الحمد لله الذي أمرنا بالاعتصام بحبله ، وذَكَّرَنا بجزيلِ نعمهِ وعظيمِ فضلهِ، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، حبَّب إلينا الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قلوبنا ، وكَرَّه إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ ، ونسألُهُ تعالى أن يجعلَنا من الراشدين.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله، جَمَّع قلوبَ المؤمنين على المحبة، وربطَ بينهم برباط التعاون والمودة، حتى صار المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنْيان يشد بعضه بعضاً.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، الذين اتحدوا على كلمة الحق ففازوا، وتعاونوا على البر والتقوى فَعَزُّوا وسادوا، فرضوان اللهِ تعالى عليهم أجمعين.
أما بعد فـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ -وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).
أيها المسلمون: اعلموا أن الاتحادَ قُوةٌ وأن التَّفَرُّقَ ضَعفٌ، ولن يقوى بناءٌ إلا بتماسك لَبِنَاتِه، ولن يرتفع صرحٌ إلا على أُسِسٍ صحيحةٍ وقواعدَ متينةٍ ، من أجل هذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لكي يبنيَ دولةَ الإسلامِ بعد هجرته من مكةَ إلى المدينة فلا بد أن يبنيها على الترابطِ والتعاونِ بين جماعة المسلمين من الأوسِ والخزرج، والمهاجرين والأنصار، فقضى على البغضاء والشحناء، والنـزاع والخلاف، والصراعاتِ الدَّائِمةِ، التي كانت بين الأوسِ والخزرجِ قبل هجرته، وآخى بين المهاجرين والأنصار، حتى اندمجوا جميعاً في نسيج واحد، تجمعهم كلمة التوحيد، حتى صاروا يداً على مَن عَاداهم، مُتحابين متراحمين متعاطفين، يشعرون بآلام بعضهم البعض، فعاشوا في سعادة وهناءٍ واستقرار وهدوء.
ألا وإن شعب الإمارات العربية الذي يعيش في هذه الأيامِ عيدَه الثالثَ والثلاثينَ الذي تأسى فيه هذا الشعب العظيم برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ حيث تم الاتحاد بين الإمارات في ظل السياسةِ الحكيمة والقيادة الرشيدة التي انتهجها رئيس الدولة الراحل صاحبُ السُّمُو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيَّب الله ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه- حيث كان من ثمرة هذا الاتحاد أنَّ كُلَّ مَن يعيش على أرضِ الإمارات يَشعرُ بأنه عضوٌ في جسد، يَسُرُّهُ ما يَسُرُّ هذا الجسد، ويسؤه ما يسؤه حتى عمَّ الخير وزاد الرخاء، وانتشر الأمن والأمان، وهكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أكثرَ مِن أربعةَ عشرَ قرناً من الزمان حيث قال صلى الله عليه وسلم: ”مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى“
وهذا ما نراه الآن في شعبِ الإماراتِ الذي تأسى به أبناءُ الدولِ المجاورةِ مِنْ سكان هذا الخليج، فسعَوْا طائعين غير مكرهين إلى إنشاء مجلِس التعاون الخليجي، الذي كان إحدى ثمرات هذا الاتحاد، والذي زاد الاتحاد تماسكاً وترابطاً، وقوة وثباتاً .
وإننا إذ نهنئ أبناءَ هذا الشعبِ العظيمِ خاصةً وسكانَ الخليج عامةً من مواطنين ومقيمين لَنضرعُ إلى الله سبحانه وتعالى أن يوفِّق السادة أصحابَ السموِ أعضاءَ المجلسِ الأعلى حُكَّامَ الإماراتِ وسُمُوَّ الشيوخِ نوَّابَ الحُكَّامِ وإخوانَهم من أولياءِ العهودِ لمَا فيه خيرُ العبادِ والبلاد في ظل السياسية الحكيمة والقيادة الرشيدة التي انتهجها صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد مواصلاً المسيرةَ المباركةَ التي بدأها سلَفُه الرَّاحل ووالده العظيم رحمه الله، فنسأل الله له التأييد والسداد.
ولا يُفُوتُنا في هذه المناسبة أن ندعوَ الله تعالى أن يوفِّقَ جميعَ رؤساءِ ومُلوكِ الدولِ العربيةِ والإسلاميةِ للاتحادِ فيما بينَهم، والانضمام إلى بعضهم البعض، في وحدة إسلامية، حتى تَقْوَى شوكَتُهُم ويخشى أعداؤُهم بأسَهم ويَتِمَّ لهم النصرُ المبين وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
إخوة الإسلام والإيمان: إن اليهود منذ فجر التاريخ يحملون الحقدَ الدفينَ على الإسلام وأهلِه، وليس أدَلَّ على ذلك من قولِ الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ)
من أجل هذا فإن اليهودَ بين الحين والحين يُؤَجِّجُونَ نارَ العداوةِ والبغضاءِ بين المسلمين ولكن (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)
ولقد حاولوا ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأشعلوا فتيل الحرب بين الأوس والخزرج بعد أن أصلح بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكادت أن تكونَ فتنةٌ لولا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم تدارَكها بقوله : ”أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم“. فعاد الطرفان إلى رشدهم وألْقَوْا أسلحتَهم واستغفروا ربَّهم.
ألا وإن ما يحدث الآن في بلاد الإسلام من اعتداءٍ على المسلمين في بلادهم، وتشريد وتدمير وإبادةٍ، إنْ هو إلا حلقةٌ في سلسلة من سلاسل القمع والقهر التي درج عليها اليهود ومَن شايعهم فيا ليت قومي يعلمون.
ليتهم يعلمون أن الله وعد المؤمنين بنصره فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)
أيها ا لمسلمون: لا تنسوا أن اليهود لكم بالمرصاد فلئن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخمدَ نار الفتنةِ التي أشعلوها بين الأوس والخزرج، فكم كانت لهم من دسائس بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والتي من أشدها الفتنة التي أودتْ بالخليفة الثالث سيدنا عثمان والخليفة الرابع سيدنا علي رضي الله عنهما، وما زال اليهود يسيرون حسب مخططاتهم المرسومة منذ قديم الزمان للقضاءِ على وحدة المسلمين لِمَا يعلمون أن في وحدة المسلمين خطورةً عليهم ، ولكن لنا الله الذي قال في كتابه عن هؤلاء اليهود: (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
ولكن المسلمين ما زالوا في غفلة عن هذا كُلِّهِ، فيا حسرةً على العباد، لقد تفرقوا شيعاً وأحزاباً،حتى تداعتْ الأُمَمُ عليهم كما أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله :”يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا“، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ”بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ“، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَاالْوَهَنُ؟ قَالَ: ”حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ“ أين هم من قولِ النبي صلى الله عليه وسلم:”مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى“
فمَنْ لي بأُنَاسٍ ربَّاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوة الإيمان فأعزَّ بهم دينه وأرهبَ أعداءه، لأنهم كانوا على قلب رجل واحد ، ولكن ما نراه الآن في بلاد الإسلام تَتَقَطَّعُ له القلوب حسرةً وألماً، فدماءُ المسلمين مُستباحةٌ، وأعراضُهُم مُنْتَهَكَةٌ، ومُقَدَّسَاتُهُم مُهانَةٌ، فمِن قَتْلٍ إلى تَشْريدٍ، ومِن تَدْمِيرٍ إلى إبادةٍ، كل ذلك والمسلمون في شتى بقاع الأرض يَنْظُرونَ إليهم نظرةَ المتفرج، فلا يُحَرِّكُ ساكنَهم إبادةُ شعبٍ، ولا تذرفُ لهم على أشلاءِ شهيدٍ دمعة، فهل هذا هو الإسلام؟ هل هذا يتفق مع قول الله تعالى:(مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا)؟. أو مع قولِ نبِيِّه الكريمِ صلى الله عليه وسلم: ”إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ“
هل هذه هي الوحدة بين الأُمَّة التي قال عنها ربُّ العزة جل في علاه(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)
لقد كان المسلمون الآوائل مترابطين متراحمين، يتألمون لآلام بعضهم مهما تباعدت الأوطان، وتناءت البلدان حتى قال شاعرهُم:
إذا أَلَمَّتْ بوادي النيل نائبةٌ
باتَتْ لها راسياتُ الشامِ تضطربُ
فما بالُ راسياتِ الشامِ الآنَ في شُغْلٍ عمَّا ألَـمَّ بوادي النيل ؟
عفواً أيها السادة: فإن ما أصاب السودان الشقيقَ من حروب أهلية من نفسِ المسلسلِ الدنيئ الذي يحدثُ الآن على أرضِ فلسطينَ وغيرهما من أراضي المسلمين، إنه صنِيعةُ أبناءِ صهيونَ ومَن يعاونونهم.
فياحسرةً على العباد! كيف ينامون مِلءَ جفونِهم وإخوانهم يقَتَّلون ويشردون؟ وماذا يقولون لربهم يوم القيامة إذا سألهم عن حقِّ المسلم على
أخيه المسلم؟ بماذا يُجيبون؟ ياليتهم فهموا قول الشاعر:
ما لي وللنجم يرعاني وأرعاه
أمسى كلانا يَعاف الغِمْضَ جَفْناهُ
لي فيكَ يا ليلُ آهاتٌ أُرَدِّدُها
أواهُ لو أجدَتْ المحـــزونَ أواهُ
أنَّى اتجهتَ إلى الإسلام في بلد
تجده كالطِّير مقصُوصــاً جناحاهُ
ألم يأنِ للذين آمنوا أن يَعُوا قول الشاعر الحكيم لأولاده :
كونوا جميعاً يا بَنِيَّ إذا اعترى
خطبٌ ولا تتفرقوا آحادا
تأبَى الرماحُ إذا اجتمعن تكسراً
فإذا افترَقْنَ تَكَسَّرَتْ أفرادا
فاللهم اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، وَرُدَّ عنا كيد الظالمين الغاشمين، واجمع شمل المسلمين، وَوَحِّدَ صُفُوفَ المجاهدين، واكتب النصر والغلبةَ لهؤلاء المستضعفين، فإنك نعم المولى ونعم النصير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .