البحث
الحافظ الهيثمي: عن كتابه (مجمع الزوائد).
ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (زاد المعاد من هدي خير العباد) وكتابه (الطب النبوي) تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط.
دكتور شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة.
وديع جبر: عن كتابه (معجم النباتات الطبية) بيروت: 1978.
أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير: عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري) بيروت: 1985.
التداوي بالرماد
عن أبي حازم أنه سمع سهل بن سعد رضي الله عنه يُسأل عما دووي به جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فقال: جرح وجهه وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وكانت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم وكان علي يسكب عليها بالمجن. فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدَّم إلا كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً فألصقته بالجرح فاستمسك الدم، [رواه البخاري ومسلم وللترمذي رواية مقاربة، والبيضة: الخوذة، والهشم: الكسر، والمجن: الترس الذي يستتر به، والرباعية: السن التي نلي الثنية.
و روى ابن ماجة عن سهل بن سعد: أحرقت له حين لم يرقأ _ قطعة حصير خلق _ فوضعت رماده عليه.
قال ابن حجر: كان أبو الحسن القابسي يقول: وددنا لو علمنا ذلك الحصير ممّ كان لنتخذه دواء لقطع الدم. وقال ابن بكال: قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أحرقت تبطل زيادة الدم. بل الرماد كله كذلك لأن الرماد من شأنه القبض.
و قد زعم كل من البغدادي والكحال ابن طرخان وابن القيم حين شرح الحديث أن المراد بالحصير المصنوع من البردي لأن في رماده تجفيفاً وقلة لذع يقطع الدم، ولأن المجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم. ورماد البردي إذا نفخ في أنف الراعف قطع دمه. وقال ابن سينا عن الرماد: أنه جلاء مجفف كله وإن اختلف ... ورماد الخشب القابض كالبلوط وغيره يحبس الدم.
و الرماد Ash هو ما يتبقى من حرق المواد العضوية الحاوية على كمية كبيرة من الأكاسيد والكاربونات والفوسفات وإن تركيب الرماد النباتي يختلف تبعاً للتربة التي ينمو فيها النبات.
أما تركيب الرماد الحيواني فيختلف حسب الغذاء الذي يتناوله ذلك الحيوان وحسب النص النبوي فنحن لسنا في معرض الرماد الحيواني. أما الرماد النباتي فإن فحمات البوتاسيم وأكسيد الكالسيوم ثم أكاسيد السيلكون والفوسفور. كما أن العديد من مركبات لمعادن أخرى كالنحاس والمغنزيوم والمنغنيز يمكن أن توجد في الرماد تبعاً لنوع النبات.
و بعد إيقاف النزيف بالرماد المستحصل حديثاً من المعالجات المعروفة القديمة في الطب الشعبي عند العرب منذ الجاهلية. وتفيد على الخصوص في النزيف الحاصل من الشجة أو الجروح السطحية _ نزيف الأوعية الشعرية _ وإذا أعقب وضع الرماد استعمال رباط ضاغط فإن النتائج تكون أسرع. وعموماً فإن الرماد يكون طاهراً بحرارة الاحتراق أما اختيارهم لرماد الحصير فهو لأنه أنفع من غيره أو لأنه خال من مواد لاذعة قد تمنع فائدته أو لأن قش الحصير يحتوي على مواد قابضة.
و قد علل الدكتزر النسيمي فائدة الرماد من الناحية الطبية أن الرماد يمتص قسماً كبيراً من ماء المصل الدموي فيساعد على تكون الخثرة البدئية من الصفيحات الدموية، كما أنه يزيد من تخريب بعض الصفيحات والتي يتخرب قسم منها أيضاً بتماسها مع سطح الشئز. وكما نعلم فإن الصفيحات عند تخربها تطلق خميرة ترومبوكيناز المساعدة على التخثر كما تطلقها الأنسجة المجروحة. فإذا انضم إلى ذلك وجود مواد قابضة كالعفص في المادة المحروقة فإن فعل رمادها يكون أقوى في إيقاف النزيف كما في رماد البلوط.
و يعلل الدكتور عبد المعطي القلعجي [في حاشيته على الكتاب (الطب من الكتاب والسنة) لموفق الدين البغدادي. دار المعرفة _ بيروت: 1988] الأمر بآلية مغايرة فيقول بأن الرماد يعمل عمل المواد القابضة، فهي عندما تطبق على جرح ترسب بروتيناته السطحية وتشكل بذلك طبقة ساترة على التهتكات والجروح تحميها من المخترقات الجرثومية وغيرها وتوقف النزيف بترسيب العنصر البروتيني في الدم، كما أن لها خاصية ترسيب البروتين في جسم الجراثيم فتوت فيكون فعلها في حماية الجرح والقضاء على أي جرثوم قريب منه.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. الموسوعة العالمية Encyclopedia International لـ: Grolier المجلد 2 لعام 1972 _ نيويورك.
3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث) الجزء 3.
4. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق القلعجي 1988.
5. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
الرّمان Pome Grante
الرمان من فاكهة الجنة التي خصّها الله بالذكر مما يقدم لعباده المؤمنين فقال: {فيهما فاكهة ونخل ورمان} [سورة الرحمن: الآية 68].
قال الإمام ابن الجوزي: وإنما أعاد ذكر النخل والرمان _ وقد دخلا في الفاكهة _ لبيان فضلهما، كما ذكرنا في قوله تعالى: {و ملائكته ورسله وجبريل وميكائيل}.
و قال ابن كثير {و نخل ورمّان}: من باب عطف الخاص على العام كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمّان بالذكر لشرفهما على غيرهما.
و الرمان من الفاكهة الموغلة في القدم عرفه كثير من الأقوام السالفة واكتشفوا كثيراً من خصائصها ومنافعها ومنهم الفراعنة الذين استخدموها في علاج المرضى. وموطنها الأصلي جنوب غربي آسيا أو شمال غربي الهند ومنه انتقلت إلى إيران ومن ثم إلى حوض البحر الأبيض المتوسط ومصر ومنها إلى أوربا في عصور متأخرة.
و في تراثنا الإسلامي وصف دقيق لمنافع الرمّان. فقد قال ابن القيم: أن حلو الرمّان جيد للمعدة ومقوّ لها بما فيه من قبض لطيف، نافع للحلق والصدر والرئة، جيد للسعال، وماؤه ملين للبطن يغذو البدن غذاء يسيراً، يعين على الباه ولا يصلح للمحمومين. وحامضه قابض لطيف ينفع المعدة الملتهبة ويدر البول ويسكن الصفراء ويقطع الإسهال ويمنع القيء ويقوي الأعضاء. وأما الرمّان المزّ فمتوسط طبعاً وفعلاً بين النوعين وهذا أميل إلى لطافة الحامض قليلاً.و قال الرازي: أن الرمان الحلو ينفخ قليلاً حتى أنه ينعظ والحامض يذهب شهوة الباه، الحلو يعطش والحامض يطفئ ثائرة الصفراء ويقطع القيء، وجميع الرمّان ينفع من الخفقان.
و الرمان شجر مثمر من الفصيلة الآسية Myrtacees وثمرته الرمانة تتميز بحبوبها الحمراء اللؤلؤية. وزهره أحمر قان جميل يدعى الجلّنار. والرمان على ثلاثة أنواع: حلو و
حامض ومزّ معتدل، وتختلف خصائصه باختلاف أنواعه. فالحلو يحتوي على السكاكر (7 _ 10 %) والماء 81 % والبروتين 0.6 % والدسم 0.3 %. كما يحتوي على ألياف بنسبة 2 % وعلى مواد عفصية كالتالين ومواد مرّة وعلى حمض الليمون 1 % وعلى مقادير ضئيلة من الأملاح المعدنية وخاصة الحديد والفوسفور والكبريت والكلس والبوتاس والمنغنيز وعلى نسبة جيدة من الفيتامين " ث _ C ". وفي الرمّان الحامض تقل نسبة السكاكر وترتفع نسبة حمض الليمون حتى 2 % فهو موجود في الرمان أكثر من الليمون نفسه. وترتفع في بذوره نسبة البروتين إلى 9 % والدسم 7 %.
تحتوي القشرة الخارجية لثمر الرمّان على حمض العفص Tannic Acide وهي مادة قابضة لذا يستعمل مسحوق القشور المجففة كمضاد جيّد للإسهال والزحار، وكمرقئ للنزوف الهضمية. كما يستعمل مغلي القشور لهذا الغرض ويفيد كطارد للديدان وخاصة الدودة الوحيدة لاحتوائه على مادة البلليترين Peletierine. ويستفاد من خواص القشور في تثبيت الألوان فتستخدم في دباغة الجلود وفي التخضيب بالحنّاء.
أما قشرة الجذور فتستعمل أيضاً كعلاج طارد للديدان وخاصة لاحتوائها على نسبة عالية من قلويد البلليترين ومشتقاته حتى أن مغليها [يحضر المغلي لقشر الجذور بغلي 50 غ منها لكل ليتر ماء لمدة ربع ساعة ويشرب منه مقدار كوب كل صباح] يمكن أن يؤدي إلى عوارض تسممية _ ضعف عام، دوار، غثيان، اقياء _. ولتحاشيها تمزج قشرة الجذور هذه مع مواد قابضة كالعفص Tannin حيث يصبح امتصاص المواد الذائبة بطيئاً كما تحتوي قشرة الجذر على نسبة عالية من المواد القابضة حيث تفيد في معالجة الإسهال أيضاً ومغلي الأزهار له نفس الفوائد التي نجنيها من مغلي قشرة الرمانة، كما يعتبر فعالاً لمعالجة التهابات اللثة.
و لعصير الرمان الحامض خواص هاضمة ممتازة لارتفاع نسبة الحموض العضوية فيه وخاصة بالنسبة لهضم الدسم، وهذا يساعد أيضاً على الوقاية من النقرس ومنع تشكل الحصى الكلوية. لذا يستعمل بإضافته إلى المآكل الغليظة فيساعده على هضمها وعلى تخليص الأمعاء منها. وتعتبر ثمرته من المواد المنعشة وز المقوية للقلب والأعصاب حيث تفيد المصابين بالوهن العصبي، كما أن لها خواصّ هاضمة. وإذا قطر العصير في الأنف لوحده أو ممزوجاً مع العسل فإنه يكافح أورام الأغشية المخاطية لكونه مقبضاً للأوعية الدموية كما يعين بذلك على تنظيف مجاري التنفس ويفتحها عند المصابين بالزكام والرشح، كما يشفي عسر الهضم.
و يصنع من العصير نوع من الدبس _ دبس رمان _ وهو خير الحموض المحفوظة التي تضاف إلى الطعام ويستعمل طبياً لمعالجة أمراض الفم واللثة.
مراجع البحث
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
موفق الدين البغدادي: عن كتابه (الطب النبوي والسنة) تحقيق عبد المعطي القلعجي
أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) دمشق 1984.
محمد العودات وجورج لحام: عن كتابهما (النباتات الطبية واستعمالاتها) دمشق: 1987.
صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1977.
محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب).
ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).
ابن كثير الدمشقي: عن كتابه (تفسير القرآن العظيم).
مَن عُرِض عليه الريحانُ فلا يَرُدُّهُ
قال تعالى في معرض ذكره عن النعم التي وضعها في الأرض لعباده: {والحب ذو العصف والريحان} [سورة الرحمن: الآية 10].
و قال تعالى: {فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم} [سورة الواقعة: الآية 89].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من عرض عليه الريحان فلا يردُّه فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة " [رواه مسلم].
و عن أبي عثمان النهدي مرسلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردًّه فإنه من الجنة " [رواه أبو داود والترمذي في مراسيلهما].
و في سنن ابن ماجة من حديث أسامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا مشمِّر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ... "
قال ابن القيم: الريحان كل نبت طيب الرائحة. فكل أهل بلد يخصونه بشيء فأهل المغرب يخصونه بالآس، وهو الذي يعرفه العرب من الريحان. أم أهل العراق والشام فيخصونه بالحبق
الآس: Myrtle
شجيرة من الفصيلة الآسية Myrtacees ترتفع إلى مترين ولها فروع عديدة ملساء عليها غدد ذات رائحة جميلة. تنبت برياً في سفوح الجبال، وتزرع في المناطق الغزيرة المياه وعلى ضفاف الأنهار. ويعود الاهتمام به لخضرة أوراقه الدائمة وأنها تحافظ على نضارتها وقتاً طويلاً. استعمله العامة من المسلمين لزيارة قبور موتاهم. يقال أن موطنه الأصلي بلاد فارس ونشره العرب في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي إسبانيا. ويعرف في المغرب العربي باسم الريحان وثمره هو حب الآس _ الحبلاس _. هذا وتفرز أوراقه مواد مطهرة تنقي الهواء وتقضي على الكائنات العضوية الدقيقة.
قال ابن القيم: الآس يجفف الرأس تجفيفاً قوياً وهو قاطع للإسهال الصفراوي وإذا شُمَّ فهو مفرح للقلب، مانع للوباء. وكذا إذا فرش في البيت.
و إذا سُحق ورقه اليابس وذر على القروح نفعها، وينفع من داء الداحس. وإذا دُلك به البدن قطع العرق وأذهب نتن الإبط. وطبيخه يجلو قشور الرأس وقروحه الرطبة ويمسك الشعر المتساقط ويسّوده، وحبه _ الحبلاس _ نافع من نفث الدم العارض في الصدر والرئة، دابغ للمعدة نافع من استطلاق البطن، مدمر للبول، نافع من لذع المثانة وعض الرتيلاء ولسع العقرب.
و أكد ابن سينا: أن ورق الآس يطيب رائحة البدن ويقوي أصل الشعر ويسّوده ويمنع تساقطه. وأضاف البغدادي: أن الآس يقطع الإسهال واشتمامه يسكن الصداع.
و في الطب الحديث يستخرج من ورقه وثمره زيت عطري طيار منعش زكي الرائحة، عنصره الفعال هو الميرتول Myrtole كما يحوي خلاصة قابضة ويوصف في التهاب اللثة والنزلات الصدرية وسيلانات المهبل. كما تحوي الأوراق على حمض الطرطير وزبدته ولذا فهي مدرة للبول، تخفف من شدة نوبات الصرع ومن عددها.
و يستخرج من ورقه وثمره ماء مقطر عطري زكي الرائحة _ عطر الملائكة _ يفيد مطهراً للأنف. أما ثماره _ الحبلاس _ فهي مغذية، منعشة ومقوية للجسم، تؤكل كفاكهة ولها خاصة مقبضة ومجففة للفم لاحتوائها على مادة عفصية، ويصنع منها مع السكر مُربّى لذيذ الطعم.
الحبق: Sweet Basil
هو الريحان بعرف أهل الشام، وربما كانت الهند موطنه الأصلي وهو نبات عشبي عطري من فصيلة الشفويات Labiee , s، زرع للزينة، ارتفاعه حوالي 50 سم، أوراقه بيضاوية معلاقية، زهره أبيض أو محمر قليلاً. يستعمل كتابل لتطبيب نكهة الطعام ويدخل في تحضير الحساء والسجق والسلطات. أما زيته الذهبي فيدخل في صناعة العطور والمشروبات.
و يستعمل كامل العشب الطازج بعد تقطيره لاستخراج الزيت. وهو زيت طيار أبيض أو أصفر اللون، له رائحة زكية واضحة ويدخل في تركيبه اللينالول والسينيول والأوجينول والتربين.
قال ابن القيم عن الحبق بأن: شّمه ينفع من الصداع الحار، ويجلب النوم، وبزره حابس للإسهال الصفراوي ومسكن للمغص، مقو للقلب ونافع من الأمراض السوداوية.
و أضاف ابن سينا: الحبق ينفع من البواسير والدوار والرعاف وأن أزهاره منشطة وهاضمة واستنشاق مسحوق أوراقه يزيل الصداع الناجم عن الزكام.
و في الطب الحديث: يحضر شرابه من رؤوسه المزهرة بعد نقعها في ماء مغلي، ويؤخذ منه مقدار ملعقة كبيرة بعد الطعام حيث يفيد كمنبه وهاضم، طارد للغازات، ومطهر للأمعاء ومزيل للمغص المعوي، مدر للبول، كما يقضي على الرشح والزكام. وله فائدة كبيرة في معالجة الوهن النفسي، وكمضاد للأرق العصبي والصداع وآلام الطمث.
و في أوربا يستعمل في عدد من المعالجات الشعبية. أما مغلي البذور فيعطي نتائج جيدة لمعالجة الزحار والاسهالات المزمنة.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. الإمام السيوطي: عن كتابه (الجامع الصغير).
3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
4. محمد العودات: عن كتابه (النباتات الطبية) دمشق: 1987.
5. أحمد قدامة: عن كتابه (النباتات الطبية) دمشق: 1982.
6. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.
كان مزاجها زنجبيلا
آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى تتحدث عن نعيم الجنة وما أعده الله لعباده المتقين قال تعالى: {و يسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا} [سورة الدهر: الآية 17].
قال الطبري: {كأساً} هي كل إناء كان فيه شراب فإذا كان فارغاً لم يقل له كأس وإنما يقال له إناء.
وقال ابن عباس: يريد الخمر {كان مزاجها زنجبيلا} كان مزاج الكأس التي يسقون منها زنجبيلا، أي يمزج لهم شرابهم بالزنجبيل.
قال القرطبي: كانت العرب تستلذ من الشراب ما يمزج بالزنجبيل لطيب رائحته لأنه يحذو اللسان ويهضم المأكول فرغبوا في نعيم الآخرة بما اعتقدوه نهاية النعمة والطيب.
و الزنجبيل Zingiber Ginger نبات عشبي عطري معمر ريزومي _ أي أنه ينبت من سوق عرضية طولها 1 _ 1.5 متر يخرج منها عدة سوق هوائية. أوراقه رمحية تستدق عند القاعدة سطحها أملس ولونها أخضر داكن. تحصد سوقه الهوائية عندما تبدأ بالذبول ثم تحفر الأرض وتستخرج السوق الأرضية _ الريزومات _ التي تغسل وتقشر وتقطع ثم تنقع بالماء أو تغلى في محلول سكري ثم تجفف وتحفظ للاستعمال. موطنه الأصلي جنوب شرقي آسيا وينحصر إنتاجه في المناطق الاستوائية في إفريقيا والهند.
استخدمه الصينيون والهنود منذ القديم كعلاج وتابل. يقول عنه جالينوس: إسخانه إسخان قوي، إذا أردنا أن نسخن البدن كله بالعجلة وجب أن نأكل الزنجبيل. وقال ابن ماسويه: الزنجبيل نافع من السدد في الكبد الحادث عن الرطوبة والبرد، معين على الجماع، محلل للرياح الغليظة في المعدة والأمعاء، وقال عنه ابن سينا: أنه يزيد الحفظ ويجلو الرطوبة عن نواحي الرأس والحلق وينفع من سموم الهواء.
قال ابن القيم: ذكر أبو نعيم في كتابه (الطب النبوي) من حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: أهدى ملك الروم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جرة زنجبيل فأطعم كل إنسان قطعة وأطعمني قطعة. والزنجبيل مسخن، معين على هضم الطعام ملين للبطن. ينفع من ظلمة البصر الحاصلة عن الرطوبة: أكلاً واكتحالاً، معين على الجماع، صالح للكبد والمعدة، والمزّي منه يهيج الجماع ويزيد المني، ينشف البلغم ويطيب النكهة ويُدفع به ضرر الأطعمة الغليظة .... ريزوماته الشحمية تحتوي على أصماغ وراتنجيات دهنية ونشاء وزيت طيار يعطيه الرائحة العطرية التي تنبعث منه ويتكون من الكامفين Camphine واللينالول Linalol. وراتنج زيتي غير طيار هو الجنجرين الذي يعطيه الطعم اللاذع.
و تشير المصادر الطبية الحديثة إلى عدد من الاستعمالات الطبية الهامة للزنجبيل فهو يملك خواص مطهرة ومقوية ومضادة للحفر. خلاصته المائية من الأدوية الجيدة لأمراض العين كما تعطى داخلاً لتوسيع الأوعية الدموية وكمادة معرقة. كما يستعمل كمنعش ومنبه للقلب والتنفس، طارد للرياح، مضاد للمغص ومسكن للألم المعوي، لذا يفيد مزجه مع السنا فيمنع غثيانه ويصيره أقل شدة واستطالة. وبشكل عام فإن مزجه مع المسهلات يمنع حدوث المغص الناجم عنها. مَغليه منفث يفيد في النزلات البردية ويعتبر مضاداً للسعال، كما يصنع منه مربى يفيد في معالجة الآفات الصدرية. كما يمكن أن يغلى مع الشاي أو يسحق ويعجن مع العسل ويؤكل كغذاء مقو عام ومنشط للباه.
كما يعتبر مشهياً ومفرزاً للغدد لذا يستعمله الكثيرون كتابل يدخل في صناعة الحلوى والفطائر والمخللات والحساء لتطييب نكهة الطعام. كما يطبق معجون مسحوقه مع العسل موضعياً على الجلد والمفاصل كمسكن. هذا ولما كان الزنجبيل يحتوي على مقادير وافرة من المركبات الحريفة والقابضة فيجب تناوله باعتدال وعدم الإكثار منه وإلا أضرّ بالأغشية المخاطية للطرق الهضمية.
و يعتبر الزنجبيل منشطاً عطرياً يزيد من إفرازات المعدة بملامسته لبطانتها، وهو يقوي المعدة ويفيد لمعالجة أسواء الهضم وبعض اضطربات المعدة المشابهة بما فيها الناتجة عن دوار البحر، كما يفيد في طرد الغازات. وهو يعمل على تلطيف الحرارة وإزالة الظمأ لذا فهو يستخدم في الحميات والأنفلونزا، ويعطى شتاءً من أجل تدفئة الجسم. وهو مطمث عند المرأة، ويخفف من تأثير السموم على الجسم.
مراجع البحث
الإمام ابن جرير الطبري: عن كتابه (جامع البيان عن تفسير آي القرآن).
الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
حسان الكاتب: عن كتابه (الموسوعة الموجزة) دمشق: 1978.
محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.
أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) 1984.
زياد عبد الرحيم: عن مقالة (فوائد ومضار التوابل) مجلة البلسم، أيار: 1988.
كلوا الزيت وادّهنوا به
قال تعالى: {و هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والرمان متشابهاً وغير متشابهاً} [سورة الأنعام: 141].
و قال تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة كأنها كوكب دُرِّي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية} [سورة النور: الآية 35].
قال القرطبي: قال ابن عباس رضي الله عنه: في الزيتونة منافع، يسرج الزيت وهو إدام ودهان ووقود، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ودعا لها سبعون نبياً بالبركة.
و قد اختلف العلماء في قوله تعالى: {لا شرقية ولا غربية} فعن ابن عباس وقتادة: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا أشرقت ولا تصيبها إذا غربت لأن لها ستراً والغربية عكسها أي أنها شجرة في منكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها. وقال ابن زيد: إنها من شجر الشام فإن شجر الشام لا شرقي ولا غربي وهو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة.
و في تفسير الجلالين {لا شرقية ولا غربية} بل بينهما فلا يتمكن منها حرٌ ولا برد مضرين.
قال تعالى: {و شجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين} [سورة المؤمنون: 20]. قال القرطبي: {و شجرة} يريد بها شجرة الزيتون وأفردها بالذكر لعظيم منافعها في أرض الشام والحجاز وغيرها، وقلة تعاهدها بالسقي والحفر وغير ذلك من المراعاة في سائر الأشجار {تخرج من طور سيناء} أي أنبتها الله في الأصل من هذا الجبل الذي بارك الله فيه، وطور سيناء من أرض الشام وهو الجبل الذي كلمّ الله عليه موسى عليه السلام، {تنبت بالدهن} أي تنبت ومعها الدهن، والمراد تعديد نعم الزيت على الإنسان، وهي من أركان النعم التي لا غنى للصحة عنها، {و صبغ للآكلين} يراد به الزيت الذي يصبغ به الأكل، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب وشبه الإدام به لأن الخبز يلون بالصبغ إذا غمس فيه.
قال تعالى: {و التين والزيتون وطور سنين وهذا البلد الأمين} [سورة التين: 1_3] قال الإمام الرازي حصل فيه قولان، الأول أن المراد من التين والزيتون هذان الشيئان المشهوران، قال ابن عباس: هو تينكم وزيتونكم هذا، ثم ذكروا من خواص التين والزيتون أشياء ... وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة، فاكهة من وجه وإدام من وجه ودواء من وجه ... ثم قال المفسرون: التين والزيتون اسم لهذين المأكولين وفيهما هذه المنافع الجليلة فوجب إجراء اللفظ على الظاهر والجزم بأن الله تعالى أقسم بهما لما فيهما من هذه المصالح. القول الثاني أنه ليس المراد هاتين الثمرتين، ثم ذكروا وجوهاً منها أنهما جبلان من الأرض المقدسة، ومنها أن المراد من التين والزيتون مسجدان، ومنها بلدان فقال كعب: التين دمشق والزيتون بيت المقدس.
عن أسيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه يخرج من ثمرة مباركة " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح حسن وأخرجه الإمام أحمد وصححه الحاكم]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ائتدموا بالزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة " [رواه ابن ماجة وصححه السيوطي في الجامع الصغير]. وعن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت، [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية أخرى عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينعت الزيت والورس من ذات الجنب]. وروى البخاري في صحيحه: كان ابن عمر رضي الله عنهما يدهن بالزيت، أي عند الإحرام [قال ابن حجر في فتح الباري: قال ابن عباس: إذا اشقّقت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت].
و في كتب التراث الإسلامي وصف مسهب لفوائد زيت الزيتون نقتطف منها ما جاء في تذكرة داود الأنطاكي: والزيت إذا شرب بالماء الحار سكّن المغص والقولنج وأخرج الدود وأدرّ البول وفتَّت الحصى وأصلح الكلى. ويقع في المراهم فيدمل ويصلح، والادّهان به كل يوم كل يوم يمنع الشيب ويصلح الشعر ويمنع سقوطه.. والاكتحال به يقلع البياض ويُحَدُّ البصر ... أما الزيتون فهو من الأشجار الجليلة القدر، العظيمة النفع، وإن مُضِغَ ورقه أذهب فساد اللثة والقلاع وأورام الحلق.
أما موفق الدين البغدادي فيقول: والإدّهان بالزيت يقوي الشعر والأعضاء ويبطئ الشيب،, شربه ينفع السموم ويطلق البطن ويسكن وجعه ويخرج الدود. ويذكر ابن سينا أن جميع أنواع زيت الزيتون مقوية للبدن منشطة للحركة. والزيت البري للحمرة والشرى والأورام الحارّة. والزيت البري المعتصر من الفج ينفع القروح الرطبة واليابسة والجرب، وورقه للحمرة والشرى. والزيت المغسول يوافق أوجاع العصب وعرق النسا، وزيت العتيق ينفع للمنقرسين إذا طلوا به. كما ينفع البريُّ اللثة الدامية تمضمضاً به ويشد الأسنان المتحركة، والزيت يتهوع مع الماء فيكسر قوة السم.
و في طبنا الشعبي توصف ملعقتان كبيرتان من الزيت في الصباح على الريق لمعالجة الإمساك. كما يوصف مزيجه مع الغليسرين لمعالجة تشقق الأيدي والأرجل من البرد. أما دولامور [Dolamore: " The Essential olive oil companion " London , 1988] فيورد بعض الوصفات من الطب الشعبي البريطاني، منها ما يجعل الشعر براقاً بعد مزجه مع صفار البيض وعصير الليمون: يدلك به الشعر 5 دقائق ثم يغسل. ولمنع قشرة الرأس يصفون مزيج الزيت مع الكولونيا. أما لمعالجة تجعد الشعر ومنع ظهورها فيوصف دلك الجلد بمزيج من زيت الزيتون مع عصير الليمون قبل النوم. كما يدلكون الأقدام بالزيت للذهب بتعبها.
و لقد أهمل الطب الحديث وحتى زمن قريب البحث عما في غذاء الإنسان من فوائد للوقاية من الأمراض وعلاجها، وأهمل الكثير من عقاقير القرون الوسطى _ كما يقولون _ وهكذا كان شأن الزيتون حتى عام 1986 حيث أيّدت أول دراسة موضوعية فائدته في معالجة ارتفاع كولسترول الدم، وبدأت الأبحاث تتوالى يوماً بعد يوم لتكشف أسرار هذه المادة الثمينة، وقد أثارت هذه الدراسات دهشة العالم حين أظهرت أن أمراض شرايين القلب واحتشاء العضلة القلبية كانت نادرة في جزيرة كريت، تلك الجزيرة التي يستهلك أهلها زيت الزيتون بشكل مثير يفوق الوصف. وفي حين قبل ذلك بـ 1400 عام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: " كلوا الزيت وادّهنوا به فإنّه يخرج من شجرة مباركة " وكيف لا تكون مباركة وقد أقسم الله بها، أو بأرضها حين قال جل وعلا: {و التين والزيتون وطور سنين ...} كما شبه الله نوره سبحانه بالنور الصادر عن زيتها حين قال: {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح * المصباح في زجاجة * الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة ....} [عن كتاب (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) الدكتور حسان شمسي باشا، جدة: 1992].
و يؤكد دولامور [Dolamore: " The Essential olive oil companion " London , 1988] أن سورية كانت أول موطن للزيتون حين زرعها الساميون قبل حوالي 6000 سنة، كما أن فلسطين كانت مشهورة بالزيتون. وقد جاء في سفر التكوين من الإنجيل أن حمامة تركت سفينة نوح ثم عادت إليها بغصن الزيتون، لذلك اعتبر غصن الزيتون رمزاً للسلام إذ كان إشارة إلى نهاية غضب الرب على قوم نوح، كما ذكر الزيتون في الآثار المصرية وشوهدت رسومه على أضرحة الفراعنة، كما ثبت استعمالهم لزيته في الطعام والعلاج. وقد علّم الفينيقيون الإغريق استخدام الزيت كمصدر للنور، وبلغ اهتمام الإغريق بالزيتون إلى درجة اعتبار بساتينه مقدسة لا يسمح بزراعتها إلا للعذارى من النساء أو الرجال الطاهرين.
شجرة الزيتون:
ينتمي الزيتون إلى فصيلة النباتات الزيتية Oleales وهناك مئات الأنواع المختلفة لشجر الزيتون، وتختلف فيما بينها تبعاً للمناخ والتربة وفيما إذا كان الزيتون سيستخدم للطعام أم للحصول على الزيت منه. ولا تستطيع شجرة الزيتون تحمل الطقس البارد جداً أو الرطب، بينما تتحمل الجفاف لفترة طويلة.
لذا تكثر في أقطار البحر الأبيض المتوسط بعيدة عن شواطئه، والمتميزة بشتائها اللطيف وصيفها الحار الطويل. وتمتاز هذه الشجرة بعمرها المديد إذ تعمر مئات السنين. وهي دائمة الخضرة وتزهر في أواخر الربيع ولا يتم نضج ثمرها قبل مضي 6 شهور على إزهارها. وقد كان الرومان يحرمون حرق خشبها ويستبقونه لصنع أثاث كنائسهم. ويفيد المغليّ المحضر من أوراقها في إدرار البول وكخافض للضغط الدموي.
خواص زيت الزيتون وقيمته الغذائية:
تختلف أنواع الزيت حسب لونه ومذاقه ورائحته وهذا تابع للأرض التي ينبت بها شجره وطريقة حصده وعصر ثماره. وألوانه تتفاوت من الذهبي إلى الأخضر القاتم، كما يختلف مذاقه من لاذع أحياناً أو فلفلي إلى طعم ثمري لطيف. ونحتاج للحصول على ليتر من الزيت إلى عصر 5 كغ من الزيتون. وليس هناك زيت نباتي آخر يمكن أكله فور عصره، فلا بدَّ للزيوت الأخرى من معالجتها بوسائل خاصة قبل أكلها. ويصنف الزيت حسب درجة حموضته وهناك طرق لتكريره من أجل تخفيف حموضته ورائحته.
إن ثمرة الزيتون حين بدء تشكلها لا تحتوي على أي كمية من الزيت بل إنها تحتوي على مزيج من الحموض العضوية والسكاكر التي تتحول بقدرة الخالق تدريجياً إلى زيت وثمرة الزيتون في طريقها إلى النضج وذلك ضمن عملية خاصة تدعى بتكون الدهن Lipogenesis أجل...! فما هي إلا مصانع كيميائية إلهية تحول الحموض العضوية والسكاكر إلى زيتن يكون غذاء ودواءً للناس...
يقول دولامور: ومن العجيب أن تجد أن طعم ونكهة زيت الزيتون يختلف من منطقة لأخرى رغم كون نوع الشجر واحداً في المكانين وهو يعود إلى اختلاف التربة والمناخ المحليين الذي يؤثر في طعم الثمار، وهذه المقولة هي مصداق قوله تعالى: {و هو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه}.
و لأهل المغرب شهرة عالمية في إضافة البهارات والتوابل إلى الزيتون، حيث يسمى الزيتون المغربي الملكي. وزيتون الشام مشهور من ذ القديم وقد عرف بجودته. ويعتبر الزيتون مادة مغذية ومشهية وزيته أسهل هضماً من الزيوت الأخرى وله قيمة غذائية عالية. وقد كان الأطباء لسنوات خلت يحذرون المصاب بارتفاع كولسترول الدم من تناوله، لكن الأبحاث الحديثة دلّت عكس ذلك.
كما أوصت الجمعيتان الطبيتان البريطانية والأمريكية لمرضى السكر أن تكون الزيوت اللامشبعة الوحيدة كزيت الزيتون المصدر الرئيسي للدهون التي يتناولها المصابون بالداء السكري. ويشكل الزيت [Mc Cances: " Composition of food " London , 1979] نسبة 70 % من تركيب ثمرة الزيتون ويتكون من غليسيريدات وحموض أهمها حمض الأوليئيك مع كميات صغيرة من حمض البلمتيك واللينولئيك والستياريك والمستريك. وتحتوي كل 100 غ من الزيتون على بروتينات 0.9 غ، دسم 11 غ. وعلى عناصر معدنية هامة: البوتاسيوم والمغنزيوم والفوسفور والحديد والنحاس والكبريت وغيرها وعلى 4.4 م الألياف، وتعطي 103 حريرة.
كما تحتوي على نسبة عالية من الكاروتين _ طليعة الفيتامين آ _ [يعتبر فيتامين " آ = A " فيتامين النمو عند الأطفال. كما أنه ضروري لحماية الجلد وللرؤية أيضاً] وهي ما يقارب من 180 ميكروغرام، كما أنه غني بالفيتامين " و= E " الضروري لتركيب الخلايا ونشاطها الخمائري، كما يعتبر الفيتامين الخاص بالخصب والتناسل.
كما يحتوي على الفيتامين " د = D " الذي يقي من الكساح وتقوس الساقين عند الأطفال ومن تلين العظام عند الكبار. كما أن المادة العطرية [عن كتاب (الغذاء لا الدواء) للدكتور صبري القباني] التي يحتوي عليها تثير عند الإنسان شهوة الطعام. ويحتوي الزيت على ما يسمى بأشباه الدسم Lipoides وهي مواد ذات تأثير فعال في تغذية الخلايا السّامية في الجسم وخاصة النسيج الدماغي.
و زيت الزيتون مصدر عالٍ للطاقة الحرورية، فهو كغيره من الدهون، تبلغ قيمته الحرورية 9 حريرات للغرام الواحد، له مفعول جيد في نمو دماغ الطفل والعظام.
الخواص العلاجية لزيت الزيتون
فوائد زيت الزيتون عند المصابين بالداء السكري:
الداء السكري الكهلي يستفيد بالدرجة الأولى من الحمية وفي طليعتها الاعتماد على زيت الزيتون. فلقد أوصى الاتحاد الأمريكي لمرضى السكري المصابين بهذا الداء تناول حمية فقيرة بالكولسترول وبالدهون المشبعة _ الدهون الحيوانية _ وأصدر الاتحادان البريطاني والكندي توصيات مماثلة كما أقرت جداول حمية تعطى فيها الدهون بنسبة 30 % على ألا تتجاوز نسبة الدهون المشبعة 10 % وأن تكون نسبة الدهون اللامشبعة العديدة _ كزيت الذرة _ فيها 6 - 8 % في حين يكون الباقي 82 % على شكل حموض دهنية لا مشبعة وحيدة _ زيت الزيتون _. وقد أكد كارج وزملاؤه [Carg A. " New England j. Med.1988,34] أن استعمال زيت الزيتون كمعوض عن بعض النشويات في غذاء المرضى السكريين يمكن أن يؤدي إلى تحسين السيطرة على مستوى السكر الدموي.
زيت الزيتون وأمراض المرارة:
تؤكد الكتب المدرسية في فن المداواة [كتاب فن المداواة للدكتور عزة مريدن. دمشق] فائدة الزيت كمفرز ومفرغ لصفراء الكبد، إذا أعطي منه 2 - 6 ملاعق كبيرة يومياً موزعة قبل وجبات الطعام. وبتأثيره هذا يفيد المصابين بالرمال الصفراوية _ المرارية _ والصفراء اللزجة الكثيفة ويخفف من آلامها. ونظراً لتفككه في الجسم وانطلاق الغليسرين منه فإنه يفيد في تسهيل إفراغ الرمال البولية.
و في عام 1985 كتب الدكتور كوتكاس [Kotkas I. j. " Spontaneous passage gallstones " j. Royal soc. of Med. 1988 , 34] عن مشاهدات طريفة له من الطب الشعبي الكندي، وجدها فعالة في 95 % من الحالات لمعالجة حصيات المرارة تقوم على أن يصوم المريض على تناول السوائل والعصير _ من 20 - 24 ساعة _ ثم يبدأ بعدها بتناول ملعقتين كبيرتين من زيت الزيتون الطازج يتبعها فوراً بملعقة كبيرة من عصير الليمون الطازج أيضاً وذلك كل 15 دقيقة حتى يتناول ما مقداره (224 غ من زيت الزيتون) ثم ينام واضعاً زجاجة ماء دافئ على بطنه ويمتنع عن الطعام بعدها حتى صباح اليوم التالي. وقد أكدّ كوتكاس أنه كثيراً ما شاهد الحصيات المرارية تخرج متفتتة مع البراز خلال ساعات بعد ذلك.
زيت الزيتون والكولسترول:
يتواجد الكولسترول في دم وخلايا الإنسان. وهو عنصر أساسي في بنيته الكيماوية _ الحيوية حيث يدخل أيضاً في تركيب الهرمونات الهامة وله نوعان: ضارٌ ومفيد. فأما النوع الضار فهو ما يسمى بكولسترول الدسم البروتينية المنخفضة الكثافة، الذي يتراكم في الشرايين مؤدياً إلى تضيقها. وتوضعه في شرايين القلب خاصة يؤدي إلى الإصابة بخناق الصدر أو باحتشاء العضلة القلبية. أما النوع المفيد فهو كولسترول الدسم البروتينية المرتفعة الكثافة الذي يقوم بإزاحة النوع الضار من مواضعه في الخلايا ونقله إلى الكبد حيث يتخلص منه. لذا فيجب أن نهدف في تغذيتنا إلى رفع مستوى هذا النوع من الكولسترول حتى نقلل احتمال الإصابة بمرض في شرايين القلب. ويزداد هذا النوع في البدن عند تناول زيت الزيتون بدلاً من الدهون الحيوانية وعند القيام بالتمارين الرياضية وبعد التوقف عن التدخين.
و قد اعتادت المصادر الطبية على القول بأن زيت الزيتون لا يؤثر على كولسترول الدم سلباً أو إيجابياً، لكن الأبحاث العلمية الحديثة [الدكتور حسان شمسي باشا: (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) جدة: 1992] أظهرت أن زيت الزيتون ينقص معدل كولسترول الدم كما أنه ينقص أيضاً مستوى الدسم البروتينية المنخفضة الكثافة _ الكولسترول الضار _ ويجب أن تهدف معالجة المصابين بارتفاع كولسترول الدم لإنقاص معدّل هذين المركبين وعليه فإن زيت الزيتون يقوم بأداء ما نسعى إليه، وقد بينت تلك الأبحاث أن زيت الزيتون لا ينقص معدّل الكولسترول المفيد. وهكذا فإن للزيت تأثيراً مزدوجاً فهو ينقص من الكولسترول الضار في حين يحافظ على معدّل الكولسترول المفيد فيحمي بذلك شرايين القلب. وإن تأثير زيت الزيتون على دسم الدم أفضل بكثير من تأثير زيت الذرة أو المازولا الذي طالما تحدث عنه الأطباء.
زيت الزيتون وأمراض شرايين القلب:
يصاب القلب بعدد من الأمراض نتيجة إصابة الشرايين الإكليلية المغذّية للقلب بالتضيق أو الانسداد. وأكثر هذه الأمراض شيوعاً ما يسمى بالذبحة القلبية Angina Pectoris واحتشاء العضلة الققلبية _ الجلطة _ وينجم عن تضيق الشرايين عن تشكل لويحات في لمعتها يترسب فيها الكولسترول وصفيحات الدم مع نسيج ليفي، يزداد هذا التضيق بسبب ترسب خثرات دموية فوق السطح الخشن لتلك اللويحات مما يؤدي إلى الإصابة بالاحتشاء.
و قد أكد الدكتور تريفيسان وزملاؤه [Trevisan M. " Consumption of oil
, butter and veg. oils and Coronary Heart dis. Risk factor , " - JAMA, 1990] من جامعة نيويورك التأثيرات المفيدة لزيت الزيتون للوقاية من أمراض الشرايين القلبية. وقد أظهرت دراساته أن مستوى كولسترول الدم والسكر والضغط الدموي كانت أقل عند أولئك الذين كانوا يكثرون من تناول زيت الزيتون، ونظراً لأثر هذه العوامل في إحداث التصلب في شرايين القلب فهذا يجعلنا نعي الدور العظيم الذي يلعبه زيت الزيتون في الوقاية من الذبحة والاحتشاء القلبيين.
أما الدكتور باغيو [Baggio G. " Olive oil - Enriched diet: - " American j. clin. Nutrition , 1988] فيؤكد أنه على الرغم من الاستهلاك الكبير للدهون في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط فإن نسبة حدوث أمراض الشرايين القلبية ومستوى كولسترول الدم تعتبر منخفضة نسبياً. وعزى ذلك لكثرة تناول سكان المنطقة من زيت الزيتون، كما وجد أن معدّل الوفيات من الاحتشاء هو أقل من فنلندا وأمريكا حتى ولو تساوى مستوى الكولسترول عند هاتين المجموعتين مما يوحي بأن لزيت الزيتون تأثيرات واقية أخرى لا تقتصر فقط على خفض كولسترول الدم.
و من جامعة مينوستا الأمريكية نشر الدكتور كيز [Keys A. " lowering plasms cholestrol by diet " , New England j. Med , 1986] نتيجة دراسته التي أجريت على 2300 رجل من متوسط العمر ومن دول مختلفة حيث وجد أن معدّلات الوفيات كانت منخفضة جداً عند الرجال الذين يتناولون زيت الزيتون بكثرة، كما أكدت أبحاث أوليفر وأهرتس أهمية التغذية بزيت الزيتون وفائدته في الوقاية من آفات شرايين القلب الإكليلية.
و قد أظهرت الدراسات أن زيت الزيتون يحتوي على مواد كيماوية تمنع تخثر الدم وترفع مستوى الكولسترول المفيد _ المرتفع الكثافة وتقي الشرايين من ترسب الكولسترول فيها. ويعطي الأطباء في جامعة ميلانو مرضى القلب الذين أجريت لهم عمليات على شرايين القلب 4 - 5 ملاعق من زيت الزيتون يومياً كإجراء روتيني وكجزء من العلاج الذي يتلقونه. كما أن غراندي [Grundy S. M. " comparison of Monounsaturated fatty acides and carbohydrates for lowering plasma cholestrol ". Neo - Eng. j. Med. 1986 - 12] من جامعة تكساس بين أن زيت الزيتون يخفض كولسترول الدم بمقدار 13 % ويخفض الكولسترول الضار _ المنخفض الكثافة _ بمعدل 21 % وينصح بتناول زيت الزيتون بدلاً من الدهون الأخرى للوقاية من الأمراض التي تصيب الشرايين القلبية.
هذا ويمكن أن نلخص عمل زيت الزيتون للوقاية من الآفات القلبية الوعائية بما يلي:
1. يخفض مستوى كولسترول الدم ويرفع نسبة كولسترول المفيد _ المرتفع الكثافة _ أما الزيوت النباتية الأخرى كزيت الذرة ودوار الشمس فإنها بدون شك تخفض مستوى كولسترول الدم لكنه في الوقت نفسه تخفض الكولسترول المفيد الذي يقلل من احتمالات حدوث آفة إكليلية قلبية.
2. هناك عامل قوي مضاد للاحتشاء يقوم بفعل مضاد للتخثر ويقلل من امتصاص الكولسترول في الجسم. ومن 1000 مادة حية في زيت الزيتون هناك ما يسمى بـ سيكلو أترانول الذي يعدل الكولسترول أثناء استقلابه في الجسم.
3. يزيد زيت الزيتون من إنتاج العضوية للبروستاسيكلين الذي يخفض ضغط الدم.
4. يؤثر على استقلاب وإنتاج الأنسولين مما يفسر تأثيراته على خفض سكر الدم.
زيت الزيتون وارتفاع الضغط الدموي:
في الدراسة التي أجراها ويليامز [Williams P. T. " Assocition of Dietary fat , regonal adiposity , and blood pressure in men " JAMA , 1987. 6] وزملاؤه بيان واضح بأن ضغط الدم المرتفع قد انخفض عند أولئك الذين تناولوا زيت الزيتون في غذائهم اليومي، واستنتجوا أن هناك علاقة عكسية بين ضغط الدم وتناول زيت الزيتون. ويعتقد بعض الباحثين من جامعة كنتاكي أن تناول ثلثي ملعقة طعام من زيت الزيتون يومياً يمكن أن يخفض الضغط الانقباضي خمس نقاط والانبساطي 4 نقاط.
فوائد علاجية أخرى لزيت الزيتون:
لخصت دائرة المعارف الصيدلانية (Martindele - 1989) فوائد زيت الزيتون على أنه مادة مغذية وملطفة ذات فعل ملين خفيف _ مضاد للإمساك _ إذا أخذ بمقدار 1.5 ملعقة كبيرة قبل الطعام. وأنه يمكن استعماله كحقنة شرجية _ 100 سم 3 من الزيت + 500 سم 3 من الماء الدافئ بدرجة 32 _ وذلك لتليين الكتل البرازية المسببة للإمساك ولمعالجة حالات إنعقال _ انفتال _ الأمعاء، كما يستعمل في بعض الحالات المرضية على شكل مستحلب كجزء من غذاءٍ خالٍ من البروتين.
و يؤكد الدكتور عبد الله عبد الرزاق السعيد الدور الهام الذي يلعبه زيت الزيتون في الوقاية من العديد من أسواء الهضم، فهو يلين الغشاء المخاطي للأثني عشر ويقلل من الإفراز المفرط للمعدة من حامض كلور الماء والببسين فيساهم بذلك في الوقاية من الإصابة بالقرحة المعدية والإثنى عشر، كما يعمل على وقف التقلص المرتفع، حيث يؤدي دوره الواقي والمنظم ويقلل من الإصابة بالتهابات المعدة.
و لزيت الزيتون حال الادّهان به فعل ملطف ومهدئ لحالات الجلد الالتهابية ويفيد لتطرية الجلد ولمعالجة القشور الناجمة عن الأكزيما والصدف، كما يستعمل مطرياً لصملاخ الأذن، وكمادة مزلقة لمساجات الجلد، كما يدخل في تركيب المروخات والمراهم. ويشرح الدكتور مريدن طريقة صنع المروخ الكلسي - الزيتي الذي يفيد في معالجة الحروق، ويحضر بمزج أقسام متساوية من زيت الزيتون وماء الكلس. ومن خلال مشاهداتنا العملية يمكننا أن نعتبر مزيج العسل مع زيت الزيتون علاجاً مثالياً للحروق خاصة بعد تفجير الفقاعات الناجمة عن الحرق _ الدرجة الثانية _ [عن كتاب (العسل فيه شفاء للناس) للمؤلف، الطبعة 3 لعام 1992 - دمشق].
ويؤكد الدكتور النسيمي فائدة زيت الزيتون للمرضى المصابين بالبواسير، إذ من المعروف أن الإمساك المزمن من الأسباب المساعدة لحدوث البواسير وأن تليين الباطنة يخفف من وطأتها. ونظراً لأن الزيت ملين، ومنبه لإفراز المرارة مما يساعد في هضم الدسم وتنبيه الحركة الحوّية للأمعاء. لذا فإن تناول الزيت النيئ قبل الطعام مفيد جداً للمصابين بالبواسير. فقد ورد عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بزيت الزيتون، كلوه وادّهنوا به فإنه ينفع من الباسور " [رواه ابن السني في الطب النبوي ورمز السيوطي لصحته ورواه عنه الديلمي].
و إذا كان الباحثون قد توجهت أنظارهم حديثاً نحو دراسة زيت الزيتون واكتشاف فوائده في الوقاية من احتشاء العضلة القلبية وفي تدبير مرضى السكر والضغط الدموي وارتفاع الكولسترول ومعالجة حصيات المرارة وغيرها، فإن رسول الإنسانية وطبيبها الملهم محمداً صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى أكثر من 14 قرناً غذاءً وعلاجاً، أكلاً وادّهاناً حين قال صلى الله عليه وسلم: " كلوا الزيت وادّهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة ". وما أجمل فهم صحابة رسول الله لهذه الدعوة النبوية كما نراه من خلال الحادثة التي رواها القرطبي في شرحه لآية العسل حيث قال:رُويَ أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: إيتوني بماء فإن الله تعالى يقول: {و نزلنا من السماء ماءً مباركاً} ثم قال: إيتوني بعسل فإن الله تعالى يقول: {فيه شفاء للناس} وإيتوني بزيت فإن الله تعالى يقول: {من شجرة مباركة زيتونة} فجاؤوه بذلك كله فخلطه جميعاً ثم شربه فبرئ
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. حسان شمسي باشا: عن كتابه (زيت الزيتون بين الطب والقرآن) جدة: 1992.
3. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث). المجلد 3 الطبعة 3 , 1991.
4. داود الأنطاكي: عن كتابه (تذكرة أولي الألباب).
5. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).
6. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء).
7. الرازي: عن كتابه (تفسير الفخر الرازي) ببيروت: 1985.
8. الإمام القرطبي: في تفسيره المسمى (الجامع لأحكام القرآن).
9. عبد الرزاق السعيد: عن مقالة له في مجلة الدواء العربي، السنة 12 العدد 2 لعام 1992.
السدر والنبق
قال تعالى: {و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود} [الواقعة: 28]. وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى سدرة المنتهى ليلة أسري به وإذا نبقها مثل قلال هجر، [رواه البخاري].
و في الحديث الصحيح الذي رواه الستة وأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اغسلوه بماء وسدر ". وقال ابن كثير عن قتادة: كنا نحث عن " السدر المخضود " أنه الموقر الذي لا شوك فيه، فإن سدر الدنيا كثير الشوك قليل الثمر.
و قال الحافظ الذهبي: الاغتسال بالسدر ينقي الرأس أكثر من غيره ويذهب الحرارة وقد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في غسل الميت. والنبق ثمر السدر شبيه بالزعرور يعصم الطبع ويدبغ المعدة. وزاد ابن القيم: أنه ينفع من الإسهال ويسكن الصفراء ويغذو البدن ويشهي الطعام وينفع الذرب الصفراوي وهو بطيء الهضم وسويقه يقوي الحشا، وهو يصلح الأمزجة الصفراوية.
و السدر Zizyphus Spina Christi أو الشوك المقدس Christ,s Thorn نبات شجيري شائك، بري وزراعي موطنه شبه الجزيرة العربية واليمن ويزرع في مصر وسواحل البحر الأبيض المتوسط. وهو من الفصيلة العنابية أو السدرية Rhamnaccae، والنبق هو ثمر السدر حلو الطعم عطر الرائحة. أهم العناصر الفعالة الموجودة فيه هي سكر العنب والفواكهة وحمض السدر Acide Zizyphique وحمض العفص، ثماره مغذية وتفيد كمقشع صدري، وملينة وخافضة للحرارة ونافعٌ في الحصبة وقرحة المعدة. مغلي أوراقه قابض طارد للديدان ومضاد للإسهال ومقوٍ لأصول الشعر. ونافع من الربو وآفات الرئة. ويمكن أن تضمد الخراجات بلبخة محضرة من الأوراق. وطبيخ خشبه نافع من قرحة الأمعاء ونزف الدم والحيض والإسهال. وصمغه يذهب الحزاز.
مراجع البحث
1. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
2. الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي).
3. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة).
4. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي والسنة).
5. دكتور شكري إبراهيم سعد: عن كتابه (نباتات العقاقير والتوابل) القاهرة.
6. أبو القاسم الغساني المشهور بالوزير: عن كتابه (حديقة الأزهار في ماهية العشب العقاري).
السلق
عن أم المنذر رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عليّ وعليٌ ناقه، ولنا دوال معلقة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها، وأخذ علي ليأكل منها، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: مه يا علي إنك ناقه، فكف علي، قالت: فصنعت شعيراً وسلقاً وجئت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصب من هذا فهو أنفع لك، [رواه أبو داود] وروى الترمذي نحوه وفيه: فجعلت لهم سلقاً وشعيراً ... الحديث وفيه " فهو أوفق لك " والناقه الذي أبَلّ من مرضه ولم تتكامل صحته.
و عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت: ولمَ؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلي بضاعة _ قال ابن سلمة: نخل المدينة _ فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر عليه حبات من شعير، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا، فنفرح بيوم من الجمعة من أجله، [رواه البخاري ومسلم].
و السلق عشبة من البقول من فصيلة السرمقية Chenopodiscee، تزرع شتاءً. أوراقها عريضة خضراء تؤكل مطبوخة بالزيت أو تضاف لأطعمة أخرى كما تدخل في تحضير المقبلات. وهي غنية بالفيتامينات " آ " و" ج " وبالمعادن وخاصة الحديد والكالسيوم ولذا فهي توصف للمصابين بفقر الدم، كما أنها ملينة ومدرة للبول،و تسكن القولنج وتمنع الغازات.
و قد عرف أطباء العرب منافع السلق منذ القديم وقالوا أن أكثر ما فيه منفعة عصارته، وأنها تفيد في اللقوة سعوطاً وفي الصداع والشقيقة وحمرة العين. وتزيل ألم الطحال والكلى والمثانة وأمراض المعدة شرباً، وتستعمل أوراقها ضماداً للحروق، وتحسن الشعر
مع الحناء وتفيد إذا سحقت كمراهم للجروح المتقيحة المؤلمة.
يستعمل مغلي أوراق السلق _ 25 - 50 غ / ليتر ماء _ كشراب لعلاج التهاب المجاري البولية والإمساك وللمصابين بالبواسير والأمراض الجلدية، كما أنه منشط للكبد وخاصة إذا حُلي بالعسل. كما يطبق هذا المغلي كمادات من الظاهر على البواسير والقروح والجروح والخراجات.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. عبد اللطيف عاشور: عن كتابه (التداوي بالأعشاب والنباتات) القاهرة: 1985.
3. دكتور صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء).
4. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
السمك والحيتان
قال تعالى: {و هوَ الذي سَخَّرَ البحرَ لتأكلوا منهُ لحماً طَرَّياً} [النحل: الآية 14].
و قال تعالى: {و ما يستوي البًحران هذا عَذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابه وهذا ملحٌ أجاج ومن كلٍّ تأكلون لحماً طرياً} [فاطر: الآية 12].
و قال تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامهُ متاعاً لكم وللسيارة} [المائدة: الآية 96].
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد _ وفي رواية السمك والجراد _ وأما الدمان فالكبد والطحال " [صحيح الجامع الصغير]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن البحر قال: " هو الطهور ماؤه الحِلُّ ميتته " [رواه الترمذي وقال حديث صحيح].
و في جواب النبي صلى الله عليه وسلم عن أسئلة لأحد أحبار اليهود فيما يرويه أنس رضي الله عنه وعن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " وأما أوّل طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت " أي القطعة الزائدة منه [رواه البخاري]. وفي رواية مسلم عن ثوبان أن اليهودي سأل النبي صلى الله عليه وسلم: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: " زيادة كبد النون " والنون الحوت.
و قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر، حينما أخبره جماعة من الصحابة عن أكلهم حوتاً قذفه البحر يدعى العنبر، أنه قال: " هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيئاً فتطعمونا؟ قال جابر: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه
فأكله " [رواه البخاري ومسلم].
قال ابن القيم: أصناف السمك كثيرة وأجوده ما لذّ طعمه وطاب ريحه وتوسط مقداره وكان رقيق القشر، ولم يكن صلب اللحم ولا يابسه وكان في ماء عذب ويغتذي بالنبات لا بالأقذار. وأصلح أماكنه ما كان في نهر جيد الماء. والسمك البحري فاضل محمود لطيف وهو يخصب البدن ويزيد في المني ويصلح الأمزجة الحارة.
و أما داود الأنطاكي فيقول: وأجود السمك الأبيض المنقط بالصفار وفوق ظهره بقع خضر وألطف أنواعه الشبوط المعروف بالبوري ثم البني ثم الأليرك _ القشر _ ثم القشوة _ القرموط _ ثم الأنكليس. وينفع السمك من الاستسقاء والسل والقرحة وضعف الكلى وأوجاع الظهر والمفاصل وكله يهيج الباه وأولى ما أكل من السمك مشوياً بالخل والثوم والخردل.
و يعتبر السمك واحداً من الأغذية التي تشكل الطعام الرئيسي للملايين من البشر كاليابانيين وسكان أندونيسيا والأسكيمو، وحيث تقدم لهم مورداً بروتينياً ممتازاً يفوق اللحم بمقاديره. وبروتين السمك ذو قيمة غذائية عالية، سهل الهضم ولا يخلف بعد امتصاصه إلا القليل من الفضلات والأبيض منه أسهل هضماً من اللحم ولذا فهو يعتبر غذاءً مفيداً للمرضى المصابين باضطرابات في جهازهم الهضمي، كما يحتوي على جميع البروتيدات الكبريتية الرئيسية.
و يتميز الدهن الموجود في السمك بغناه بالحمض الدسمة غير المشبعة، وهي حموض مفيدة وغير ضارة وتتصف بقدرتها على خفض مستوى الدهون في الدم مما يجعلها مفيدة في الوقاية من تصلب الشرايين وخاصة من أمراض الشرايين الإكليلية القلبية. ودهن السمك أسهل هضماً من دهن اللحم. وإن نسبة اليود الموجودة فيه تسهل على العصارة المعثكلة مهمة امتصاصه.
و تحتوي الأسماك على كمية من الدهن تختلف حسب نوعها وحسب الفصول. فالسمك الأبيض كسمك القدّ والكولي يحتوي فقط على 1 % من وزنه دهناً. أما الأسماك الدهنية كالسلمون والمرقط Trout والسردين والطون فإنها تحتوي على 5 - 25 % من وزنها دهناً. ويعتبر الجنكليس أو الجري من الأسماك كثيرة الدهن المتوفرة في أسواقنا. أما المعلبات فيعتبر السردين والطون من الأسماك الدهنية الجيدة والمغذية جداً. وهي أفضل بكثير من اللحوم المعلبة. وليعلم أنه كلما ارتفعت نسبة الدهون في السمك كلما كانت أكثر فائدة للجسم.
و لحم السمك الدهني غني بالفيتامينات الذوابة في الدسم وخاصة " أ " و" د ". أما الأسماك البيضاء فإن هذه الفيتامينات موجودة في زيت كبدها وليس في لحمها. وإن غنى السمك بهذه الفيتامينات تجعل منه علاجاً ناجعاً للخرع عند الأطفال _ أو يعطوا زيت السمك _. إلا أن السمك فقير عموماً بالفيتامينات " ب " كما أنه لا يحتوي مطلقاً على الفيتامين " ج = C ". وبيوض السمك Caviar ذات قيمة غذائية عالية لكنها باهظة الثمن.
و تعتبر الأسماك مصدراً جيداً للأملاح المعدنية وخاصة اليود والصوديوم والبوتاسيوم والكالسيوم والفوسفور والكلور والكبريت، لكنها فقيرة بالحديد. أما الكلس فمعظمه موجود في العظام. وتؤمن عظام الأسماك المطهية في المعلبات مصدراً جيداً للكلس.
و هناك أهمية كبرى لغنى السمك باليود الذي يفيد في عمل الغدة الدرقية إذ يدخل في تركيب هرمونها (التيروكسين). وإن المناطق النائية عن البحار والتي يفتقر سكانها إلى اليود في غذائهم يصابون بضخامة في الغدة الدرقية واليود يعالج هذه الحالة تماماً.
و نظراً لما يحتويه لحم السمك من الفوسفور والحموض الدهنية الأساسية فإن تناوله ضرورة بالغة لنمو وتغذية الدماغ كما أنه يفيد المصابين باضطراب الذاكرة.
و إن تناول السمك للنباتات المغمورة في أعماق الماء والحاوية على البلادونا يؤدي إلى اختزانها في لحمه وهذا السبب بشعور الإنسان بجفاف في اللسان والحلق بعد تناول وجبة سمك دسمة. وهذه المادة مع البروتين الممتاز الذي يحتويه السمك تنفع في آفات الجهاز الهضمي، فهو يضاد المغص المعدي ويهدئ ثوران المعدة وحموضتها ويقلل من القلق مما يجعله نافعاً للمصابين بالقرحة الهضمية.
أما زيت السمك فهو الزيت الناجم عن عصر كبد الحوت في محتواه من الزيت وهو أغنى بالفيتامينات " أ " و" د " من زيت السمك لكنه أقل منه وفرة بالأحماض الدهنية الأساسية. ويطلق اسم زيت السمك الصافي على الزيت الذي لم يتعرض لعمليات كيميائية وفيزيائية وهذا ما يميزه عن زيت السمك المصنع، وحتى اليوم فلا ينصح إلا باستعمال زيت السمك أو زيت كبد الحوت والذي يحتوي على عوامل علاجية تفقد بالتصنيع.
السمك كعلاج:
قام الدكتور سينور وزميله [Saynor R , Ryan F: " The Eskimo Diet " London , 1990] بدراسة على 153 مريضاً مصابين بارتفاع دهون الدم مع اختلاطات قلبية عند البعض. وبعد المعالجة بزيت السمك لمدة شهرين انخفضت الغليسيريدات الثلاثية إلى مستواها السوي، وتبقى منخفضة طالما استمر المريض على تناوله. وتشير الدراسات الحديثة أيضاً إلى أن تناول زيت السمك _ أو وجبات من السمك الدهني _ يؤدي إلى الإقلال من تشكل الخثرات _ الجلطات _ في شرايين الجسم لأن ذلك يؤدي إلى إطالة زمن النزف ز نقص لزوجة الدم.
و قد أثبت هيراري ندرة حدوث أمراض شرايين القلب والدماغ عند سكان قرية يابانية [Kromhont: " Neo - Eng. j. Med " 1985 , 312] يعتمد سكانها على السمك كغذاء رئيسي. وقد أظهرت دراسة كرومهوت 1985 أن معدل الوفيات بأمراض شرايين القلب كانت منخفضة جداً عند الذين يعتادون أكل السمك بالمقارنة مع أولئك الذين لا يتناولوه. وتبين لهم أن تناول وجبة أو وجبتين من السمك أسبوعياً تلعب دوراً هاماً في الوقاية من احتشاء العضلة القلبية. كما أن تناول السمك من قبل المصابين بالاحتشاء أدى إلى انخفاض نسبة الوفيات عندهم في السنين التي تلت الإصابة.
و تبين الدراسات قلة إصابة سكان الإسكيمو بتصلب الشرايين، علماً بأنهم يتناولون السمك أضعاف ما يتناوله غيرهم، كما أن نسبة حدوث احتشاء العضلة القلبية عندهم وعند اليابانيين أقل بكثير من المجتمعات الغربية. وقد ثبت أن تناول 30 غ من السمك في الأسبوع يؤدي إلى الوقاية من مرض شرايين القلب إلا أنه يجب تجنب السمك المقلي أو المملح [Leaf , Weber: N. Eng. j. Med. 1988 , 318].
و يقارن ليف وديبر بين الأسبرين وزيت السمك فيبين أن للأسبرين تأثيراً واحداً في الوقاية من احتشاء القلب وهو تأثيره على الصفيحات الدموية... أما زيت السمك فيمارس دوره في الوقاية من الجلطة على عدة مستويات وبآليات مختلفة مما يظهر أن له منافع تفوق الأسبرين [Lancet: May 1988. London]. كما أكد كريمر فائدة زيت السمك في تخفيف الآلام المفصلية وعدد المفاصل المؤلمة وتيبس المفاصل عند المصابين بالتهاب المفاصل الرثواني، وذلك بسبب تأثيره على البروستاغلاندينات المسؤولة عن الألم والالتهاب، كما يفيد في زيادة نشاط المريض وقدرته على الحركة [Kremer: Luacer j. 19885 , I.].
و تبين للباحثين تحسن أعراض داء الصدف عند العديد من المرضى خلال شهرين من تناول 10 كبسولات من زيت السمك يومياً أو ما يعادل تناول وجبة من السمك الدهني [Brit j. of dermatology: 1982.] وباحثون من النرويج أكدوا فائدة زيت السمك في معالجة التهاب الجلد التأتبي Atopic dermatitics حيث ظهر تحسن واضح في الأعراض بعد تناوله لمدة شهرين - 3 شهور [Brit j. of dermatology: 1982 , 117.].
و أظهرت دراسة أمريكية جديدة فائدة زيت السمك للمرضى المصابين بدار رينو حيث ظهر تحسن واضح في تحمل هؤلاء المرضى للبرد وخفت شدة الأعراض عندهم وذلك بسبب تأثيره الموسع للشرايين. كما تبين أنه علاج فعال للمصابين بالشقيقة ويكفي لذلك 2 - 4 كبسولة يومياً ولمدة 6 أسابيع [Pediatric. j. 1986 , 77].
و في عدد تشرين الأول من مجلة Chest الأمريكية نشرت توصيات مؤتمر علمي لباحثين في أمراض القلب والأوعية كان منها:
1. أوصى الباحثون بتناول 30 - 40 غ من السمك يومياً، أو تناول وجبتين من السمك أسبوعياً على الأقل، للوقاية من احتشاء القلب.
2. يخفض زيت السمك مستوى الغليسيريدات الثلاثية في الدم.
3. الجرعات العالية أو المتوسطة من زيت السمك تؤدي إلى نقص ضغط الدم عند المصابين بارتفاع الضغط الشرياني. أما آلية ذلك فما تزال مجهولة.
و يؤكد الدكتور Goodright [Chest. j. 1992 , 4] أن تناول كميات متوسطة من السمك الدهني _ وجبتان في الأسبوع _ يؤدي إلى انخفاض نسبة الوفيات عند المصابين باحتشاء العضلة القلبية. وأخيراً تدل أبحاث حديثة على أن زيت السمك قد يخفف من حدوث الانسمام الحملي [B. T. Obst. qynecol , 1990 , 97].
مراجع البحث
1. حسان شمسي باشا: عن كتابه (الأسرار الطبية الحديثة في السمك والحوت) جدة: 1993.
2. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.
3. دكتور السيد العجيلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) دمشق: 1989.
4. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
5. دكتور تول أ (Tull A): عن كتابه (Food and Nutration) أكسفورد: 1989.
6. دكتور محمد شفيق البابا: عن كتابه (التغذية الصحيحة) دمشق: 1958.
7. ابن الأثير الجزري: (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
عليكم بالسّنا والسّنوت
عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: بِمَ تستمشين؟ فقالت: بالشُبرم. فقال: حارٌّ جارٌّ. فقالت: ثم استمشيت بالسَّنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أن شيئاً كان فيه شفاء من الموت لكان السَّنا " [أخرجه الترمذي وابن ماجة والإمام أحمد والحاكم وقال حديث صحيح الإسناد].
و له شاهدٌ قوي من حديث البصريين ووافقه الذهبي فقال: عن أسماء بنت عميس أن رسول الله دخل عليها ذات يوم وعندها شبرم تدقه فقال: ما تصنعين بهذا؟ فقال: يشربه فلان. فقال: " لو أن شيئاً يدفع الموت أو ينفع من الموت شيئاً نفع السَّنا " [حديث صحيح ".
و في رواية لرزين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عليكم بالسَّنا والسَّوت فإنه لو كان شيء ينفع من الموت كان السَّنا.
و عن عبد الله بن حِرام قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " عليكم بالسّنا والسّنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السّام. قيل يا رسول الله وما السّام؟ قال: الموت. [الحديث رمز السيوطي لحسنه وأخرجه ابن ماجة والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي بأن عمر بن بكر اتهمه ابن حبان وقال ابن عدي له مناكير.]
و قد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاث فيهن شفاء من كلّ داء إلا السّام: السّنا والسّنوت " قالوا: هذا السّنا عرفناه فما السّنوت؟ قال: لو شاء الله لعرفكموه، قال محمد ونسيت الثالثة [أخرجه النّسائي وذكره السيوطي في الجامع الصغير وأشار إليه بالصحة إليه بالصحة (فيض القدير)].
قوله: بم تستمشين: أي بم تستطلقين؟ وبأي دواء تسهلين بطنك، فكّنى عن ذلك بالمشي لأن الإنسان يحتاج إلى المشي إلى أن يتردد إلى الخلاء مع شرب الدواء. والشّبرم حب صغير شبيه بالحمص يُتخذ في الأدوية.
أما النسيمي فيعرفه بأنه قشور جذور شجيرة مسهلة. وقوله حارٌّ جارٌّ، اتباع له كقوله حار يار وحران يّران، وهو الشديد الإسهال.
و السَّنا Cassia - Senna شجيرة من الفصيلة البقلية يصل طولها من 2 - 3 متر. أوراقها خماسية أو سباعية الأزواج. لها أنواع عديدة منها السنامكي والسنا الإسكندري _ المصرية _ وفي الهند الكاسيا أكوتيفوليا والكاسيا أنجستوفوليا، وتستعمل وريقاتها ملّينة ومسهلة.
و قد ذكر الدكتور زيتوني أنَّ المادة المؤثرة هي حمض الكريزفاني وبعض أشباه السكريات الحاوية على أنتراكينون وأمودين. أما H. Carni [H. Carni: Sch. Rundschau (Praxis) 7Y. (6) , 1985.] وأحمد محمد عوض [مقالته عن العطارات الملينة (المجلة العربية) حزيران: 1982] فيذكران أن الجوهر المؤثر كمسهل أو ملين هو السنوسايد Sinnoside الذي ينشط غدد الأنبوب الهضمي ويحرض عضلاته الملس. وأكثر تأثيره يقع على حركات القولون بمقاديره القليلة. أما مقاديره الكبيرة فتحدث مغصاً في عضلات الحوض لذا لا يجوز إعطاؤه للحوامل مطلقاً. ويمزج عادة مع اللفاح أو البلادونا لمنع المغص. أو إلى غسل الوريقات بالغول. كما أن الغلي الطويل ينقص تأثير الأوراق المسهل. كما أن مزجها بالشمرة أو الأينسون يخفف المغص الذي يمكن أن تحدثه.
يقول الطبيب موفق الدين البغدادي: السنا مأمون الغائلة يقوي القلب ويسهل بلا عنف لذا أدخله الأطباء في أجل الأدوية لشرفه عندهم وكثرة منافعه، فيدخل في النقوعات المسهلة والحقن والسفوفات وما ذاك إلا لحسن إسهاله... وفي قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أسماء: بم تستمشين....، سِرٌ لطيف ومعنى جليل وبرهان على أنه صلى الله عليه وسلم مطلع على كثير من المعلومات فإن الشبرم دواء منكر قوي الإسهال، ترك الأطباء استعماله لخطره وشدة إسهاله.
و يلخص النسيمي موانع استعمال السّنا بحالات التهاب المعدة والأمعاء والتهاب الزائدة والتهاب الكولون التشنجي والتهابات المثانة والرحم، وفي حالة الحمل والإرضاع وذلك لأن عناصرها الفعالة يمكن أن تفرز في الحليب.
و حديثاً فإن العديد من معامل الأدوية الشهيرة في العالم تصنع من السَّنا أفضل أنواع العقاقير مثل Pursennid وهي حبوب وشراب تعالج الإمساك. أو تدخلها في تركيب تلك العقاقير مثل Eucarbon وAgiolax وCarbon 80.
و في دراسة عشوائية قام بها كارني قارن فيها النتائج العلاجية للأجيولاكس الحاوي على السّنا مع ثلاثة مستحضرات أخرى لا تحوي عليه فأكد التفوق النوعي للأجيولاكس وأن هذه النتائج يمكن أن تعزى للتركيبة المتوازنة لهذا العقار. وأن ألياف السّنا الداخلة في تركيبه تؤدي بانتباجها إلى زيادة حجم الماء واحتباسه ضمن الكتلة البرازية، كما أنها لا تؤدي إلى أي تخريش في المعدة أو المعي مما يمكن من استعماله الطويل.
و في دراسة قام بها باس O. Bass: " Coparative Laxation of Psylium with and without Senna " The American j. of Gastroenterolgy , 82 , 1987] أكد التفوق النوعي للأجيولاكس كعقار ملين مضاد للإمساك المزمن باحتوائه على السَّنا كمادة متميزة.
أما المقدار المسّهل فهو 10 - 15 وريقة تسحق وترفع أعوادها وتمزج مع 2 غ من الشمرة بعد سحقها أو الأنيسون، تسف ويشرب فوقها ماء، أو تعجن مع 100 غ من العسل و100 غ من الماء وتؤخذ على الريق. أو تنقع في 200 - 300 من الماء المغلي وتشرب بعد ذلك على الريق. أما المقدار الملين فهو 3 / 1 - 2 / 1 المقدار المسهل كما أن المنقوع نفسه يمكن أن يستعمل رحضة _ حقنة شرجية _ لوحده أو بعد مزجه مع مغلي الخطمي _ الختمية _.
و في الهند دراسات واسعة يقوم بها الباحثان أرون ميصرا وراكليومارسينها حول التأثير الدوائي لفصائل مختلفة من السَّنا أو الكاسيا Cassia تنبت في الهند. فقد استعملت الأزهار واللب لفصيلة Cassia fistola كمسهل،، واستعمل اللب مضاداً للديدان، وفي التهاب الحلق تستعمل البذور واللب على شكل غرغرة واستعملوا Cassia Sufora لعلاج لدغة الثعبان واستعملوا أوراق Cassia Tura لتنقية الدم واستعملت بذةورها لمعالجة الربو.
كما قام الباحثان المذكوران بدراسة مخبرية حول تأثير خلاصات السّنا على معلق يحوي على الفيروس الذي يصيب أوراق التبغ ويدهن بالمزيج أوراق التبغ. وأكدت النتائج أن فصيلة Cassia Siam أوقفت تماماً نمو الفيروس، أما فصائل Cassia Fistola وCassia Oxyde Yant وCassia Eltora فكانت نتائجها المضادة للفيروس أضعف. كما تبين لهما أن خلاصة الأوراق في البنزول والخلاصة المائية لهما نفس النتائج. أما الراسب البروتيني والبروتين الذي استخلص من Cassia Siam واستعمل في اختبار حيوي لوقف نمو الفيروس فقد أعطى نتائج عالية وصلت إلى 100 % في بعض الأحيان.
كما أورد الباحثان عدداً من التقارير عن فاعلية بعض المواد الكيماوية ضد الجراثيم تم استخلاصها من نبتة السَّنا، ومنها مواد تستعمل ضد الفطريات استخلصت من Cassia Fistola Dekora تبين أنها غليكوسية - فلافونية وحامض كريزوفونيك - 9 أنتراسين ,
و صفوة القول في الوقت الحاضر أن نبتة السّنا وخاصة من فصيلة Cassia Siam تحتوي على مادة قاتلة للفيروسات لها صفات بروتينية. ولا بد من متابعة الأبحاث لمعرفة تأثيرها على الأمراض الفيروسية المختلفة سريراً على البشر وحتى تصدق نبوءة النبي العظيم حين قال: " لو أن شيئاً كان فيه شفاء من الموت لكان السَّنا ".
و من المعروف أن غياب دواء قاتل للفيروسات يفتح باب الأمل في معالجة الأمراض الفيروسية.
و اختلف في تعريف السنّوت على ثمانية أقوال ذكرها الكحال علي بن طرخان [عن كتابه الأحكام النبوية في الصناعة الطبية] أحده أنه العسل، والثاني أنه ربّ عكة السمن، والثالث حب يشبه الكمون، الرابع أنه الكمون الكرماني، الخامس أنه الرازيانج، السادس الشِّبت، والسابع التمر والثامن: أنه العسل الذي في زقاق السمن. حكاه البغدادي وقال: بأنه الأجدر بالمعنى وأقرب للصواب أي يخلط السّنا مدقوقاً مع العسل المخالط للسمن ويلعق فيكون أصلح من استعماله مفرداً لما فيهما من إصلاحه وإعانته على الإسهال.
و يؤيد الدكتور النسيمي تفسير السنّوت بالعسل أو بالعسل الذي يكون في زقاق السمن أي الذي يخالطه شيء زهيد من السمن، خاصة إذا أردنا زيادة التأثير المسهل أو تحسين طعم الدواء وذلك بأن يحل العسل مكان جزء من الدواء _ السَّنا _ الذي يوصف عادة.
أما داود الأنطاكي فيرى أن السنّوت هو الكمون وهو أسود وأصفر وأبيض. أما الرازيانج فهو الأنيسون ويسمى بالشمار أو الشمرة والشبت نبت كالرازيانج إلا أن بزره أدق وأشدّ حدة.
و يرى الدكتور أمين رويحة [عن كتابه (التداوي بالأعشاب) 1973] أن السنّوت Anethum Graveoleons بقلة سنوية من التوابل قريبة من الشمار الحلو، تسمى في الشام بالشِّبت، تؤكل أوراقها الغضة مع السَّلطات. ثمارها بعد النضج حبوب كالعدس المجنح تمتد عليها خطوط سمراء، هذه الحبوب هي الجزء الطبي المستعمل منها، فيها زيت طيار يحوي مواد فعالة مثل Limonin Carvon.
يستعمل مغليها لغسل العيون المتقيحة من الرمد. ويشرب لتسكين مغص المعدة وطرد الغازات منها ولتسكين آلام العادة الشهرية عند النساء وإدرار الحليب عند المرضع _ 1 - 2 فنجان من المغلي في اليوم _ كما يفيد شربه مساءً لمعالجة الأرق، ويحقن في الشرج لمعالجة البواسير. ولا يعطى السنّوت للمصابين بأمراض الكلى.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. أرون ميصرا وراكليومار سينها: عن كتابه (الكاشيا في الطب الإسلامي واستعمالاتها الحديثة) عن أبحاث المؤتمر العالمي الأول عن الطب الإسلامي , الكويت: 1981.
3. أمين رويحة: عن كتابه (التداوي بالأعشاب) 1973.
4. دكتور محمود ناظم النسيمي: عن كتابه (الطب النبوي والعلم الحدث).
5. محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1986.
6. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة) تحقيق دكتور عبد المعطي أمين القلعجي بيروت: 1988.
ضَمِّدها بالصَّبِر
عن نُبيه بن وهب أن عمر بن عبد الله بن معمر اشتكى عينيه وهو محرم فأراد أن يكحلها فنهاه أبان بن عثمان وأمره أن يضمدها بالصبر وحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله. [رواه مسلم].
و في رواية عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل يشتكي عينيه وهو محرم قال: ضمدها بالصبر. [رواه مسلم].
عن قيس بن رافع بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ماذا في الأمرين من الشفاء: الثفاء والصبر " [أخرجه رزين , كذا في جامع الأصول , وأثبته الحافظ الذهبي من إخراج الترمذي عن عبد الله بن عباس أيضاً]. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت عليَّ صَبِراً. فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقالت: إنما هو صَبر يا رسول الله ليس فيه طيب. فقال: " إنه يشُّب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار " [رواه النسائي وأبو داود , قال الأرناؤوط: في سنده المغيرة بن الضحاك لم يوثقه غير ابن حبان وفيه أيضاً مجهولتان].
قال البغدادي: الصبر نبت يحصد ويعصر ويترك حتى يجف وأجوده ما يجلب من سقطرى _ من اليمن _ يدفع ضرر الأدوية إذا خلط معها وينفع من ورم الجفن ويفتح سدد الكبد ويذهب اليرقان، وينفع قروح المعدة كثيراً.
أما الكحال بن طرخان فيقول: أخبرني رجل من أهل عُمان عن معاصر الصبر عندهم ونبات الصبر كنبات السوسن الأخضر غير أن ورقه أطول وأعرض وأثخن كثيراً. وهو كثير الماء جداً. فيحصد ويلقى في المعاصر ثم يدق بالخشب حتى يسيل عصيره فيترك حتى يثخن ويشمس حتى يجف. والصبر مسهَّل، مُنَقٍ للمعدة، يجفف القروح ويسرع لحامها وينفع القروح التي تحدث في المذاكير والفرج والمقعدة نفعاً بيناً إذا ذُرّ عليها.
و يقول الحافظ الذهبي عن الصبر: أنه ينفع من ورم العين ويفتح سدد الكبد ويذهب باليرقان وينفع قروح المعدة ذروراً.
قال ابن القيم: الصبر كثير المنافع لا سيما الهندي منه: ينقي الفضول الصفراوية التي في الدماغ وأعصاب البصر. وإذا طلي على الجبهة بدهن الورد ينفع من الصداع، وينفع من قروح الأنف والفم. والفارسي منه يذكي العقل ويشد الفؤاد وينقي الفضول الصفراوية والبلغمية من المعدة إذا شرب منه ملعقتان بماء....
و الصبر Aloe Vera [بكسر الباء ويصح تسكينها] نبات معمر من الفصيلة الزنبقية Liliaceae من النباتات الصحراوية دائمة الخضرة، تنتشر زراعته في الحجاز وأبها واليمن _ سقطرى وحضر موت _ وفي عُمان ومصر والمناطق الاستوائية وشبه الاستوائية في إفريقيا والبيرو وسومطرة وغيرها. ويطلق عليه بعض المؤلفين خطأ اسم الصبار. يزرع في أي من شهور السنة عدا كانون الثاني _ يناير _ وتفضل زراعته في أوائل الربيع والصيف. والنبتة يصل طولها إلى 40 - 50 سم، أوراقه غليظة لحمية هلامية متراصة ذات حواف مسننة وتحيط قاعدتها بالساق أزهاره صفراء متداخلة الحواشي.
و الصبر من أقدم النباتات التي استعملت في المعالجة، فقد استخدمه اليونان منذ القرن الرابع قبل الميلاد. كما عرفه اليمنيون القدامى والفراعنة وجاء ذكره في وصفاتهم الطبية وقد نقله العرب إلى أوربا في القرون الوسطى.
و يطلق الصبر أيضاً على المادة الناتجة عن تجفيف عصارة أوراقه والتي تكون على شكل كتل أو مسحوق، بلون رمادي - أسود أو أخضر ورائحته غير مستساغة وطعم شديد المرارة حيث يضرب به المثل _ مرّ مثل الصبر _. وهي مادة تنحل بسهولة في الغول 60 % وفي الماء الحار وهي قليلة الانحلال في الإيتر.
و لتحضير هذه العصارة عدة طرق أبسطها أن تقطع الأوراق قطعاً صغيرة وتوضع في وعاء من القصدير ذو ثقوب في قاعدته، ويترك ليسيل العصير من خلالها. والطريقة الحديثة تتم بعصر الأوراق آلياً بعد تقطيعها إلى أجزاء صغيرة ثم ينقى العصير ويوضع في محم بدرجة 50 - 60 مئوية لعدة ساعات ويركز بإمرار تيار هوائي ساخن حتى يجف تماماً.
يحتوي الصبر على مواد فعالة من زمر غليكوسيدية انتراكينونية Anthraquinoglycsides يدعى مزيجها بالألوين _ الصبرين _: Barb-Aloin مثل Aloin والألودين، والتي تتفكك في وسط الأمعاء القلوي لتعطي سكر الأرابينوز والألوءامودين Aloe-emodin لذا لا يعطى هذا العقار للمصابين بآفة كبدية أو صفراوية.
المقادير القليلة من الصبر (20 - 100 ملغ) تعتبر مشهية وهاضمة. أما المقادير المتوسطة فهي ملينة ومفرغة للصفراء. أما المقادير الكبيرة (أكثر من 300 ملغ) فهي مسهلة شديدة مطمثة وطارحة للماء وتأثيرها المسهل مرتبط بتأثيرها على المعي الغليظ ويظهر بعد 8 - 10 ساعات من تناوله. وهي تسبب احتقاناً في الأوعية الحوضية لذا لا يجوز إعطاؤها للحوامل وفي حالة الطمث والنزف الطمثي أو الإصابة بالبيلة الدموية أو البواسير أو ضخامة الموثة.
و قد ذكر ألن ناتو [Allen Natow " Aloe Vera , Fiction or fact , Cutis , 1986 , 37 , U. S. A.] أن للصبر أكثر من 300 نوع وذكر استخدامه لمعالجة الحروق ولدغ الحشرات وحروق الأشعة والتهاب المفاصل والإمساك.
و ذكر فائدته في السحجات والجروح الجلدية، كما أكد أنه مفيد جداً في تقرحات القرنية. وقد عدد ناتو المواد الفعالة في الصبر فذكر منها:
1. مادة براديكينار Brandykinase والتي تعطي البروتاز Protease المفكك لمادة البراديكنين المسببة للألم في مواضع الالتهاب الجلدية، كما أنها تقبض الأوعية الدموية الجلدية لذا تم إدخال الصبر في مراهم حروق الشمس.
2. لاكتات المغنزيوم: وهي تمنع تشكل الهستامين والذي يعتبر السبب الأول للحكة وظواهر الحساسية الجلدية وهذا يفسر فعاليته لمعالجة لدغ الحشرات.
3. المادة المضادة للبروستاغلاندين: والبروستاغلاندين هي من المواد الهامة المحدثة للالتهاب والألم.
4. الأنتراكينولون: وهي المسببة للإسهال، كما يستخرج منها مادة الأنترالين المستخدمة في علاج الصدفية.
و ذكر الدكتور شحات نصر لأبو زيد أن عصير الصبر الطازج تطلى به البشرة المصابة بحروق الشمس يخفف من آلامها ويسرع في شفائها. وفي مجال التزويق يرطب البشرة وينعمها، لذا فإن مركبات الصبر الغليكوسيدية تدخل في تركيب مستحضرات التجميل المرطبة للبشرة وخاصة الرهيمات والصوابين والشامبو. ومن هنا نفهم المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حين وضعت الصبر على وجهها " أنه يُشب الوجه " فيجعله شاباً نضراً. كمنا ذكر أبو زيد ما ثبت من أن للأمودين فعلاً مثبطاً لبعض الأورام الجلدية!
و قد ذكرت كتب الطب الشعبي أن الصبر مقوٍ للباه وأنه يقي من السموم وطارد للديدان، يفيد في أمراض العين والنزلات الشعبية وانحباس البول ويطبق عصيره على الفروة لإطالة الشعر ومنع تساقطه. وفي معالجة الحزاز والثعلبة. والأطباء الروس يستعملون الصبر منذ عدة عقود. وقد كتب ماشوفسكي عن عدد من الأدوية المستخلصة من الصبر منها:
1. خلاصة الصبر المهيأة للحقن Aloe exract:
و هي خلاصة مائية من أوراق الصبر الصغيرة، وهي سائل رائق بلون أصفر فاتح وحتى المحمر، مرة الطعم تنتج في أمبولات بسعة 1 مل تحقن تحت الجلد يومياً (من 1 - 4 مل) وللأطفال ما دون الخامسة (0.2 - 0.3 مل) وما فوق الخامسة (0.5 مل) تعاد السلسلة العلاجية بعد 3 شهور عند الحاجة. وتعطي نتائج جيدة لمعالجة العديد من أمراض العين (الحسر، الترقي، التهاب الشبكية، التهابات الأجفان والملتحمة والقرنية والقزحية وفي عتامة الجسم الزجاجي) كما تفيد في معالجة الداء القرحي والعفجي والربو القصبي. وهنا تتجلى المعجزة النبوية في قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي يشتكي عينيه " ضمدها بالصبر ". ولا تعطى هذه الحقن للمصابين بآفات قلبية وعائية وبفرط التوتر الشرياني وللحوامل بعد الشهر السابع وللمصابين بالتهاب الكلى النفروزي.
2. مروخ الصبر Aloe Liniment:
و يتكون من عصير أوراق الصبر 78 غ، زيت الخروع 11 غ، وزيت الأوكاليبتوس 0.1 غ وEmulgator 11 غ. والمروخ بلون الكريما وقوام القشدة. يوصف دهوناً في الحروق وفي الوقاية لآفات الجلد الشعاعية ومعالجتها.
3. عصير الصبر:
و يتركب من عصير الأوراق 80 مل، وغول إيتلي 95 % - 20 مل وهدرات كلور بوتانول 0.5 مل. وهو سائل عكر بلون برتقالي فاتح وطعم مر، يغمق بتأثير الضوء والهواء. يطبق غسولاً أو إرذاذاً لمعالجة الجروح المتقيحة والحروق وآفات الجلد الالتهابية. وهناك دراسات حديثة أشار إليها الدكتور محمد الظواهري [في محاضرة له بعنوان (الصبر وقيمته العلاجية) ألقاها في مؤتمر أطباء الجلد العرب المنعقد في دمشق 1992 وقد نشرتها مجلة الجلد التي تصدرها الجمعية السورية لأطباء الجلد في العدد 9 لعام 1993] منها دراسة Flag 1959 عن فائدة الصبر لمعالجة القرحات الشعاعية ودراسة Blits وزملاؤه 1963 عن معالجة القرحة الهضمية بالصبر ودراسة Riner وGjestad 1968 عن فوائده في العلاج التجميلي.
و قد تحدث الظواهري عن دراسته الميدانية التي جرب فيها هلام الصبر Aloe vera gel لمعالجة العديد من الحلات الجلدية المعندة نوجزها بما يلي: والهلام يشكل لب أوراق نبتة الصبر ويستخلص بتقطيع الأوراق اللحمية الغضة من قاعدتها وتترك يومين لتسيل منها العصارة المرة ثم تفتح الأوراق ويستخرج من لبها الهلام الموجود فيه، ثم يدعك ليصبح متجانساً ويصفى ويضاف له مادة حافظة ويترك في الثلاجة حيث يمكن استعماله خلال شهر كامل. ويطبق هكذا كدهون بلا تمديد. ويحتوي الهلام على الكاربوهدرات والعفص وشحوم وو سيترئيدات Steroides ومركبات غير مشبعة وحموض عضوية وأملاح معدنية كالكلورايد والكبريتات والحديد والنحاس والصود والبوتاس , وهو براق لزج عديم اللون ذو رائحة مميزة وطبيعة حامضية ويتلون بالقرمزي إذا تعرض للهواء. تمت معالجة 3 مرضى مصابين بقرحات ساق مزمنة مختلطة عند بعضهم بأكزيمة دوالية وتصبغات حول الآفة أو بداء فيل كاذب حيث طبق هلام الصبر مباشرة على التقرح 2 - 3 مرات في اليوم بعد تنظيفها بمحلول مطهر. وقد كانت القرحات مديدة السير استمرت لسنوات (5 - 15) سنة متسخة عميقة لم تعن لأي من العلاجات المعروفة. لاحظ المؤلف تحسن الأوعية الدموية في المنطقة منذ الأسابيع الأولى لتطبيق العلاج والتي عرفت من منظر النسيج الحبيبي المتورد. كما لوحظ أن الهلام يسمح بتحلل النسيج التنخري وسقوطه مما يؤدي إلى زوال الرائحة الكريهة وإلى نمو النسيج الحبيبي في قاع التقرح. يشاهد بعد ذلك تنمي النسيج الظهاري Epithelization من الجوانب وزحفه ببطء نحو التقرحات. مما يدل على فعالية العقار والتي أدت خلال أسابيع إلى تناقص سطح التقرحات التدريجي وحتى الشفاء. ويعزى سر تأثير هلام الصبر في التئام القرحات إلى واحد من عديدات السكاكر المخاطية والتي توجد بتركيز عال فيه.
كما طبق العلاج بنجاح عند 3 مرضى مصابين مصابين بنوع من الحاصات المثية Seborrheic alopecias والتي تترافق بسقوط أشعار واسع مع فرط الزهم في الفروة. وقد تبين أن للهلام فعلاً مجففاً للزهم المفرط عندهم يتبعه فعل منشط لنمو الأشعار. ويحتمل أن له فعلاً قابضاً على الغدد الزهمية منقصاً بذلك جريان الزهم عبر الأجربة الشعرية - الدهنية.
و عند المصابات بالعد الشائع أدى هلام الصبر إلى تجفيف البشرة من زهمها المفرط وإلى تراجع الآفات العدية خلال شهر من المعالجة. كما أدى تطبيقه عند المصابين بالثعلبة أو الحاصة البقعية Alopecia areata إلى عودة نمو الأشعار وإلى شفائها الكامل خلال أسابيع عدة، كما أن تجربته عند 10 مرضى مصابين بسقوط أشعار بآليات إمراضية مختلفة أدى إلى نتائج أولية مشجعة.
و على هذا فإن الدكتور الظواهري يرى أن هلام الصبر عقار مأمون ليس له أي تأثيرات جانبية، يطبق كدهون Lotion، 2 - 3 مرات يومياً كعامل مرهم هام لمعالجة التقرحات الجلدية وخاصة قرحات القرنية.
كما يطبق كمجفف للدهن في الحلات المثية Seborrhea والتهابات الجلد الزهمية والعد الشائع _ حب الشباب _.
كما أنه علاج فعال يحد من سقوط الأشعار ويعمل على عودة نموها.
مراجع البحث
1. الشحات نصر أبو زيد: عن كتابه (النباتات والأعشاب الطبية) بيروت: 1986.
2. دكتور محمد علي البار: في حاشيته على كتاب (الطب النبوي) لعبد الملك حبيب الأندلسي - دمشق: 1993.
3. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من القرآن والسنة). تحقيق القلعجي - بيروت: 1986.
4. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم). تحقيق عبد القادر الأرناؤوط.
5. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي) القاهرة: 1978.
6. الحافظ الذهبي: عن كتابه (الطب النبوي) القاهرة: 1961.
7. حسان شمسي باشا: عن كتابه (قبسات من الطب النبوي) جدة: 1990.
8. دكتور محمد الظواهري: عن مقالته (الصبر وقيمته العلاجية) بالإنكليزية مجلة الجلد _ العدد 9 دمشق: 1993.
9. الكحال بن طرخان: عن كتابه (الأحكام النبوية في الصناعة الطبية) القاهرة: 1955.
10. دكتور. ماشكو فسكي: عن كتابه (المواد الدوائية) بالروسية، موسكو: 1972.
11. ممجموعة من الأساتذة في جامعة الملك سعو دفي الرياض: عن كتابهم (النباتات السعودية المستعملة في الطب الشعبي) إصدار إدارة البحث العلمي.
وطلح منضود
الطلح من ثمار الجنة التي أعدها الله لعباده المؤمنين. قال تعالى: {و أصحاب اليمين ما أصحاب اليمين * في سدر مخضود * وطلحٍّ منضود * وظل ممدود} [سورة الواقعة: الآيات من 27 - 30].
قال الطبري: قوله {في سدر مخضود} يعني في ثمر سِدرٍ موقر حملاً قد ذهب شوكه. قال قتادة: وعن ابن عباس: خضده، أي وقره من الحمل، وعن عكرمة: لا شوك فيه. {و طلحٍ منضود} قال المعمر بن المثنى هو عند العرب شجر عظام كثير الشوك، وأما أهل التأويل من الصحابة والتابعين فيقولون أنه الموز. قال ابن عباس وعلي وروي عن مجاهد وعطاء وقسامة وقتادة. وعن ابن زيد قال: الله أعلم إلا أن أهل اليمن يسمون الموز الطلح. والمنضود هو الذي نضد بعضه على بعض وجمع بعضه إلى بعض.
و روى ابن كثير عن أبي سعيد الخدري في قوله {و طلح منضود} قال: الموز وأهل اليمن يسمون الموز الطلح. وروى ابن الجوزي في قوله {منضود} قال ابن قتيبة: هو الذي نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره فليس له ساقٌ بارزة. وعن مجاهد {منضود} أي متراكم الثمر ....
و لفظ الموز معرب عن الهندية _ موزا Musa Sapientum. وكان العرب يشبهون ثماره بالأصابع _ البنان _. فلما انتقلت زراعته إلى إسبانيا ومنها إلى أوربا أسموه Banana وهو شجرة عشبية طولها 3 - 6 أمتار من وحيدات الفلقة من الفصيلة الموزية Musace"es ولقد عرفه البشر منذ أكثر من ألفي عام ويعتقد أن موطنه شبه الجزيرة الهندية، وقيل الملايو، ومنها انتقل إلى بلاد فارس وإلى إفريقيا ومنها نقله البرتغاليون إلى كثير من أنحاء العالم.
و يعتقد أن الصينيين منذ القديم استعملوا خلاصة جذور شجر الموز دواءً لمعالجة الحصبة والصداع واليرقان. كما كان حكماء الهند يعتمدونه. وقد أشاد العالم النباتي بليني Pline _ 79 قبل الميلاد _ بمزايا الموز وكان يطلق عليه طعام الفلاسفة، كما يعتبر الفاكهة المفضلة عند الآشوريين.
و إذا كان الموز يتصدر معظم موائد العالم كفاكهة ممتازة فإنه يعتبر بالنسبة لبعض البلدان غذاء رئيسياً كما في جزر الأنتيل والفليبين وسواحل أمريكا الوسطى وأواسط إفريقيا فهو بالنسبة لهم كالقمح بالنسبة لنا. وإذا كان يؤكل نيئاً كفاكهة لكنه قد يطبخ ويصنع منه أنواع الجيلي. كما يصنع دقيق من شرائحه المجففة، ودقيقه من الناحية الكيماوية قريب من دقيق الأرز. ويصنع منه في فرنسا خبز يعجن مع السكر ويعطر بالطيب ويتزود منه الناس في أسفارهم.
و الموز غني بماءات الفحم التي تهب الجسم الطاقة والحرارة. وتتكون من النشاء الموجود في الموز الفج، لذا يكون هذا النوع عسر الهضم قليل الحلاوة. وكلما نضج الموز تحول قسم كبير من نشائه إلى سكر فيصبح سهل الهضم مستساغ الطعم. وإن نسبة السكاكر العالية لا توجد في أي من الفاكهة الأخرى، إذ تصل حتى 24 % من وزنه. أما باقي المواد التي تدخل في تركيبه فهي الماء _ 70 - 78 % _ بروتين _ 0.34 - 1.2 % _ دهون _ 0.4 - 0.9 % _ وألياف سللوزية _ 0.5 - 1 % _. كما يحتوي على أثر من النشاء والعفص. هذا وإن كل 100 غ من الموز تعطي من الحريرات ما يعطيه 100 غ لحم، يضاف إلى ذلك أثره في تمتين الأنسجة وتجديدها لما يحويه من فيتامينات وأملاح معدنية.
فالموز يحتوي على نسبة جيدة من الفيتامين " ث = C " لذا فهو مضاد لداء الحفر وواقٍ جيد من الكريب والنزلات الشعبية وعامل مقوٍ ومضاد للتعب والإنهاك. كما يحتوي على مجموعة الفيتامين " ب " وخاصة " ب 1 ب 2 ب 6 ب 12 " لذا فهو مفيد في التهاب الأعصاب وفي حالات فقر الدم والتشنج وللمصابين بالرثية وفيه نسبة عالية من الفيتامين " أ = A " (300 وحدة دولية / 100 غ) الذي يساعد على النمو ويقوي البصر.
أما الأملاح المعدنية فتوجد في الموز بكمية كافية تؤهله لتزويد الجسم بأكثر حاجاته من العناصر الحيوية. فهو غني بالبوتاسيوم _ 40 ملغ / 100 غ _ فقير بالصوديوم خالٍ من الكولسترول لذلك يستعان به على خفض الضغط الدموي المرتفع ة على تخفيف حمولة الكلى وللوقاية من تصلب الشرايين. ويحتوي على نسبة لا بأس بها من الكالسيوم والحديد والنحاس. وعلى نسبة جيدة من الفوسفور الذي يسمى بملح الذكاء والذي يساعد المشتغلين بالأعمال الذهنية والفكرية، والفلور الذي يحمي الأسنان من التسوس. وباحتوائه على مادة البكتين فهو يساعد على مكافحة الإسهالات.
يقول الدكتور لابيه رئيس مختبر الطب في باريس: إنَّ القيمة الغذائية للموز عالية، فالموز الطري يحتوي على نفس الفائدة لنفس الكمية من اللحم، أما الموز الناضج جداً فيحتوي على ضعف هذه النسبة، والموز وإن كان يعتبر من الأغذية الممتازة فمن الخطأ اعتباره غذاءً كاملاً فلا بد من إضافة أغذية أخرى إلى الموز تحتوي على الدهن كالحليب مثلاً والذي يعتبر مكملاً للموز...
هذا ويعتبر الموز غذاءً وعلاجاً للذين يشكون من الإرهاق والهزال وللمصابين بأمراض قلبية أو كلوية وكبدية، بل هو الغذاء المثالي لهم. أما المصابون بالداء السكري والبدينين فلا يلائمهم الموز لغناه بالمواد السكرية. كما أنه نظراً لقلة ما يحتويه من ألياف تجعلنا ننصح المصابين بالإمساك بعدم الإكثار منه.
إن هضم الموز وتمثله والاستفادة منه لا تتم إلا بشرطين وهما أن يكون تام النضج وأن يمضغ جيداً. وبهذا نتفادى محاذيره وسوء هضمه إن كان فجاً وخاصة لمن كانت معدته ضعيفة أو كان جهازه الهضمي غير سليم. هذا ويمكننا أن نسحق ثمرة الموز أو نخفقها كعجينة لتقديمها لأمثال هؤلاء ولصغار الأطفال ليحسن الاستفادة منها.
و الموز الناضج علاج جيد للمصابين باضطربات هضمية حادة وخاصة عند الصغار وللمصابين بالتهاب الأمعاء الغليظة _ القولونات _ والآفات الهضمية المزمنة وداء الذرب Spure الذي ما زالت أسبابه غامضة والذي ينتهي إلى الهزال الكلّي وانهيار الجسم فإن الموز أفضل علاج أمين وشافٍ له. فهو يحتوي على جميع العناصر الفعالة واللازمة للشفاء من هذا الداء المخاتل. ويحتوي الموز على مواد قلوية تحول دون حدوث التخمرات المعوية، وهذه القلويات تعتنر علاجاً شافياً من حماض الأنسجة والاستقلاب الغذائي Acidosis في اضطرابات الهضم المزمنة، إذ يعدّل هذه الحماضات ويرفع درجة القلوية الاحتياطية للدم أيضاً ويستدل على ذلك من تحول التفاعل الكيماوي للبول من حامض إلى قلوي.
و يستفاد من قلوية الموز في معالجة التظاهرات المرافقة للقرحة المعدية. فلقد نقلت أولغا كريج Olga Craig [عن مقالة لها بعنوان (Banana aday Keeps ulcers at abay] في صحيفة Today البريطانية بتاريخ 7 كانون الثاني لعام 1991] عن المجلة الطبية الأسترالية أبحاثاً تفيد أن موزة واحدة كل يوم تقي تماماً من تفاقم القرحة المعدية، ,أن تناولها قبل الطعام يشفي من قرحة المعدة، كما تتحدث التقارير عن الشفاء من الألم القرحي وحرقة المعدة بتناول موزة مسحوقة مع الحليب _ Coctail _ ويؤكد البروفيسور Barin Hills _ كاتب البحث _ أن الموز يعيد إلى المعدة المقروحة البطانة الواقية التي توجد عند الشخص السويّ. كما تؤكد خبيرة الأغذية شيللا كيسنجر أن الحوامل في أشهر الحمل الأخيرة كثيراً ما يعانين من حرقة المعدة يرافقها بعض الاقياء، وقد أثبتت أن الموز علاجٌ شافٍ للحوامل من هذه الظاهرة.
و الموز لسهولة احتماله ولما يحتويه من سكر فواكه وفائض القلوية والفيتامينات وبإشراكه مع الحليب يعتبر غذاءً ممتازاً للترميم خلال دور النقاهة من الأمراض الشديدة والحمّيات، وفي نقص التغذية وعند الحوامل والمرضعات وللرياضيين وعمال المهن الشاقة والشيوخ وخاصة الذين يعانون من ضعف الشهية.
كما اكتشفت الأبحاث الحديثة [عن قاموس الغذاء والتداوي بالنبات، تأليف أحمد قدامة: 1982] وجود هرمونات في الموز ذات صفات مقوية عالية من شأنها تنظيم الجهاز العصبي. وإن تناول الموز بانتظام يعطي الأطفال التوازن النفسي ويشع فيهم روح الغبطة والمرح.
هذا ولم يغفل تراثنا الإسلامي قيمة الموز العلاجية فقد قال عنه ابن القيم: أنه حارٌّ رطب
أجوده النضيج الحلو، ينفع من خشونة الصدر والرئة والسعال وقروح الكليتين والمثانة ويدرُّ البول ويزيد في المني ويحرك شهوة الجماع ويلين البطن ويزيد الصفراء والبلغم، أما ابن البيطار فيقول عن الموز: ينفع من السعال وأوجاع الصدر وقلة الدم ويسمّن كثيراً وهو جيد للصدر والكلى ويدر البول ويزيد في البلغم والصفراء ويحرك الباه ويزيد في المني.
مراجع البحث
1. الإمام ابن جرير الطبري: عن كتابه (جامع البيان عن تفسير آيات القرآن).
2. الإمام الحافظ ابن كثير: عن كتابه (تفسير آيات القرآن العظيم).
3. أيمن عزت الطباع: عن كتابه (المرشد إلى طبابة الأعشاب) دمشق: 1984.
4. محمد كمال عبد العزيز: عن كتابه (الأطعمة القرآنية) القاهرة: 1977.
5. صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1977
6. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982
7. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
8. ابن الجوزي: عن كتابه (زاد المسير في علم التفسير).
جزيت خيراً سيدي
وبارك الله فيك
ونفع بعلمك
لك تقديري
العسل: فيه شفاء للناس
[البحث ملخص عن كتابنا (العسل: فيه شفاء للناس) وقد صدرت طبعته الثالثة عن دار المعاجم دمشق: 1992، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا المذكور]
ما من شك في أن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في العسل هي أوضح وأرسخ النصوص التي جزمت بالخواص العلاجية المفيدة والثابتة لهذه المادة القيمة.
قال تعالى: {و أوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومكن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من الثمرات فاسلكي سُبُلَ ربك ذللاً يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للناس} [سورة النحل: الآيتان 68 و69].
و في وصف جنة الخلد التي أعدت للمتقين قوله تعالى: {مثل الجنة التي وعد المتقون، فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهارٌ من لبن لم يتغير طعمه وأنهارٌ من خمرٍ لذةٍ للشاربين. وأنهارٌ من عسل مصفّى..} [سورة محمد: الآية 15].
و قد أورد البخاري ومسلم في صحيحهما أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن كان في شيء من أدويتكم من خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي ".
و في رواية للبخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: " الشفاء في ثلاثة: شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتي عن الكي ". ويشرح الحافظ ابن حجر هذا الحديث فيقول: لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الحصر في ثلاثة فإن الشفاء قد يكون بغيرها.
كما روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلاً، فسقاه ثم جاءه فقال: إني سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال له ثلاث مرات ثم جاء الرابعة فقال: اسقه عسلاً. فقال: لقد سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلاً، فسقاه فبرئ.
و في رواية لمسلم: أن رجلاً أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي عرب بطنه، فقال: اسقه عسلاً....، ثم ذكر نحوه ومعناه.
قال العلامة الزرقاني في شرح قوله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك، معناه أخطأ بطن أخيك حيث لم يصلح لقبول الشفاء بسرعة لكثرة المادة الفاسدة فيه، ولذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فلما كرر ذلك برئ.
و في نفس الموضوع يقول الإمام فخر الدين الرازي: لعله عليه السم علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالماً بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، كان هذا جارياً مجرى الكذب فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ.
و يقول الدكتور محمود ناظم النسيمي أن الإسهال الحاد الذي وصف له رسول الله صلى الله عليه وسلم العسل، كما يحتمل أن يكون ناتجاً عن تخمة _ كما يقول الطبيب الكحال وأيده الطب الحديث _ فإنه يحتمل أن يكوم ناجماً عن عفونة معوية بدليلين: الأول أن كلاً من التخمة وعفونة الأمعاء سبب لفساد الهضم، والثاني أن الطب الحديث يداوي إسهال العفونة بمسهل أحياناً.
ويرى أن للوصفة النبوية ميزات ثلاثاً: الأولى المعالجة المثلية بمعالجة الإسهال بمسهل وذلك لدفع الفضلات ومحتوى الأمعاء الفاسدة، والثانية اختيار العسل وهو ملّين على المسهلات الشديدة التي تخرش الأمعاء الفاسدة وأكثر الدوائيين اليوم إذا رغبوا بإعطاء مسهل في حوادث الإسهال غير الطفيلية المنشأ فإنهم يفضلون الملّين، والثالثة اختيار العسل من بين الملينات لأن فيه مواد مطهرة تؤثر على الجراثيم.
و روى البغوي بإسناد صحيح: أن ملاعب الأسنة بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله الدواء من وجع بطن أخٍ له فبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم عكة عسل فسقاه فبرئ
و قال القرطبي: اختلف العلماء في قوله تعالى: {فيه شفاء للناس} هل هو على عمومه أم لا، فقالت طائفة هو على العموم في كل حال ولكل إنسان. فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئاً إلاّ جعل عليه عسلاً حتى الدمل إذا خرج عليه طلى عليه عسلاً. وروى أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال إيتوني بماء فإن الله تعالى يقول: {و نزلنا من السماء ماءً مباركاً} ثم قال: إيتوني بعسل فإن الله تعالى يقول: {فيه شفاء للناس} ثم قال: إيتوني بزيت فإن الله تعالى يقول: {من شجرة مباركة زيتونة} فجاؤوه بذلك كله في فخلطه جميعاً ثم شربه فبرئ. وقالت طائفة إن ذلك على الخصوص ولا يقتضي العموم في كل علة بل إنه خبر أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في بعض وعلى حال دون حال، ففائدة الآية إخبار عن أنه دواء لما كثر الشفاء به.
ثم قال القرطبي: لسنا نستظهر على قول نبينا بأن يصدقه الأطباء بل لو كذبوه لكذبناهم وصدّقناه صلى الله عليه وسلم.
ما هي مكونات العسل؟
[عن كتاب (Honey for Health) تأليف سيسل تونزلي، لندن: 1969]
العسل هو نتاج النحل ويدخل في تركيبه أكثر من سبعين مادة مختلفة وذات أهمية حيوية كبيرة للعضوية. ويعتبر منبع المواد السكرية الأكثر أهمية، وكما يقول المثل الفرنسي (لكل سيّد مكانته والعسل سيّد المحليّات). وهو منتج غذائي غني بالطاقة ويعطي الكيلو غرام الواحد من العسل ما يعادل 3150 - 3350 حريرة حسب نسبة الماء الموجودة فيه. ويختلف تركيب العسل اختلافاً يتناسب واختلاف الزهور والمناطق والأرض وحتى باختلاف الأحوال الجوية إلا أنّ السبب الرئيسي هو اختلاف تركيب التربة التي يتغذى منها النبات.
و العسل مادة معقدة التركيب التركيب جداً وتتألف من السكاكر بالدرجة الأولى إذ تبلغ 71 - 72 % من وزنه وأهمها سكر الفواكه (40 %) وسكر العنب (30 %) وعلى نسبة قليلة من سكر القصب وسكر الشعير والميلسيتوز والدكسترين والأرلوز وغيرها.
و يحتوي العسل على أحماض عضوية كثيرة وفي طليعتها حمض النمل والليمون والتفاح والطرطير والزبدة وعلى آثار من حمض العنبر والحمّاض Oxalic واللبن وغيرها. وهناكم أهمية خاصة للعسل باحتوائه على العديد م نالخمائر التي تلعب دوراً هاماً في حياة الكائن الحي وأهمها خميرة الشعير التي تحول النشاء إلى سكر. والقلابين Invertase التي تقلب السكر العادي إلى سكر عنب وسكر فواكه وخميرة الكاتالاز التي تحلل اعتباراً من سكر العنب وعلى آثار من خميرة البروكسيداز والليباز وغيرها.
و العسل يحتوي على مجموعة من الفيتامينات منها فيتامين " ب 1 " والفيتامين أو الريبوفلافين VIT. B2 والحمض الباتتوتيني VIT. B3 والحمض النيكوتيني VIT. B5 والبريدوكسين VIT. B6 وحمض الأسكوربيك VIT. C. كما توجد آثار من البيوتين والفيتامين " ك " والفيتامين " و= ُ " والكاروتين أو طليعة الفيتامين " آ ".
و العسل يعتبر وسطاً ممتازاً لحفظ الفيتامينات، فهي تبقى فيه مهما تقادم عليها الزمن دون أن تتخرب بينما تفقد الفواكه والخضار جزءاً كبيراً من فيتاميناتها عند حفظها أو تخزينها. إلا أن التسخين والوسائل المستعملة في تصفية العسل يفقد العسل الكثير من فيتاميناته لأن احتواء العسل على الفيتامينات مرتبط بما يحتويه من غبار الطلع. ولهذا نجد أن العسل يحتوي على أنواع من البروتينات والحموض الأمينية ومشتقات الكلوروفيل والأصبغة ومنشطات حيوية وعلى روائح عطرية وأغوال سكرية كالمانيتول وبعض الألدهيدات والإسترات والعفصيات.
و في تركيب العسل أملاح معدنية متعددة أهمها أملاح الكلس والصوديوم والبوتاسيوم والمنغنيز والحديد والكلور والفوسفور والكبريت واليود وغيرهما. وهي تلعب دوراً حيوياً هاماً ومميزاً ونقصانها من غذاء الإنسان يؤدي إلى فقده لنشاطه وحيويته وخاصة عند الشيوخ
و يمكن أن تكون المركبات المجهولة التي لم يعرف كنهها تماماً في العسل أكثر أهمية مما استعرضناه هنا من المواد المعروفة وإن كان بعض تلك المواد قد عرف بخصائصه الحيوية مثل خاصة تنشيط الكولين Cholinergic _ الكولين مادة تحول دون تكلس الأدهان في الكبد _ وعامل الغليكوتيل الذي يساعد الكبد على تحويل سكر العنب إلى غليكوجين دون وجود الأنسولين.
و على هذا فالعسل ليس غذاءً حلواً لذيذاً فقط لكنه مخزن كامل لمجموعة من العقاقير من علاجية ووقائية فعّالة. وهو إذا كان قد أخذ دوره في جداول الحمية فإن معظم المشافي لم تنصف العسل بعد ولم تتح له المجال اللائق به في التداول كعلاج أساسي في العديد من الأمراض المستعصية.
العسل: مضاد للعفونة... ومبيد للجراثيم:
أكدّ سوماروكوف [عن إيوريش في كتاب (النحلات صيدلانيات مجنحة)] منذ أكثر من قرن أن العسل يحفظ اللحم وعصير الفواكه والخضار من الفساد والعفونة، وشرح كيف يعمد سكان جزيرة سيلان إلى تقطيع اللحم إلى قطع صغيرة يطلونها بالعسل ويضعونها في تجويف جذوع الأشجار ويغطونها ويتركونها هكذا لمدة سنة وبعد ذلك يجدون اللحم ما يزال طازجاً. بل إن طعمه يصبح أفضل. ولقد أجرى ساكيت Sackett [عن كتاب (الطب الشعبي) لجارفيس تعريب الدكتور أمين رويحة] تجارب بزرع جراثيم مختلف الأمراض في مزارع من العسل الصافي ولبث ينتظر... لقد أذهلته النتيجة المدهشة فقد ماتت جميع الجراثيم وقضي عليها بعد عدة ساعات إلى مدة أقصاها عدة أيام. كما أكد لوكهيد من كندا أن الجراثيم الممرضة للإنسان تموت بالعسل.
و يعلل المؤلفون خواص العسل المبيدة للجراثيم بنظريات مختلفة، أو قد يكون الأصح، بآليات متعددة فالطبيب أنجيلودوبيني يعتقد أن حفظ العسل للمادة العضوية الحية من العفونة والتقيح يعود لاحتوائه على كمية من حمض النمل Formic acide. أما هوشتر [رسالة خاصة من هوشتر نفسه بتاريخ 22 نيسان 1968] فيفسر خاصة العسل هذه بارتفاع تركيز السكاكر فيه. إلا أن ملادينوف ينقض هذه النظرية حين وجد أن تلك القطع الحيوانية المحفوظة في عسل صناعي تعفنت حين بقيت فيه لمدة طويلة بينما لم تتأثر تلك المحفوظة في عسل طبيعي.
أما موهريغ وميسنر [Acta biol. med. germ. Band 21 , 1986] فيؤكدان أن الخميرة الحالة Lysozym الموجودة في العسل هي المسؤولة عن هذه الخاصية في حين تتفق أغلب الأبحاث الحديثة _ إيوريش _ على وجود مواد مثبطة لنمو الجراثيم ضمن تركيب العسل هي التي تمنع نمو الجراثيم، وأن هذه المواد هي من منتجات النحلة نفسها كما أثبتت كاغانوفا _ إيوريش أن العسل يحتوي على مواد مضادة للفطور المسببة للعفن.
أما شوفان ودولد فقد أكدا وجود مادة مانعة لنمو الجراثيم في العسل دعوها بالإنهبين Enhibine وأنها توقف نمو العصيات التيفية والمكورات العنقودية بأنواعها وعصيات شيغا الزحارية وعصيات القيح الأزرق وضمات الكوليرا وتؤثر بوضوح على عصيات الخناق.
و حسب رأي بوشيزر فإن للعسل تأثيراً جاذباً للكريات البيضاء والذي يزيد من فعل البلعمة بما يحتويه من الماء الأوكسجيني Hydrogen Peroxide. وأخيراً فلا بد من أن نشير إلى فرضية أخرى ترد الخاصة المضادة للحيوية في العسل بسبب غناه بعنصر البوتاسيوم الذي يسحب من الجراثيم رطوبتها الضرورية لحياتها نظراً لشراهته لامتصاص الماء.
و نحن نرى أن لا تناقض بين هذه النظريات إذ من الممكن أن يعمل العسل في مكافحته للجراثيم وقضائه عليها بوسائط وأسلحة متنوعة طالما أن كل هذه العوامل موجودة فيه بالتأكيد. وقد استفاد أكوبيا Akobia [عن مجموعة دراسات معهد البحث العلمي للرضوض في جمهورية جورجيا المجلد 6 لعام 1964] من هذه الخاصية ودرس إمكانية حفظ الأنسجة كالعظام والغضاريف والأوعية الدموية والأوتار والسحايا وغيرها ضمن المحاليل العسلية. وقد تبين له أن محاليل العسل الطازجة بنسبة 5 0 % تبقى عقيمة طيلة فترة الحفظ وأنها تحافظ بشكل ممتاز على حيوية هذه النسج بحيث تبقى قادرة على استعادة وظيفتها الحيوية الكاملة بعد زرعها في عضوية الإنسان المحتاجة إليها. وأن نتائج عمليات الزرع هذه بأنسجة محفوظة في محاليل العسل أفضل بكثير من تلك المجراة على أنسجة محفوظة بالطرق الأخرى المعروفة كالتبريد أو ضمن محاليل كيماوية أخرى.
العسل غذاءٌ قيّم:
يعتبر العسل بحق مادة غذائية قيمة ذات أهمية خاصة للعضوية فهو يمتص بسرعة ليصل إلى الدم والأنسجة. وهو أفضل من السكر العادي من حيث أنه يجدد القوة العضلية ويحفظها. ويعتبره تاونسند الطعام الحيوي للرياضيين حيث يمكن تناوله من قبلهم قبل التمارين الرياضية العنيفة مباشرة. كما أن الرياضيين الذين يتنافسون لدرجة الإرهاق يستطيعون استعادة نشاطهم بسرعة كبيرة عندما يتناولون شاياً أو قهوة محلّيان بالعسل.
و يساعد العسل على نمو العضوية وخاصة الفتية منها. ويلعب وجود الزيوت العطرية والإترية فيه دوراً منشطاً للجهاز العصبي والقلب والأوعية. ومن هنا تتضح فائدة العسل للأشخاص الضعفاء والمنهكين فيزيائياً وفكرياً وللناقهين من الأمراض الشديدة والمنهكة.
وقد تبين أن تناول كميات كبيرة من العسل لا يمكن أن ينعكس على العضوية بأي أذى _ شوفان Mladenov , Noecker _. كما أن العسل يساعد على هضم وتمثل الأغذية الأخرى فضلاً عن كونه مادة غذائية سهلة الهضم.
العسل والداء السكري:
يعتبر نقص الغلوكوجين من أهم مظاهر الداء السكري , ويختزن الغلوكوجين عادة في الكبد ثم تطلقه إلى الدم ليستعمله البدن كأهم مصدر للطاقة على شكل سكر عنب. والمصاب بالسكري لا يستطيع تكوين الغلوكوجين بكمية كافية لعوزه لمادة الأنسولين، الهرمون الوسيط لتكوين الغلوكوجين وحرق السكريات. والمريض المصاب بالسكر يستطيع الاستفادة من العسل وتحويله إلى غلوكوجين دون الأنسولين ومن هنا تتضح الأهمية الكبرى للعسل عند السكريين.
فالسكر الرئيسي في العسل هو سكر الفواكه وقد ثبت أن كبد الحيوانات المستأصلة معثكلتها والمحرومة من الأنسولين تستطيع تكوين الغلوكوجين اعتباراً م نسكر الفواكه على الرغم من عدم تمكنها من بنائه من سكر العنب _ Seige , MenKovski , وغيرهم _ كما وجد Baumgarten , Koch أن حقن سكر الفواكه بالوريد لا يرفع سكر الدم إلا بمقدار ضئيل. أما حقن العسل وريدياً فإن مستوى سكر الدم يهبط أيضاً وهذا يعود لفعل نوعي للعسل.
و قد أثبتت اختبارات كل من كيليان وتوبياش [Dent Zeit. F. Verdounge , Leiprig , 1953 - Kilian & Tobiach] أن إعطاء السكريين مقدار 20 غ العسل صباحاً و20 غ بعد الظهر دون أي تغيير في مقدار الأنسولين أو نوعية الحمية عندهم لا تؤثر بصورة ملحوظة على مستوى سكر الدم اليومي عندهم. ويؤكدان أن العسل الصيفي حيث لا تطعم النحلة غير رحيق الأزهار هو عسل ممتاز للسكريين ونتائجه جيدة. وفي كتاب Smedley , Beck وصف لكثير من الحالات المرضية يبيّن أن العسل قد تحملّه المصابون بالسكري وأعطاهم القوة اللازمة.
ويؤكد كل من منوفسكي ودافيدوف فائدة العسل الكبرى في معالجة تخلون الدم Acetonemia التي تحصل كاختلاط عند المصابين بالسكري، كما أن إعطاء العسل للسكريين يقيهم من الوقوع في هذا الاختلاط الخطير، ومن هنا يرى المؤلفان ضرورة تناول العسل من قبل السكريين في كثير من الأحوال. واعتماداً على ما اكتشف حديثاً من أن العسل يحتوي على مواد هرمونية شبيهة بالأنسولين وأن سكره هو سكر الفواكه فإن البروفيسور إيوريش ينصح السكريين بتناول العسل وخاصة إذا ما أضيف إليه مجموعة الفيتامينات " ب " والفيتامين " ج " (VIT. C).
و نحن نرى أن المصابين بالداء السكري يمكن أن يتناولوا العسل، إلا أنه بدون شك يجب أن يتحروا العسل الخالي من الغش وأن يتأكدوا أن النحل نفسه لم يطعم السكّر العادي، وأن تجري المعالجة تحت إشراف طبيب اختصاصي ذو خبرة بخواص العسل العلاجية.
العسل والوقاية من نخر الأسنان:
أكدت الأبحاث الحديثة _ أسبورن، نوريسكين.. _ أن السكاكر في مصادرها الطبيعية _ العسل، التين، الزبيب، قصب السكر _ تكون مترافقة مع عامل واقٍ من النخر يزول عند التصنيع والتنقية _ في السكر الأبيض _. إن هذه السكاكر الطبيعية ومن جملتها العسل لا تحدث نخراً ولا تسبب نموَّ العصيات الجرثومية اللبنية.
و هكذا فإن قبائل الأسكيمو البدائية الذين لم يتناولوا السكر الأبيض ولم يعرفوه مطلقاً لم يكن للنخر بينهم أي وجود _ Waugh _ ويؤكد بانتنغ الأثر السيئ للسكر العادي على الأسنان. أما ماكليدون فينصح بتحلية الشاي بالعسل للوقاية من نخر الأسنان.
و تؤكد أبحاث بوكسي F. Pucci [عن مجلة طب الأسنان السورية، كانون أول 1974 (دكتور غنوم)] أهمية استعمال العسل كمادة مُحَلِّية تبعد عن الإنسان خط النخر السنّي المبكر. كما تؤكد فائدة العسل بقدرته على القيام بنشاط حاث على نمو الطفل مبعداً عنه خطر الكساح لما فيه من الفيتامينات وكل مقومات النمو، ولفائدته في نمو العظام وبزوغ الأسنان وكذلك بالنسبة لإحداث التكلس الجيد العظمي والسنّي.
العسل في طب الأطفال:
تؤكد المشاهدات السريرية القيمة الكبرى لعسل النحل كمادة غذائية وعلاجية ممتازة لعضوية الطفل. كما تبين أنه يزيد من خضاب الدم وعدد الكريات الحمراء في دمائهم وبالنسبة للأطفال المصابين باضطرابات هضمية أو سوء تغذية، فإن وجود العسل في جدول الحمية عندهم يؤدي إلى تحسن ملحوظ وسريع في حالة الطفل المصاب وإلى زيادة بينّة في وزنه _ غولومب، لابورد _.و نظراً لخاصيته المضادة للجراثيم فهو يساعد صغار الأطفال على تجنب الأمراض الجرثومية والتعفنات المعوية ويسرع من شفائها إذا أشرك مع العلاج النوعي.
و بالنسبة لتغذية الأطفال فالأطباء ينصحون به كمادة مُحَلّية سواء للحليب أو لصنع الأغذية الخاصة للأطفال من سميد أو خبيصة أو غيرها.. فهو طعام سهل الهضم سريع الامتصاص والتمثل، يقدم طاقة وافرة وتغذية ممتازة في المرحلة الحرجة من نمو الطفل لغناه بالمواد الحياتية المعدنية Oligoelements.
و بيّن كل من أليسون [عن مجلة (Revue de Dietetique) العدد 3 لعام 1959] ونوربوتون أن إضافة العسل إلى غذاء الخدّج [الخدج: هم المولودون قبل أوانهم] يجعلهم يقبلون على الرضاعة جيداً وتتحسن قدرة المص عندهم. وينصح لوتينغر بإضافة ملعقة شاي من العسل إلى مغلي الشعير لوقف الإسهال الصيفي عند الرضيع أو إعطائهم الشاي المحلى بالعسل بنسبة 5 %، ويصّر فيليبس على استبدال العسل بالسكر العادي لتحلية المصاصات Bibrons بمقدار ملعقة شاي واحدة في الشهرين الأوليين وملعقتين في الشهرين 3 - 4 ويستمر الأمر بثلاث ملاعق، وهذا يعود إلى أن بعض الأطفال لا يمكنهم تحويل السكر العادي بسهولة إلى شكله المهضوم والعسل يمتص بسهولة أكبر من سكر الحليب. كما أن الأطفال الذين يعتمدون في تغذيتهم على العسل يمتازون بحالة جيدة لجهازهم الهضمي وبانعدام الغازات البطنية.
و قد أكد كل من هافيجي Haffejee [عن مجلة Brit. med. journal عدد حزيران 1985] وموزا Moosa _ 1985 _ أن محاليل العسل تقصر مدة الإسهال عند الرضع والأطفال المصابين بالتهابات معدية - معوية. كما ثبت أنه لا يطيل أمد الإسهالات غير الجرثومية، ويمكن استعماله بأمان كبديل عن سكر العنب محلولاً في سائل يحتوي على الشوارد المعروفة لإزالة التجفاف بواسطة الفم. أما فيليبس فيؤكد أن إضافة ملعقة شاي من العسل لكل رضعة تساعد على ظهور الأسنان وتمنع حدوث أمراض التسنين. فللعسل تأثير حسن على تمثل الكالسيوم والمغنزيوم في العضوية _ Knott وزملاؤه _.
و هكذا نرى بوضوح الأهمية الكبرى للعسل في تغذية الأطفال في مختلف مراحل نموهم سواء كان ذلك من أجل نموهم الطبيعي أم من أجل وقايتهم من مختلف آفات الطفولة من إسهالات أو انتانات معوية أو خرع أو سوء نمو...
العسل وطب الشيخوخة:
اعتقد الفلاسفة والحكماء منذ العصور الغابرة _ بيفاغور، مولباخر، فتفتسكي... _ أن تناول العسل مع الطعام بشكل مستمر يساعد على إطالة العمر ويبقي الإنسان رغم تقدمه في السن في حالة من الحيوية والنشاط.
و قد أكد إيوريش أن معظم المعمرين في مناطق الاتحاد السوفياتي _ سابقاً _ يتواجدون في مناطق أذربيجان وبلاد القفقاس الجبلية حيث يتعاطون تربية النحل ويتناولون العسل بكميات كبيرة في طعامهم اليومي.
و من مقالة للدكتور ب. لوت Luth [عن مجلة Arztiche Praxis الألمانية. المجلد 28 لعام 1959] بعنوان (زيادة فعالية المعالجة بالبروكائين عند مزجه بالمحاليل العسلية) نقتطف ما يلي: إن المعالجة الجهازية لشكايات الشيوخ بواسطة البروكائين والتي قامت بها الدكتورة أصلان إنما هي معالجة محتفظ بها. ولقد تبين أن تأثيره على بعض عوارض الشيخوخة إنما يرجع إلى فعل محصوله الاستقلابي في البدن وهو حمض أميني آخر يعتبر طليعة ينجم عنها تشكل الكولين والأستيل كولين والتي تعتبر ضرورية لحياة العضوية وخصوصاً الكهلة. وعلى هذا فالبروكائين يقوى الخواص الكولينية Cholingique في البدن. ولقد أجريت تحريات عن مادة غير سامة وتمتلك زيادة فعالية البروكائين فلم يجد الباحثون سوى عسل النحل الذي هو غذاء ودواء بنفس الوقت.
و بناء على هذه النتيجة فقد أنتجت شركة Woelm الألمانية مستحضراً هو البروكوبين ج 2 Procopin G2 الذي يتركب من: بروكائين 2 % روتين 0.5 % غلومينات الصوديوم 1 % مذابة في محلول عسلي بنسبة 1 0 % مصفى من غروياته. ولقد طبق هذا المستحضر في معالجة الظواهر الشيخوخية وكان له تأثير حسن على سير الثعلبة والشيب، كما أن تأثيراته كانت ممتازة على مظاهر الجلد الشائع المختلفة، وعلى سير الكثير من شكاوي الشيوخ من انحطاط ووهن عام وعصبي Neurasthenia ونفسي وآلام في الرأس والتي تشكل بمجموعها ما يدعى بمتلازمة انخفاض القدرة على العمل وفي إزالة هذه العوارض في معظم الأحوال. كما أبدت حالات من الاعتلالات المفصلية غير المشوهة وأخرى من تصلب الدماغ تحناً ملحوظاً.
أهمية العسل للوقاية من الأذيات الشعاعية:
يؤكد فرانكه [عن مجلة Zentralbtatt Fur Gynekologie الألمانية: 1949] وإيوريش [عن كتابه (النحلات صيدلانيات مجنحة) موسكو: 1966] فعالية العسل في معالجة أعرض الانسمام والتموت الناجمة عن التعرض المديد للأشعة وفي وقاية العاملين بها من ظهور تلك الأعراض، سواء بتناول محاليل العسل الدافئة وخاصة مع الحليب، أو حقن محاليله االمجهزة للحقن في الوريد.
هل يقي العسل من السرطان؟
تبين من تحريات فورستر أن ممتهني النحالة أقل عرضة للإصابة بالسرطان بالنسبة إلى المهن الأخرى كلها وهذا يعود إما إلى لسع النحل، كما يقول المؤلف، أو وهو الأرجح إلى التمتع بتناول العسل أكثر من غيرهم.
الفيتامين المضاد للنزف والعسل:
[عن مقالة في جمعية الطب الخيري لجامعة منسوتا، نشرت ترجمتها في مجلة طب الفم السورية _ حزيران: 1976]. بينما كان العلماء يبحثون في إثر العسل في الوقاية من فقر الدم المحدث عند الفئران ومعالجته لاحظوا أن التخثر الدموي عند الفئران التي كانت تتناول العسل في غذائها كان عالياً لدرجة أنه أصبح من المتعذر أخذ عينات الدم من أوعيتها لمعايرة خضاب الدم عندها.
و قد أكد فيفينو أن العسل عند مزجه بالمواد الغذائية الخالية من الفيتامين " ك " قد رفع زمن طليعة الترومبين بشكل واضح. وقد أوضحت هذه التجارب التأثير الفعال للعسل كمادة معوضة عن الفيتامين " ك = K ".
الاستشفاء بالعسل
الاستشفاء بالعسل في أمراض الجلد:
إن معالجة أمراض الجلد بالعسل، وخصوصاً تقيحاته وقروحه والجروح العفنة من الأمور المعروفة جيداً في الطب القديم _ الفراعنة، أبقراط، القديس أمبروس _. وفي قانون ابن سينا عدد من الوصفات لمراهم يدخل فيها العسل لمعالجة آفات جلدية متنوعة وخاصة قرحات الجلد العميقة والمتعفنة.
و منذ عام 1933 كان لوكه Lucke يعالج التقرحات الجلدية بمرهم يدخل فيه العسل وزيت السمك، ويعتبر منطلقاً له تأثير العسل على التئام الجروح وتنظيفها بسرعة وتأثير زيت السمك على التبرعم.
و يؤكد كرينتسكي أنه بتأثير العسل يزداد بكثرة محتوى الجروح من مادة الغلوتاتيون التي تلعب دوراً هاماً في عمليات الأكسدة والتعمير أو الترميم Regeneration التي تجريها من أجل نمو الخلايا والتئام الجروح.
و يعلل الطبيب الصيني يونغ _ 1944 _ التأثير الجيد للعسل في شفاء قرحات الساق المزمنة والقشب بتركيزه السكري العالي وخواصه المضادة للعفونة ولاحتوائه على صباغ أصفر فيه نسبة عالية من الفيتامين " آ ". ومرهم يونغ يتكون من العسل بنسبة 4 / 5 والفازلين 1 / 5.
أما خاتشاتوريان ويابوفا فيعالجان مختلف التقيحات الجلدية _ دمامل جمرة حميدة، تينة عنقودية _ بعسل النحل.
و يطبق العسل بنجاح موضعياً بواسطة التشريد الكهربائي Electrophorasis لمحاليله لمعالجة الجروح الواهنة _ Helfman _ [عن إيوريش في كتابه Bees and People _ موسكو: 1974] ويمكن إشراك التشريد الكهربائي بمرهم عسلي يدخل فيه القطران الخشبي 2 % لمعالجة الأكزيما المزمنة والتهاب أعصاب الجلد _ التأتب الجلدي _ (دانيلوف 1974).
و تحت عنوان (العسل والضمادات الجراحية) [عن مجلة Brit. Bee j. - كانون أول: 1955] كتب ميخائيل بولمان يقول: عندي كل المعطيات الإيجابية كي أفكر بهذه المادة البسيطة التي تجيب على كل الأسئلة حول مشاكل الجروح والقروح المتقيحة فهي مادة غير مخرشة، غير سامة، عقيمة بذاتها ومضادة للجراثيم، مغذية للجلد، رخيصة نسبة للعلاجات الأخرى، سهلة التحضير والاستعمال.. وفوق ذلك فهي مادة جدُّ فعالة.. ويضيف ديموفيتش الذي عالج آفات مختلفة شملت حروقاً وقرحات وهنية وخراجات وذات عظم ونقي وداحس وفلغمونات ودمامل وغيرها برهم كونكوف العسلي [مرهم كونكوف: يتركب من العسل 62 غ، ريفانول 0.3 غ، زيت سمك 33.5 غ قطران خشبي 3 غ وماء مقطر 1.2 غ] بأن العسل يملك خواص مضادة للجراثيم، مسكنة للألم، ومرممة لأنه يزيد في نمو البراعم الحبيبية Granulation فيسرع التنّدب وحتى الشفاء الكامل. وقد تبين لبيرلاندو 1978 [(عسل النحل وأثره الشافي في الحروق) عن مجلة عالم الطب والصيدلة _ تشرين أول 1987. تعريب قوتلي وعطار] أن الجلد المحروق المعالج بالعسل يُظهر حيوية كبيرة حيث تتولد بعض الأربطة العضلية المحيطية ويقل الإفراز النتحي مع تشكل غرائي وشبكي جديد ويغزر النسيج الحبيبي الأدمي وتتجه البشرة نحو التغطية الجلدية المبكرة Epithelization.
و في الحقيقة فإنه بالرغم من تقدم البحث العلمي وظهور المزيد من العقاقير الحديثة فإننا في ممارستنا اليومية لا نزال نشاهد حوادث من تقيحات جلدية مزمنة وتقرحات واهنة لا تعنو لأي من العلاجات التي بين أيدينا. واعتماداً على ما قدمناه من مشاهدات حول تأثير العسل فقد طبقناه في عدد من تلك الحوادث المختارة التي عندت على المعالجات المألوفة ونشرنا مشاهداتنا حول النتائج الباهرة التي توصلنا إليها في كتابنا (العسل: فيه شفاء للناس) وسنكتفي هنا بعرض واحدة من أهمها مع خلاصة لعملنا هذا ونتائجه.
المشاهدة للمريض (ع. ش) عمره 42 سنة دخل الشعبة الجلدية لمشفى المزة وهو مصاب بقرحة وهنية في أخمص قدمه اليمنى بطول 4 × 6 سم حوافها غير منتظمة قعرها وسخ ويظهر في منتصفها النسيج العضلي وهي مكسوة بقشور صفراء مع نزف قيحي.، تعود القصة إلى 4 شهور خلت بعد أن استؤصل للمريض ثفن عرطل، تقيح الجرح وأدى التقيح الثانوي مع الضياع المادي إلى تشكل القرحة التي عالجها المريض طيلة هذه الفترة بمختلف المطهرات والمضادات الحيوية والمراهم دون جدوى. طبقنا للمريض ضماداً يومياً بمزيج من العسل وزيت السمك وكانت نظافة القرحة تامة في غضون أربعة أيام وتَّم التئام التقرح الكامل خلال 20 يوماً.
كما طبقنا في بعض الحالات مرهماً عسلياً يدخل فيه العسل وزيت السمك _ أو زيت الزيتون _ واللانولين والكالامينا أحدهما حالة تقرح اكتيمائي والثاني حرق من الدرجة الثالثة ناجم عن كي مقصود أدى إلى إتلاف جميع طبقات الجلد والنسيج الخلوي تحته وكانت النتائج متقاربة وكان مجموع المرضى الخاضعين للتجربة 21 مريضاً، منها إصابات بقروح دوالية، وحروق وخشكريشات اضطجاعية وجمرة حميدة وتقرحات وهنية رضية المنشأ وأكتيمائية وغيرها.
و نستطيع القول أنه من خلال مشاهدتنا ومن النتائج الممتازة التي توصلنا إليها بواسطة الضمادات العسلية سواءً كانت صرفة أو على شكل مرهم عسلي أن للعسل بدون شك تأثيراً ممتازاً على دحر الانتان المسبب أو المرافق للآفة ومن ثمَّ على سير الالتئام والترميم في كافة القروح الجلدية على اختلاف منشأها.
و في عام 1986 أكدت هيلتون النتائج الحسنة جداً التي ذكرناها عن معالجة القرحات التوسُّدية _ خشكريشات الاضطجاع _ بتطبيق ضمادات العسل الصرف تغير يومياً. كما أكد محاسن وادي [عن مجلة عالم الطب والصيدلة - حزيران: 1987] ورفاقه حسن تأثير العسل على التقرحات المزمنة حيث أكدوا تراجع القيح بسرعة وتحسن عملية التحبب الخلوي والدورة الدموية في المنطقة كما لاحظوا تحسن وسرعة عملية التغطية الجلدية. ومن بريطانيا 1988 أكد المستشار الجراحي [عن مجلة المهندس الزراعي العربي العدد 30 لعام 1990 دكتور عطار وأيوب] Spenser النتائج التي توصلنا إليها أيضاً وأكد ملاحظاتنا أن الداء السكري لم يكن مضاد استطباب لتطبيق الضمادات العسلية.
حقن العسل في مداواة الأمراض الجلدية:
أكد Ammich النتائج المذهلة لمعالجته لعدد من المصابين بآفات جلدية حاكة مزمنة ومعندة استمر سيرها لبضع سنوات وذلك بحقن محلول عسلي مصفى من غروياته في الوريد _ حقنة واحدة يومياً _، منها حالات أكزمائية وأكالات وحالات من التأتب الجلدي. كما أكد شيرم مقدرة المحلول العسلي على التهدئة السريعة وإيقاف الحكة على اختلاف منشئها عند المرضى الجلديين.
العسل والعلاج التجميلي:
في مراجعتنا لكتاب القانون لابن سينا نجد عدداً من الوصفات التجميلية التي يعتبر العسل أبرز ما فيها من مواد. وفي الوقت الحاضر فإن كميات هائلة من العسل وشمعه تستهلك في تحضير العديد من مستحضرات التجميل الرائعة من صوابين وشامبو وكريمات وغيرها.و ينصح كارتاميشف [عن كتابه (المعالجة التجميلية للجلد) صدر في موسكو بالروسية: 1967] ذوي البشرة الجافة بوضع قناع عسلي لمدة 20 دقيقة _ عسل 50 غ، دقيق القمح 30 غ، ماء 20 غ _. أما كولغونينكا فتنصح ذوي البشرة الجافة والمتجعدة بتطبيق قناع عسلي مع صفار البيض _ ملعقة شاي من العسل + صفار بيضة واحدة + ملعقة شاي من زيت نباتي _.
و يرى إيوريش Ioyrish أن أقنعة العسل تعتبر من أفضل وسائل العلاج التجميلي، فالعسل لا يطري الجلد فحسب، لكنه ينظفه ويغذيه، وذلك لأنه يغني أليافه العضلية الملس بمولد سكر العنب Glucogen الضروري لحركتها ومرونتها كما أنه مطهر للبشرة من الجراثيم. ويؤكد تونزلي Tonsley فضل العسل للوقاية من اضطربات البشرة نتيجة الإكثار من استعمال مواد الزينة المختلفة _ الماكياج _. وينصح من أجل حفظ الشعر قوياً لامعاً: يمزج 4 مقادير من العسل مع مقدارين من زيت الزيتون يدعك بها الشعر ثم يعرض على الحرارة قريباً من الموقد أو تحت مصفف الشعر الكهربائي لمدة نصف ساعة، تكرر مرة أو مرتين كل شهر.
ونحن ننصح بإدخال العسل بنسبة 20 % مع أوكسيد الزنك والكالامينا والفازلين واللانولين لصنع مرهم لربات البيوت لمعالجة جفاف اليدين وخشونتها وتشقق البشرة نتيجة الإكثار من استعمال الصوابين والمنظفات، حيث يؤدي إلى نتائج ممتازة.
و تورد ماريا لوبنتو بعض الوصفات التجميلية، فمن أجل معالجة الكلف والنمش: تؤخذ 6 ملاعق من عسل الحمضيات مع ملعقة من الغليسرين وأخرى من الغول الطبي ومن عصير الليمون _ تمزج تباعاً في إناء على بخار ماء مغلي حتى تمتزج بشكل كامل _. وتصف الصيغة التالية لكريم مطهر للوجه: مقدار من اللانولين، مقدار من عصير الليمون، نصف مقدار من زيت الزيتون، مقدار من ماء الورد و3 مقادير من العسل.
أما لمعالجة تشققات الشفتين وقشب _ قشف _ اليدين فتصف مزيجاً متعادلاً من العسل وماء الكولونيا وعصير الليمون بنسبة الثلث من كل عنصر.
و من هنا نرى ما لأقنعة العسل والمراهم المحتوية عليه من تأثير ممتاز على الجلد، فهي تنشطه وتطريه، فتعطيه بذلك النضارة والحيوية والنعومة، وتخفف من تجعداته فتعيد بذلك إليه رونقه وشبابه.
الاستشفاء بالعسل في أمراض العين:
ذكر المقريزي أن الصحابي عوف بن مالك الأشجعي كان يكتحل بالعسل ويداوي به كلَّ سقم. وأوضح ابن سينا فعله المشَفِّف في كثافات القرنية. ويعالج بالعسل صرفاً التهاب حواف الأجفان والتهابات القرنية وتقرحاتها حيث يعطي نتائج باهرة _ ميخائيلوف، بلوتنيفا _. وطبق أوساولكو [عن مجلة أمراض العين السوفياتية _ موسكو العدد 3 لعام 1953] العسل كسواغ في مرهم السولفيدين من 3 % عوضاً عن السواغ الفازليني، وشملت مشاهداته حالات من التهاب القرنية السلية والإفرنجية حيث تراجع الارتشاح العكر وزادت الرؤية كما حصل على نتائج جيدة في معالجة التراخوما وحروق القرنية بالجير _ الكلس _. وينبه أوساولكو أنه لا يجوز غلي العسل عند تحضير المراهم العسلية لئلا يفقد العسل خمائره وفيتاميناته التي فيها سرٌّ من أسرار قوته العلاجية.
أما روزنشتاين [عن رسالة خاصة منه (من مشفى أوديسا) في تشرين الثاني: 1969] فيؤكد أن الندبات التي تخلفها قرحات القرنية وحروقها عند استعمال العسل أكثر نعومة وألطف من تلك الندبات حين تطبيق العلاجات الأخرى.
أما ماكوخينا فتؤكد أنه معالجة حروق العين بالعسل طريقة تعتمد على إصلاح استقلاب سكر العنب في القرنية بعد الحروق وما ينجم عنه من تشوهات اغتذائية كما تساعد على الوقاية من الانتان الثانوي والانسمام الذاتي في المستقبل. وهي تستخدم العسل موضعياً ممزوجاً كقطرة أو مرهم مع ألبوسيد الصوديوم _ 15 % _ حيث يطبق المرهم قبل النوم أما القطرة فتطبق مرة كل 30 دقيقة في اليوم الأول ثم مرة كل ساعة في اليوم الثاني ثم مرة كل ساعتين بعد ذلك حتى الشفاء.
و ينبه أوساولكو إلى أن بعض المرضى يبدون تفاعلاً موضعياً من احمرار ودماع عند تطبيق العسل، إلا أنها مؤقتة ولا تمنع من إتمام المعالجة إلا في حالات نادرة. وتؤكد بيلتوكوفا فائدة العسل _ قطرة العسل مع الديونين أو مع ألبوسيد الصوديوم _ ومراهمه في معالجة التهابات وتقرحات القرنية وحروقها، وترى أن العسل هنا يعتبر عاملاً منشطاً لعمليات الاستقلاب وإعادة التعمير الخلوي Regeneration في نسج القرنية.
و يطبق ماكسيمنكو العسل صرفاً في حروق العين [مقالة (العسل في حروق العين) عن كتاب (الحروق ومعالجتها والوقاية منها) موسكو: 1968] حيث أكد من منعه لحصول الانتان الثانوي وبيّن أنه ينطلق من العسل مجموعة من السكاكر والخمائر وعناصر مجهرية تعتبر عاملاً فعالاً في عودة الأفعال الاستقلابية إلى حالتها الطبيعية.
و نشر كل من ماكسيمنكو وبالوتبنا بحثاً عن كمعالجة قصر البصر عند الأطفال بالعسل بتطبيقه موضعياً خلف الجفن السفلي مشركة مع تطبيقه بالتشريد الكهربائي _ من 20 - 40 جلسة _ وإعطائه داخلاً إلى الطفل المصاب _ 40 غراماً يومياً _. وقد جزم المؤلفان بأن معظم الأطفال المعالجين شعروا بتحسن ملحوظ حيث خفت شكوى الطفل من تعب العينين عقب القراءة أو الكتابة ومع نهاية الدورة العلاجية تحسنت قوة الرؤية بنسبة 1 / 10 _ 2 / 10 بنفس التصحيح.
و أعطى العسل نتائج مقبولة لمعالجة آفات شبكية العين المتعلقة باضطراب الدوران الدموي للعين حيث طبق صرفاً 3 - 4 مرات باليوم مع استراحة 4 أيام كل 10 أيام. كما طبق محلول العسل بالتشريد الكهربائي بواسطة القطبين على التوالي لمدة 7 _ 8 دقائق يومياً ولمدة 20 - 40 يوماً.تكرر هذه السلسلة العلاجية 2 - 3 مرات في السنة. كما حقن البعض بمستحضر M2 Woelm _ محلول عسلي 20 % مصفى من غروياته ومجهز للحقن الوريدي _ كل 2 - 3 أيام حقنة، وبمجموع من 20 _ 40 حقنة.
و قد تحسنت حالة الدورة للعين عند المعالجين. وتم ارتشاف الدم النازف في الشبكة والجسم الزجاجي وازدادت وازدادت القدرة البصرية إلى حدّ كبير [عن كتاب (مجموعة أعمال أومسك) 1976 - بالروسية.
الاستشفاء بالعسل في أمراض الهضم:
ذكرنا كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي المصاب بفساد الأمعاء والإسهال بسقيه العسل. وتؤكد المشاهدات السريرية حسن تأثير العسل على عمليات الهضم. ويرى نوسباومر أن العسل يكافح الإمساك بشكل فعال لتأثيره الجيد على الحركة الحوّية للأمعاء والتي يعزوها ماير لما في العسل من مواد عطرية طيارة. ويضيف بيريز بأن الحموض العضوية في العسل تؤثر على جراثيم الأمعاء وتمنع التخمر. كما أن للخمائر الموجودة فيه أثر لا ينكر على سير عمليات الهضم وانتظامها. وقد عالج لوديانسكي المصابين بالإمساك التشنجي بإعطائهم ملعقتي عسل كبيرتين يومياً ولمدة 3 شهور.
و تشير الأبحاث السريرية أنه في نفس الوقت الذي يؤدي فيه العسل عند ذوي الحموضة المرتفعة إلى نقص هذه الحموضة، فإن تناوله من قبل أشخاص مصابين بانعدام هذه الحموضة أو نقصها الكبير يستدعي عندهم زيادة معتدلة في الحموضة العامة للعصارة المعدية. ومن هنا نفهم الدور الحقيقي لمحاليل العسل كعامل للحموضة المعدية.
و العسل أفضل علاج للقرحة المعدية والعفجية [عن إيوريش (النحلات صيدلانيات مجنحة) 1966] _ خوتكينا، موللر _ وله عليها تأثير مضاعف. فهو يؤدي بتماسه مع الغشاء المخاطي المتقرح إلى التئامه، كما أنه يعدل الحموضة المعدية ويضبط إفرازاتها ويكافح حس اللذع والفواع ويقضي على الألم القرحي. وينصح المقروحون بتناول العسل محلول في حليب دافئ (أو بمغلي النعناع أو البابونج) قبل الطعام بساعة ونصف - ساعتين وبعد العشاء بـ 3 ساعات على 3 وجبات وبمقدار من 30 - 40 غ للوجبة الواحدة. وتعطى محاليل العسل الباردة لمعالجة نقص الحموضة المعدية وذلك قبل الطعام مباشرة وبنفس المقادير العلاجية.
و في دراسة تجريبية على الفئران قام بها الدكاترة أبو الطيب محمد علي وزملاؤه [قام بالدراسة أساتذة قسم الصيدلة بكلية الطب في جامعة الملك سعود في الرياض ونشرته بالإنكليزية المجلة الطبية السعودية _ تموز: 1990] أثبتوا فيها أن العسل إذا ما أعطي مع العلاجات المقرحة _ كأدوية الروماتيزم: الأندوميتاسين _ أو قبل تناولها فإنه يحمي من التقرح المحدث بالأندوميتاسين ويمنع حدوثه. وهذا يعني أن العسل قد يكون معادلاً لتصنيع البروستاغلاندين المانع لتخريش الأندوميتاسين.
و هذا يؤكد وجود عامل مضاد للتقرح ضمن مكونات العسل. هذا العامل قد يكون بسبب تغير نسبة الحموضة والقلوية في المحتوى المعدي: إما بمنع الإفراز الحامضي، أو بتنشيط آلية إفراز الفحمات الثنائية في المعدة.
و العسل علاج ممتاز للمصابين بالتلبكات المتنوعة في جهازهم الهضمي [عن كتاب (منتجات النحالة واستعمالاتها) 1976 - بالروسية] وخاصة العصبية المنشأ، أو بسبب اضطراب في إفراز العصارة المعدية وفي معالجة الانتانات المعوية وخاصة عند الأطفال. وبالنسبة لمعالجة الاضطرابات المعوية إن العسل يؤهب لزيادة عصارات الأمعاء وإلى زيادة قلويتها، كما أننا نحصل بتناول العسل على تنظيم جيد لحركة السبيل الهضمي وإفرازاته.
العسل والكبد:
تعمل السكاكر الأحادية في العسل على زيادة احتياطي الكبد من الغلوكوجين وتحسن الأفعال الاغتذائية في كافة نسج البدن، فتزيد من خاصية الكبد الدفاعية وفي تصفية السموم والذيفانات الجرثومية. كما يعتبر العسل اليوم العلاج الأمثل في أمراض الكبد وخاصة التهاب الكبد الانتاني _ مياسنيكوف، ستامبوليو، شيرم _ وخاصة بعد مزجه بقليل من غبار الطلع والغذاء الملكي. ويؤكد كوخ حسن تأثير العسل على وظائف الكبد عموماً وتنشيط استقلاب السكاكر فيه وذلك لوجود عامل نوعي في العسل دعاه بالعامل الغليكوتيلي.
الاستشفاء بالعسل في أمراض الأنف والأذن والحنجرة:
يمكن لأي مصاب بالنزلات الشعبية من كريب وأنفلونزا ورشح أن يعتمد على العسل كلياً من أجل الشفاء ويكفي لذلك تناول كوب من الحليب الدافئ أو الشاي أو عير الليمون محلى بملعقة كبيرة من العسل. ويؤكد شوفان تأثير العسل كمخفض للحرارة لوجود الحموض العضوية فيه. ويعالج التهاب اللوزتين المزمن بدهنها بالعسل مرتين في اليوم ولمدة من 1 - 2 أسبوع [عن مجلة أمراض الأنف والأذن والحنجرة السوفياتية العدد 3 لعام 1965] _ Gold , Yofa , Stolt _ ويفضل إجراء غرغرة بماء فاتر قبل الدهن.
و تعالج التهابات الطرق التنفسية العليا وضموراتها بالتبخيرات أو المستنشقات لبخار يحوي رذاذ العسل Inhalation حيث تعطي نتائج جيدة _ كيزل شتاين , بور كشيان , بايان _ حيث يستعمل محلول عسلي للإرذاذ _ بنسبة 20 - 30 % _. ويعالج [عن كتاب (مباحث في الطب النظري والعملي) روستوف: 1969 _ بالروسية] دوروشنكو التهاب الأنف النتن Ozaena بدكّ الأنف بفتائل قطنية مغمسة بالعسل، أو على قطرة لمحلوله الطازج _ 15 - 20 % _ مع البنزوكائين 2 % والديمدرول 1 % _ مضاد هستاميني _. كما يؤكد ملادينوف النتائج الحسنة لمعالجة التهابات الأنف الحادة المزمنة التهاب الحنجرة والبلعوم بالعسل. ويستخدم J. Riedel مستحضر البركوبين _ يتكون من محلول عسلي مصفى 20 % + بروكائين 2 % _ حقناً موضعياً لمعالجة المصابين بالتهاب ضمورية ومزمنة في الأنف والبلعوم حيث حصل على نسبة عالية من الشفاء بعد حقنتين أو ثلاث حقن فقط من البروكوبين _ تحقن تحت الغشاء المخاطي في الطرف الأنسي للجذع البلعومي الجانبي.
و لمعالجة التهاب الجيوب ينصح سيسيل تونزلي بمضغ ما يملأ الفم من قرص عسلي _ بشمعه _ خلال ربع ساعة وطرح ما يتبقى منه، وتكرر هذه العملية 4 - 6 مرات في اليوم، حيث يبدأ الانفتاح في المجرى الأنفي وتزول الآلام بسرعة مدهشة. أما شانتورف فيعالج التهاب الجيوب المزمن بإحدى طريقتين: إما ببزل الجيب الفكي ثم غسله بمصل غريزي ثم حقن العسل داخله _ مرة واحدة كل 3 أيام _ أو إدخال العسل بواسطة التشريد الكهربائي لمحاليله _ 10 - 20 % _ عن طريق الغشاء المخاطي لباطن الأنف _ وبمجموع 10 جلسات تشريد _. ويرى شانتورف أن التأثير العلاجي للعسل يمكن اعتباره تأثيراً معقداً تشترك فيه كل مكونات العسل من مواد مضادة للجراثيم وهرمونات وفيتامينات وسكاكر مركزة وعناصر مجهرية وسواها.
أما دوروشنكو فيعالج التهاب الجيوب الحاد والمزمن بإرذاذ محاليل العسل Aerosol _ 30 % _ أو بتطبيق محاليله بالتشريد الكهربائي بعد أن يضاف إليها مضاد هستاميني مناسب.
كما يعالج التهابات البلعوم والحنجرة الحادة والمزمنة بالمستنشقات العسلية، ودهن البلعوم بالعسل وإعطائه داخلياً لهم _ 100 غ يومياً _.
معالجة أمراض الفم بالعسل:
للعسل فائدة عظيمة في معالجة التقرحات المختلفة للأغشية المخاطية للفم، وفي معالجة القلاع ولتهاب الفم بتطبيقه صرفاً بعد الطعام _ 3 مرات يومياً _ أو بعد مزجه مع الغليسرين والبوراكس _فبدجس Dorland , Stedman , Osann _ ويوصي سينغ بدعك الأسنان بالعسل ممزوجاً مع مسحوق الفحم الطبي لتصبح بيضاء كالثلج. كما يوصي الدكتور ظافر العطار [عن مقالة (العسل كعلاج في طب الأسنان) دكتور ظافر العطار _ مجلة طبيبك , تشرين أول لعام 1982] باستعمال العسل كمادة منظفة فعالة في مداواة الأقنية السنيّة.
الاستشفاء بالعسل في مداواة الجهاز التنفسي:
إنّ الشراب المحضر من العسل يمتص الرطوبة ويهدئ السعال _ أبو قراط _. ويعتبره إيوريش علاجاً مساعداً لمعالجة السلّ الرئوي لأنه يزيد من مقاومة العضوية للانتان السلّي.
و تؤكد أبحاث ملادينوف وزايس وفيليبس: فائدة العسل لمعالجة الالتهابات القصبية والحنجرية البلعومية وفي معالجة السعال الديكي. ويعزو فرانكه وتربين فائدة العسل هنا لوجود الزيوت الطيارة التي تعمل على تنبيه القصبات وتقلصها إلى جانب تأثيره المضاد للجراثيم. وينصح كيزل شتاين بتطبيق العسل ارذاذاً على شكل حلالة هوائية لمعالجة آفات الرئتين والقصبات الالتهابية.
معالجة فقر الدم بالعسل:
تجمع الأبحاث الطبية كافة من تجريبية وسريرية _ Golomb إيوريش، خوتكينا، فراون فلدو _ على اعتبار عسل النحل من أهم العوامل فعالية في معالجة الأنواع المختلفة من فقر الدم Anemia فالأطباء _ من كل الاختصاصات _ الذين عالجوا مرضاهم بالعسل لاحظوا أثره الممتاز على زيادة الكريات الحمراء وارتفاع نسبة الخضاب في دماء أولئك المرضى
و لاحظ Palmes أن العسل الغامق أكثر فعالية في هذا المجال من العسل الفاتح وذلك لغنى الأول بالعناصر المعدنية وخاصة الحديدي والنحاس والمنغنيز. أما إيوريش فيعزو ذلك لاحتواء العسل على نسبة من حمض الفوليك تلعب دوراً أساسياً في التصنيع البروتيني ولا سيما في تكوين الدم.
الاستشفاء بالعسل في أمراض القلب:
[عن مقالة للدكتور محمد وليد القوتلي، مجلة حضارة الإسلام، تشرين أول لعام 1972]
يقدم العسل في آفات القلب المختلفة خدمة ثمينة لعضلة القلب الواهنة فهو يوسع الأوعية الإكليلية ويزيد من تروية العضلة القلبية. وإذا كان بالإمكان الحفاظ على تقلصات قلب الضفدع المعزول في محلول سكر العنب فإن هذه التقلصات القلبية تكون أشد قوة وأثر انتظاماً عند استخدام محلول العسل.
و يقبل العالم كوخ بوجود عامل نوعي خاص في العسل دعاه بعامل الغليكوتيل يقوم بتأمين استخدام أفضل السكاكر من قبل عضلة القلب وعضلات الجسم الأخرى. وفعالية هذا العامل تحسن الدورة الدموية الإكليلية وتعدل الضغط الدموي كما أن له فعلاً منظماً لخوارج الانقباض غير المنتظمة. أما ايريخ بوهم E. Bohm فيرى أن مشاركة مركبات الستروفانتين بالعسل أمر ضروري عند معالجة المرضى المصابين بالآفات القلبية الحادة والمزمنة. ويوصي ميتز Metz باستعمال محلول العسل الوريدي _ 20 % - مشركاً من الستروفانتين لمعالجة التهاب العضلة القلبية التسممية والقصور التاجي.
و يلخص شيمرت استطبابات المعالجة بالعسل في الحلالات التالية:
1. جميع حالات القصور التاجي ويشرك مع الديجيتالين في الحالات الخطرة.
2. التهاب عضلة القلب مع تغير النظم وخاصة التالي للدفتريا.
3. يعطى كعلاج مساعد عند إعطاء الهتروزيدات.
4. عقب العمليات الجراحية كمنعش قلبي.
و يعالج أوخوتسكي فرط التوتر الشرياني بإعطاء ملعقة كبيرة قبل كل طعام من مزيج من العسل والتوت البرّي، أما ملادينوف فيعالجه بملعقة متوسطة قبل الطعام بساعة من مزيج متساوٍ من العسل وعصير الفجل مضافاً إليه عصير ليمونة واحدة.
العسل وأمراض الكليتين:
إنّ للعسل قيمة علاجية كبرى في أمراض الكليتين. واقترحه كثير من المؤلفين كمادة أساسية في قوام الحمية عند المصابين بآفة كلوية. وشاركه البعض مع أدوية نباتية كثمار السويتبري _ 15 غ لكل نصف ليتر ماء _ وعصير الفجل _ 2 - 1 _ واقترح بعضهم مشاركته مع زيت الزيتون وعصير الليمون بنسب متساوية حيث تؤخذ ملعقة كبيرة من المزيج 3 مرات يومياً لطرح الرمال البولية.
و نظراً لأن العسل ينظم انتقال الشوارد والماء عبر الأغشية الحيوية ويساعد على ضبط التوازن الحلولي بين الدم والأنسجة فإنه يوصف بنجاح كمدر للبول عند المصابين بقصور القلب أو الكليتين وانحباس السوائل في البدن. هذا ويجب استعمال العسل في أمراض القلب والكلية تحت إشراف طبيب اختصاصي يحدد استطباباته ويحدد مشاركته مع الأدوية النوعية الأخرى.
الاستشفاء بالعسل في أمراض الجهاز العصبي:
تبين المشاهدات السريرية الحديثة أن محاليل سكر العنب المفرطة التوتر تعطي نتائج ممتازة في العديد من الأمراض العصبية، وما العسل إلاَّ محلولاً سكرياً مفرط التوتر علاوة على احتوائه على مواد أخرى فعالة. فقد بين بوغوليبوف وكيسيليفا التأثير الرائع للعسل لمعالجة داء الرقص Chorea. وطبق لوديانسكي [عن مجلة النحالة _ العدد 12 لعام 1976 _ موسكو] محاليل العسل بالتشريد الكهربائي _ بنسبة 10 % يوضع على كلا قطبي التشريد _ وذلك لمعالجة المصابين بالوهن العصبي _ توضع الأقطاب على منطقة الرقبة _ ز التهاب العظم والغضروف _ توضع الأقطاب على المنطقة قرب الفقارية _ في سلسلة علاجية من 10 - 15 جلسة.
كما ينصح بتطبيق كمادات مغمسة بمحاليل عسلية للمصابين بتناذرات ألمية _ التهاب عظم وغضروف، التهاب مفاصل متعدد،...._
و ينصح كل من إيوريش ولوديانسكي وتساندر وأولدفيلد بتناول محلول العسل في ماء دافئ _ كأس كبير من الماء محلى بملعقة كبيرة من العسل _ قبل النوم كمادة مهدئة ومضادة للأرق للمهتاجين والعصبيين والمنهكين.
و يعالج نوفوسلسكي المصابين باللمباجو Lumbago بحقن محلول العسل مع البركائين حيث أعطت نتائج باهرة [استعمل مستحضر MYO , melcaine الذي تنتجه شركة Woelm الألمانية ويتكون من 0.1 غ بروكائين محلولة في 10 سم 3 من محلول عسلي بنسبة 20 %] وكان يسميها (الطريقة السريعة لمعالجة اللمباجو). وكان يحقن مستحضر الميوملكائين العسلي موضعياً في منطقة الألم حقنة واحدة كل يوم أو يومين ويتبع الحقن تدفئة المنطقة بالقوس الكهربائية لمدة 15 - 30 دقيقة، ويحتاج الأمر للشفاء من 3 - 6 حقن حسب شدة الإصابة. وقد عالج الدكتور أمين الرويحة بهذا المستحضر بنجاح حالات معندة من عرق الأنسر _ التهاب العصب الوركي _ كما أكد فائدته لمعالجة اللمباجو.
الاستشفاء بالعسل في الأمراض العقلية:
تؤكد الأبحاث السريرية التي أجراها برونو أن الأنسجة تستعمل محاليل العسل بشكل يفوق استعمالها لسكر العنب ولو تساوت الكثافة بينهما وهذا مهم جداً للمعنيين بالأمراض العقلية. ويؤكد كولومباتي أن الاستيقاظ والتنبه من الاستغراق بشكل سريع بفعل محلول العسل إنما هو نتيجة للتمثل الأفضل على مستوى الجملة العصبية المركزية. وقد أجريت الاختبارات بحقن محلول عسلي بنسبة 40 % مجهز للحقن الوريدي وخضع للاختبار مصابون بآفات مختلفة منها خناق الصدر والصرع البطني ومصابون بالوهن العصبي والوسواس، والهوس النفسي الهمودي _ الكآبة _، كما تم معالجة حالات فصامية من ازدواج الشخصية. ويخلص برونو بتزي بنتيجة دراسته إلى النتائج التالية:
1. إن المصابين بالأمراض العقلية يعانون من أوضاع معقدة، وإن المعالجة بالصدمات والمنومات لا تزيل كل الأعراض بل يتطلب كل مريض معالجات إضافية تناسب حالته...
2. ومن المؤكد أن إعطاء محاليل سكر العنب مع الفيتامينات أدى إلى نتائج جيدة في عدد من هذه الاضطربات. أما اليوم فإن محلول العسل المحقون وريدياً يشكل تتويجاً واتقاناً لهذه الصيغة الطبية...
3. يؤكد كولومباتي المفعول السريع لهذه الحقن للحصول على اليقظة من السبات وبالنتائج القيمة لهذه المعالجة، وأن الأعراض الصدرية - القلبية والهياج العصبي وبعد الاضطربات المتبقية بعد المعالجات العقلية المتعددة تجد لها بحقن محاليل العسل طريقة مفيدة للاستعمال في هذا الميدان.
و يعالج مارتنس لارس المخمورين بإعطائهم 125 غ من العسل حيث يصحو المريض بعد نصف ساعة ويبدو على ما يرام دون عواقب مزعجة وتؤكد كالافيني وبرونوبتزي [يستعمل الطبيبان المذكوران حقت محلول العسل المصفى _ 40 % _ والمجهز للحقن الوريدي من إنتاج شركة ألفا الإيطالية] النتائج الرائعة للعسل في معالجة الانسمام الغولي الحاد والاعتياد الغولي والمورفيني المزمنين، ,هذا تابع لعدة عوامل منها الهدم السريع الكيميائي للغول بواسطة سكر الفواكه وتأثير مجموعة الفيتامين " ب " التي تؤكسد الفضلات الغولية وتمنع احتراقها.
الاستشفاء بالعسل بالأمراض النسائية:
تعنو أقياء الحمل المعندة بنجاح للمعالجة بحقن محلول الملكائين العسلي [الملكائين مستحضر لمعمل I. C. N. Woelm حقناً بطيئاً للغاية في وريد المريضة وهي مضجعة. وقد حصل الشفاء في معظم الحالات المعالجة بعد الحقنة الثانية أو الثالثة _ هيرمن غينسل _
أما الدكتور منك Mink فقد عالج أقياء الحمل بنجاح بحقن مستحضر Impletol العسلي في جانبي الرباط العريض _ على جانبي عنق الرحم وفي الرباطين الرحميين العجزيين _
و من أجل الولادة بدون ألم كان برونو يستعمل الحقن الوريدية العسلية 40 %، ويفسر ذلك بأن العسل يساعد الألياف الرحمية على القيام بالتقلصات اللازمة بسهولة.
و يعتبر العسل مادة قاتلة للدويبات المشعرة Trichomonas ومن أجل هذا فقد عالج كل من تومينغ - رينتام وجورافليفا المصابات بالتهاب المهبل بهذا الطفيلي بدهن المهبل وعنق الرحم عندهن بالعسل لمدة 6 أيام على التوالي، وقد دلّ الفحص المخبري على انعدام وجود الدويبات وكل الجراثيم من مفرزات المهبل اعتباراً من اليوم الثالث للمعالجة وفي الحالات الحادة يجب تحضير المريضة قبل تطبيق العسل بإجراء غسولات بمغلي البابونج حتى تخمد الأعراض الحادة ثم نبدأ بتطبيق العسل.
أما الدكتور ش. رونهوف Rhonhof فقد طبق العسل في معالجة حالات معندة من الحكة الفرجية بالخاصة عند نساء مسنّات كنَّ يشكين من حكة مضنية رافقها ضمور في الفرج لم تفلح فيها كل العلاجات المعروفة وحصل على نتائج ممتازة ثبت له فيها الأثر المهدئ للعسل على حس الحكة.
كما نجح بولمان بجدارة في الإسراع بشفاء الجروح عقب عملية استئصال الفرج بتطبيق العسل كضماد يغير يومياً وكيف استطاع أن يغير من إنذار تلك العمليات وسيرها بواسطة العسل، كما قام كل من كافانا وبيزلي بدراسة عن خواص العسل العلاجية حيث طبقا العسل الصافي عند 12 مريضة أصبن بتهتك في جرح العملية عقب استئصال سرطان الفرج، وكان العسل يصب مرتين كل يوم على الجرح ثم يغطى بالشاش دون ضغط. وقد اكد المؤلفان فضل العسل على كثير من المراهم الأخرى نظراً للسرعة التي يتم بها ترميم تلك الجروح.
العسل والالتهابات البولية:
إن التهاب الاحليل بالدويبات المشعرة Trichomonas يعنو بنجاح للمعالجة بالعسل _ خوبلاروف، لوره، شكليار Shkliar _ حيث يحقن موضعياً في الاحليل محلول العسل 50 % ممدداً بمحلول النوفوكائين 0.5 %، يبقى ضمن الاحليل لمدة 3 دقائق ويمنع من التبول بعدها لمدة 3 ساعات وتكرر لمدة 4 - 5 أيام. وإن المعالجة الموضعية بالعسل لا يجوز أن تبدأ في الحالات الحادة إلا بعد خمود الأعراض الحادة بإعطاء المضادات الحيوية لمعالجة الانتان المرافق. كما يمكن إشراكها مع المعالجات العامة والمناعية في الحالات المعندة حيث تعطى نتائج طيبة. وطبق كابلون Kaplun المحلول العسلي المذكور لمعالجة التهاب المثانة الحاد بحقنة ضمنها عن طريق الاحليل إلا أنه يرى أن نسبة العسل 33 % تكون كافية للشفاء وأعطت نتائج ممتازة.
و تحت إشراف الدكتور فاهم عبد الرحيم تمَّت معالجة 40 مصاباً بتقرحات مزمنة في المثانة بسبب البلهارسيا وذلك بإعطاء المريض ملعقة كبيرة يومياً، حيث زالت الحرقة بعد أسبوعين عند 44 % من الحالات وتراجعت البيلة الدموية واختفت التقرحات في 56 % من
الحالات [عن كتاب (الطب النبوي في ضوء العلم الحديث) للدكتور غياث الأحمد].
حقن العسل عقب العمليات الجراحية:
أثبتت تجارب شفا يفرز أن إعطاء المصول الملحية بشكل روتيني بعد كل عمل جراحي قد يؤدي إلى توذم الأنسجة مما يسيء إلى نتائج العملية ولذا فقد لجأ العلماء إلى استعمال المصول السكرية معادلة التوتر فهي تعوض عن نقص السوائل وتؤمن للجسم حاجته من الغلوكوجين والتي ثبت أن مقدارها يقل بعد العمليات الجراحية الكبيرة. ونظراً لأن بناء الغلوكوجين في الكبد _ كما أثبت كوخ _ يزيد 68 % بالنسبة للعسل عنه نسبة لسكر العنب فقد طبق بنجاح حقن المحاليل العسلية المعادلة التوتر بعد العمليات الجراحية وخاصة المجراة على الطرق الصفراوية، وأكد أن ميزاتها تفوق أي علاج آخر بدرجة كبيرة حيث تتحسن الحالة العامة للمرضى بشكل سريع ومدهش.
و يؤكد إيوريش هذه النتائج الحسنة لحقن العسل عقب العمليات الجراحية كما انه ينصح كافة المرضى المبضوعين والقادرين على تناول طعامهم الإكثار من تناول العسل على شكل محاليل دافئة، كما يعتبر المحاليل العسلية العلاج الأمثل عقب العمليات المجراة على الفكين حيث لا يستطيع المرضى مضغ الطعام لفترة طويلة. فهو غذاء ودواء يبقي جوف الفم بحالة عقيمة تمنع الانتان الثانوي وتساعد على ترميم الجراح.
و يطبق أوخوتسكي العسل على شكل كمادات موضعية لمعالجة دوالي الساقين والتهابات الوريد الخثرية، حيث تغمس قطع الشاش بمحلول عسلي _ 10 - 20 % _ وتطبق فوق مكان الإصابة ويمكن أن تشرك بالتشريد الكهربائي لذلك المحلول. أما البواسير فيعالجها بالدهن بالعسل مباشرة وصرفاً مشركاً مع إعطائه للمريض داخلاً.
و في الختام وبعدما شاهدنا نجاح المعالجة بالعسل في مجالات كثيرة مع تواصل البحث عن مجالات أخرى، فإنه يحق لنا أن نذكر بالإعجاز القرآني الذي جاء عن العسل والذي وصفته آية النحل بأنه {فيه شفاء للناس} وصدق الله العظيم.
مراجع البحث
1. ابن حجر العسقلاني: عن كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري).
2. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
3. أمين رويحة: عن مقالة (حقن العسل في المعالجة السريعة للروماتيزم) مجلة دنيا العلم، بيروت.
4. صادق فرعون: عن مقالة (المعالجة بالعسل في الأمراض النسائية) مجلة طبيبك _ تشرين أول: 1971.
5. ظافر العطار: عن مقالة (العسل كعلاج في طب الأسنان) مجلة طبيبك _ تشرين أول: 1982.
6. محمد أسامة القوتلي وظافر العطار: عن مقالة (عسل النحل وأثره الشافي في الحروق) مجلة عالم الطب والصيدلة _ تشرين أول: 1987.
7. محمد أسامة القوتلي وظافر العطار: عن مقالة (معالجة التقرحات التوسدية بالعسل) مجلة عالم الطب والصيدلة _ شباط: 1986.
8. عبد الكريم نجيب خطيب: عن كتابه (عسل النحل شفاء نزل به الوحي) جدة: 1974.
9. محمد نزار الدقر: عن كتابه (العسل فيه شفاء للناس) الطبعة 3 _ 1992.
10. غياث حسن الأحمد: عن كتابه (الطب النبوي في ضوء العلم الحديث) الجزء 1 دار المعاجم دمشق: 1993.
11. إيوريش: عن كتابه (النحل والطب) بالروسية، طشقند: 1974.
12. ملادنيوف: عن كتابه (العسل والمعالجة بالعسل) بالروسية، صوفيا: 1971.
13. أوخوتسكي: عن مقالة (العسل ينبوع الصحة) موسكو، مجلة النحالة، العدد 7 لعام 1977.
14. لوديانسكي: عن مقالة (العسل في مداواة الأمراض العصبية) موسكو، مجلة النحالة العدد 12 لعام 1976.
15. Beak and Smedley: " Hony and your health " New-York , 1971.
16. Crane Eva " Hony" Bee Briit. Assisition, London , 1975
17. Haffe jee and Moosa: " Brit. Med. journal , june 1985.
18. Ioyrish N. " Bees and People "Mir Pub. Moscow , 1974.
19. Tonsley C. " Hony for health" Tanden. London , 1969.
20. Berlando: "Giornale le Italiano: Dermat. Minerva , Oct. 1978.
21. Chauvin R. " Traite de Biologie de l Abeille " 1968.
22. Caillas A: "les3 Aliments miracles , le miel, le Pollen , le gel Royale 22. Kilian , Topiash: " Deut. Z. F. verd , U. vol. 13 , Stoffwech selk , leipzing 1953.
وجنات من أعناب
قال تعالى: {فأنبتنا فيها حبّاً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً} [سورة عبس: 28].
و قال تعالى: {و من النخل من طلعها قنوانٌ دانيةٌ وجناتٍ من أعناب} [سورة الأنعام: 99]. وقال تعالى: {ينبتٌ لكم به الزرعَ والزيتونَ والنخيلَ والأعناب} [سورة النحل: 11].
و قال تعالى: {و في الأرض قطعٌ متجاوراتٌ ز جناتٌ من أعناب} [سورة الرعد: 4]
و قال تعالى: {و جعلنا فيها جناتٍ من نخيلٍ وأعناب} [سورة يس: 34].
وقال تعالى: {إن للمتقين مفازاً حدائق وأعناباً} [سورة النبأ: 32].
ذكر الله سبحانه وتعالى العنب، في أحد عشر موضعاً من كتابه الكريم، وذلك في معرض تعداده للنعم التي أنعم الله وامتن على عباده بها، سواء في هذه الدار أو في جنة الخلد التي وعد المتقون.
قال ابن القيم: عن العنب: أنه من أفضل الفواكه وأكثرها منافع. هو فاكهة من الفواكه، وقوت مع الأقوات ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة. ومنفعته: يسهل الطبع ويسمن ويغذو جيده غذاءً حسناً _ ومجففه الزبيب _ وأجود الزبيب ما كبر جسمه وسمن شحمه ولحمه ورق قشره، وهو يغذي غذاءً صالحاً. وإذا أكل منه بعجمه كان أكثر نفعاً للمعدة والكبد والطحال. وإذا ألصق لحمه على الأظافير المتحركة أسرع قلعها وهو يخصب الكبد، ونافع من وجع الحلق والصدر والرئة والكلى والمثانة ...
أما ابن البيطار فيقول عن العنب أنه: أجوده الكبار الرقيق القشر، القليل البذر، والأحمر أعدل وهو أشهى الفاكهة وأجودها غذاء يسمن سمناً عظيماً، يصلح الهزال ويصفي الدم وهو جيد للمعدة، ينهض الشهوة ويصلح للمرضى ويقوي القلب. والحصرم غض العنب ومن فوائده أنه: نافع لنفث الدم العارض وشرابه قابض، مقوٍ للمعدة، نافع لمن عسر هضمه للطعام ولمن به قولنج. ويستعان بشراب الحصرم على تلطيف الحرارة وقطع العطش وتليين البطن.
و العنب Grapes شجيرات من الفصيلة الكرمية تدعى بالدوالي، لها أنواع مختلفة الثمار وهو فاكهة قديمة قدم الإنسان نفسه. ومن الثابت أن العنب أكثر الفواكه فائدة على الإطلاق فله دوره الفعال في بناء خلايا الجسم وترميم أنسجته وتقويته، وفي علاج العديد من أمراضه كما أن له قدرة خاصة على وقاية الإنسان من العديد من العلل والأمراض.
و تختلف نسبة المواد التي يتركب منها العنب حسب نوعه، والتربة التي ينمو فيها، كما أن سكاكره تزداد فيه كلما صار أكثر نضجاً. ويشكل الماء وسطياً 82 % من وزنه، والبروتينات 8 % والدهون 4 % والسكاكر 17 % وتعتبر السكاكر المواد الأساسية في العنب وأوفرها فيه سكر العنب السهل التمثل، وسكر الفواكه Fruetose، ثم سكر قصب. ولها قيمة خاصة في العنب لارتباطها فيه مع مواد أخرى كالفيتامينات " ب 1 " و" ب 2 " التي تساعد على تغذية الأنسجة. والعنب أغنى الفواكه بالفيتامينات وخاصة " أ " و" ب " و" ج " وحمض النيكوتين، كما أنه غني بالأملاح المعدنية وخاصة الحديد والكلس والبوتاسيوم وفيه نسب من الصود والمغنزيوم والسيليس والفوسفور والعفص، ويذكر بعض المؤلفين احتواءه على اليود.
فالعنب الناضج إذن غذاء ممتاز، سريع الهضم جداً [يحتوي كل 1 كغ عنب على 6 كغ من ثاني كربونات الصوديوم] أما قبل أن ينضج _ الحصرم _ فقليل الغذاء ويحضر منه شراب
كشراب الليمون،, عصير كعصيره، ويقال أن شراب الحصرم يفيد في إزالة السمنة.
و إذا كان يؤكل طازجاً في أواخر الصيف والخريف. فيمكن أكل مجففه _ الزبيب _ طوال فصل الشتاء. والزبيب يحتفظ بأكثر خواص العنب الطازج وخاصة فيتاميناته وأملاحه المعدنية وأجود الزبيب ما صنع من عنب كثير الشحم رقيق القشرة قليل البذور.
يوصف العنب لمعالجة الإمساك وسوء الهضم فهو يلين الأمعاء ويقلل الاختمارات فيها. وهو مدر للبول وينفع لمعالجة أمراض الكلى والحصاة البولية والصفراوية. وهو يزيد من خاصية الجسم لاختزان المواد الدهنية والبروتينية وبهذه الخاصية يزيد من مقاومة الجسم للأمراض وخاصة المسلولين ويعين على الشفاء. وهو منشط لوظائف الكبد مما يجعله مدراً للصفراء ويعالج المصابين بالتسمم المزمن بالزئبق والرصاص، وطارد للسموم من البدن. كما أنه مفيد للمصابين بالنقرس والثية _ الروماتيزم _ وينصح بتناوله المصابون بفقر الدم والعصبين وناقصي الكلس والناقهين.
و يؤكد جان فالنيه S. Valnet أن العنب منشط للعضلات والأعصاب، نافع في زيادة وزن المهزولين ويصفه كعلاج في كثير من الأمراض، حيث يؤكل وحده خلال أيام وبمقدار 1 - 2 كغ يومياً. ولقد لفت ماكفادن [عن قاموس الغذاء والتداوي بالنبات لأحمد قدامة] الأنظار إلى أن الإصابة بالسرطان تكاد تكون معدومة في المناطق التي يكثر فيها إنتاج العنب مما يشير إلى أن للعنب أثراً واقياً من السرطان.
و للعنب أنواع كثيرة كلها مفيدة. وكل ما ثماره نافع من القشرة إلى البذور. فمن قشور العنب تستخلص مواد لتنظيف الأمعاء كالعفص والحوامض الحرة. وليس من حرج على الإنسان من الإكثار من العنب إلا أن تكون أمعاءه مصابة بالالتهاب. ومن بذوره يستخرج زيت غني بالحوامض الدسمة غير المشبعة وفيه كمية من الفيتامين (هـ: H) ويدرس اليوم موضوع الاستفادة من هذا الزيت عند المصابين بالعلل القلبية وارتفاع الضغط وزيادة كولسترول الدم.
و لعصير العنب فوائد جمة وخاصة عندما يعصر مع بذوره،و يشترط أن يتناول العصير بسرعة لأنه سريع التخمر ويعطى علاجاً شافياً للمتسممين والناقهين ولإذابة الحصى والرمال الكلوية. ويؤكد د. ناروتسكي فائدة العصير ضد السعال وفي آفات الرئة. كما أنه مرطب وملين ومنشط للكبد.
و يحتوي العصير على كمية من الحموض العضوية التي تصلح فساد البدن وحموضة الدم والأحماض الضارة الناشئة عن الهضم وذلك بما تنقلب إليه من أملاح قلوية. وهو غني بمركبات الحديد التي تدخل في تكوين الدم ومركبات الكلس التي تقوي العظام والأسنان. وأخيراً فهناك الزبيب فهو منشط للعضوية ومقوٍ جيد لها
مراجع البحث
ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
ضياء الدين بن البيطار: عن كتابه (تحفة ابن البيطار في العلاج بالأعشاب والنبات).
صبري القباني: عن كتابه (الغذاء لا الدواء) بيروت: 1992.
أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
هيفاء هرملاني:عن كتابها (العلاج بالفاكهة والخضار) بيروت: 1991.
محمد بدر الدين زيتوني: عن كتابه (الطب الشعبي والتداوي بالأعشاب) دمشق: 1990.
السيد الجميلي: عن كتابه (الإعجاز الطبي في القرآن) 1982.
القثّاء Snak Cuncumber
عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل القثّاء بالرطب، [رواه البخاري ومسلم. ورواه الترمذي عن عبد الله بن جعفر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل القثّاء بالرطب.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: عالجتني أمي بكل شيء فلم أسمن، فأطعمتني القثّاء والرطب فسمنت كأحسن السمن، وفي رواية: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبواي أن يطعماني القثّاء والرطب فسمنت، [أخرجه أبو داود وابن ماجة، قال الأرناؤوط حديث صحيح].
و عن الربيع بن معوذ أن النبي الله صلى الله عليه وسلم كان يحب القثّاء. [رواه الطبري في الكبير وحسنه السيوطي].
قال ابن القيم: القثّاء بارد رطب مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة، بطيء الفساد فيها، نافع من وجع المثانة بزره مدر للبول. وهو بطيء الانحدار من المعدة فينبغي أن يؤكل معه ما يصلحه ويكسر برودته ورطوبته وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ أكله بالرطب.
و زاد البغدادي قوله: القثّاء بارد رطب أفضله النضيج، يسكن الحرارة، مدر للبول، وهو أخف من الخيار.
و القثّاء نبات عشبي حولي مداد من الفصيلة القرعية، يعرف في ديار الشام بالقتي _ بالإمالة _ والمقتي، ومن فصيلتها الخيار والعجور. أول من عرفها الفراعنة واستعملوا بذورها لإدرار الحليب والبول وزيادة القوة الجنسية، ومن مصر انتشرت زراعتها في حوض البحر الأبيض المتوسط وهي تؤكل نيئة وتدخل في صنع السلطات والمخللات كتابل ومشه.
و في الطب الحديث وصفت القثّاء بأنها ملينة خفيفة، مرطبة ومنظفة للدم، توصف لإذابة الحامض البولي Acide Urique وأملاحه،و هي مدرة للبول ومنومة. تفيد كخافض للحرارة ومضاد للتسمم والمغص المعوي وتهيج الأمعاء. ونافعة ضد زيادة الصفراء ونزيف الدم والصرع ومذيبة للحصى.
و من الخارج يفيد عصيرها دهناً لمعالجة الحكة والقوباء وللعناية بالجلد حيث يمكن أن توضع قشورها على شكل رقائق على الوجه لمكافحة تغضن بشرة الوجه، ولمعالجة النمش والكلف _ يفيد مزيج عصيرها مع الحليب النيئ.
مراجع البحث
1. ابن الأثير الجزري: عن كتابه (جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم).
2. الإمام السيوطي: عن كتابه (الجامع الصغير).
3. ابن قيم الحوزية: عن كتابه (الطب النبوي).
4. الموفق البغدادي: عن كتابه (الطب من الكتاب والسنة) تحقيق القلعجي: 1988
5. أحمد قدامة: عن كتابه (قاموس الغذاء والتداوي بالنبات) بيروت: 1982.
6. مصطفى طلاس: عن كتابه (المعجم الطبي النباتي) دمشق: 1988.